متجاوزًا ملاحظات الشكل وسياق زيارة "مندوب القيادة الوسطى الأمريكيّة" في قصر بعبدا إلى واشنطن، استنادًا إلى تقنيتي الملاحظة وتحليل المضمون في العلاقات والخطاب والأداء؛ ومتجاوزًا مضامين أخرى لا تقل أهميّة وحساسية تأتي على حساب السيادة الوطنيّة اللبنانيّة، سأقتصر على إيراد نقاط سبع، أجدها كافية لاكتناه الخاتمة من متن تلك الزيارة، التي تشكّل مصيدة النهاية المأساوية لصديق الإبيستينية السياسيّة وصدوق ملاقاة الإبادة الإجراميّة الممتدة على أقطار منطقتنا "جوزيف عون".
نقاط "ترامب" الثلاث
ثلاث من تلك النقاط تعود لمنطوق كلام رئيس الولايات المتحدة الأميركيّة "رونالد ترامب"، عند مغازلته المخادعة لـ"عون" بقوله "الرئيس اللبناني قد يصبح أحد أهم القيادات في الشرق الأوسط"، وهو استدراج مخادع ودعابة ساخرة لمزيد من التبعيّة وإسداء الخدمات الوظيفيّة، بلغة التضعيف والتشكيك، هكذا يرمي "ترامب" شباك اصطياده الراهن على وهم مستقبلي لا شك في خوائه، مقابل هذا المدح المسموم الذي أظهر به الرئيس الأميركيّ زائره اللبناني "جوزيف عون" رجلًا حديديًّا دون حديد، مخلصًا بنزع سلاح حزب اللّه، جاعلًا منه مشروع وقود للحرب الأهليّة لا قائدًا للشرق الأوسط، باسطًا يديه لكل استباحة إسرائيلية سارية أو سورية مفترضة، فيلاقيه برهانه المقارن بالاستناد على "أحمد الشرع" أي "الجولاني" مصادرًا السيادة اللبنانيّة، بضحكة غبيّة متلعثمة داخل البيت الأبيض من ساكن قصر بعبدا، فـ "دخول سوريا لمقاتلة حزب الله ربما يكون أمرًا فعالًا"، وفي الحالتين يبدو "عون" وظيفيّ الدور عند الآخرين في رئاستهم عليه ومن خلاله على لبنان، لا حول له ولا قوةّ إلا الاستمرار في الرضوخ التام إلى بيت الطاعة، طالما هو بالنسبة إليه أفضل الممكن، حتى يبلغ الغاية "الترامبية" في النقطة الثالثة المختارة من فقرات رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة، "اتفاقيات أبراهام كانت ناجحة جدًّا وستنضم إليها دول عديدة لاحقًا"، عساه يأخذ من لم يلتحق بعد بالنواصي والأقدام.
إنجازات أمريكية في لبنان
من جهته، توجّه "عون" بالشكر للرئيس "ترامب" على الإنجازات التاريخية والاتفاق بين لبنان وإسرائيل، وهنا يطرح السؤال نفسه، عن أي "ذاكرة تاريخيّة" للولايات المتحدة الأمريكيّة في لبنان أو أي راهنية للإنجاز يتّصف بالتاريخيّة مع الولايات المتحدة الأميركية يتحدّث؟!
عن الإنزال العسكري لـ 14000 ضابط وجندي أميركي في العام 1958، تكريسًا للبنان بوصفه ساحة للغرب في حربه على الشرق، وتعميقًا لأزمات بلد لا تكفيه فسيفساؤه الداخليّة، بينما تكفّلت مدمّرة النيوجرسي ضمن القوة المتعددة الجنسيات في العام 1982 تغطية الاجتياح الإسرائيلي، والفتك بدماء الأبرياء اللبنانيين، ورعت الإذلال بضمانتها الأجندة الإسرائيليّة لاتفاقيّة الذل والعار في 17 أيار 1983، وتورّطت استخباراتها المركزيّة بمجزرة بئر العبد في 8 آذار 1985، حيث أدت إلى ارتقاء 80 شهيدًا و200 جريحًا.
ثم ماذا عن ضمان الولايات المتحدة الأمريكيّة للتفوّق الجوي والتسليحي لإسرائيل، وتغطية حروبها كافة (1978، 1982، 1993، 1996، 2024 و2026) بما أسفرت عنه آلام ونتائج؟
وماذا عن تقييد التسلّح والتسليح للجيش اللبناني، وصد محاولات التوجّه شرقًا في معالجة الأزمات الاقتصاديّة، وممارسة الحصار والعقوبات المالية والاقتصادية على لبنان؟
واضطهاد المودعين ليس لأسباب محليّة بحتة بل ثمة أضرار جانبية لا يسأل عنها طالما تهيئة مسرح الحرب جارية على قدم وساق منذ أعوام، والتحكم بخزينة ومخزون "الدولة الهشّة" محكم الوثاق.
يضاف إلى ذلك "ورقة إملاءات توم براك" وإقرارها في 5 و7 آب 2025، وقرار الفتنة وتعرية لبنان عن شرفه وتضحيته ووفائه الفعلي في 2 آذار 2026.
فضلًا عن الممارسات الأمريكيّة في أرجاء لبنان بسجل سفرائها الحافل بالفتن، والتمدّد الجغرافي في السفارة وعسكريًّا في "قاعدة حامات الجوية"، والاستحكام الأمني بمفاصل المطار والأجهزة العميقة في قرارات السلطة ومفاصل الدولة، وانتهاء بحاكميّة لبنان وتطويبه كاملًا للمفوّض "السام" أو الدامي ميشال عيسى منذ 17 تشرين الثاني 2025. واللائحة المغمسة بالدم اللبناني بيد أمريكيّة وإسرائيليّة تطول، تتصدر قائمة الإنجازات المذكورة.
دعم الانقسام
ثم يسهب "عون" في التركيز على ما يريده "طلبت من الرئيس ترامب الدعم السياسي، علينا أن نواصل دعم القوات المسلحة اللبنانية"، هذه نقطة مركزية لمن لا يريد فعلًا تدخّل الآخرين في دياره! إنما يريد جعل الداخل بتمامه رهينة التقاتل، مُهَيْمَنًا عليه أمريكيًّا، مستباحًا من جهاته الأربع، معرّضًا الجيش الوطني للانحدار السحيق في أدواره، سالبًا عنه هيبته، دافعًا وحدته إلى التشظّي، ومعنويّاته إلى الحضيض، وما المحطة التجريبية من القرى الثلاث غير المحتلّة، فرون وصريفا وزوطر الغربيّة إلا خلاصة واضحة تنذر بالأسوأ اتجاه المواطنين الجنوبيّين والمؤسّسة العسكريّة وسلوك السلطة.
أما كلامه بأن "الاتفاق الإطاري لا يحتاج إلى موافقة من البرلمان"، فهو يصادر النقاش القانوني والتوازن المجتمعي السياسي منقلبًا على الدستور والقانون و"الطائف"، مع تضخّم رئاسي دون وزن شعبي يعوم عليه، ولا قرار له بالانتقال إلى مجهول لا يفقه تضاريسه وحفره وعواقبه. ليخلص في كلامه "هدفنا النهائي هو إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل إلى الأبد"؛ وهنا يقينًا يقفل المسرح على انهياره.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.