الإثنين 27 تموز , 2026 03:19

حين يعود التاريخ… هل تتكرر النهايات أم تتبدل أدوات الهيمنة؟

ترامب ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وصورة صالح جبر

تُنسب إلى ألبرت أينشتاين عبارة أصبحت من أشهر ما قيل في قراءة السلوك الإنساني والسياسي: "الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرة بعد أخرى وتتوقع نتائج مختلفة". وسواء ثبتت صحة نسبتها إليه أم لا، فإنها تختصر درساً راسخاً في التاريخ؛ فالأمم التي لا تراجع تجاربها كثيراً ما تجد نفسها أمام المشهد ذاته، وإن تبدلت الوجوه، وتغيرت العناوين، واختلفت أدوات النفوذ.

في العراق، لا يبدو التاريخ وكأنه يعود ليكرر نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج أنماط سياسية متشابهة كلما تشابهت الرهانات. قبل ثمانية وسبعين عاماً، وقف العراق أمام معاهدة بورتسموث التي قدمتها حكومة صالح جبر باعتبارها إطاراً جديداً للعلاقة مع بريطانيا يحقق مكاسب سيادية للعراق. واليوم يقف أمام حديث متصاعد عن شراكة اقتصادية استراتيجية مع الولايات المتحدة، بعد توقيع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية، في لحظة يتراجع فيها الوجود العسكري الأمريكي المباشر مقابل اتساع الحضور الاقتصادي والاستثماري الأمريكي.

السؤال ليس إن كان التاريخ سيكرر نفسه، بل إن كانت أدوات النفوذ تتغير بينما يبقى منطقها السياسي واحداً.

من اللافت أن المقارنة تبدأ بمصادفات يصعب تجاهلها. فـ محمد صالح جبر علي الزيدي، أول رئيس وزراء شيعي للعراق، ينتمي إلى الشطرة في محافظة ذي قار، وهي المدينة نفسها التي ينتمي إليها رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي. وكلاهما جاء إلى السلطة رافعاً شعار الإصلاح، وكلاهما وجد نفسه أمام مشروع لإعادة صياغة علاقة العراق بالقوة الدولية الأكثر تأثيراً في عصره.

لكن التاريخ لا يكتبه تشابه الأسماء، بل تشابه الخيارات.

كان صالح جبر واحداً من أبرز رجال الدولة في العهد الملكي، تدرج في وزارات العدل والداخلية والخارجية والمالية والتعليم، وعُرف بذكائه الإداري وقوة شخصيته وقدرته على التفاوض. ورغم قربه من نوري السعيد في مراحل عدة، فإن العلاقة بينهما تحولت لاحقاً إلى منافسة سياسية لم تُخفِ حقيقة اتفاقهما على الإطار العام للسياسة الخارجية العراقية، والقائم على الإبقاء على علاقة استراتيجية مع بريطانيا، مع السعي إلى تحسين شروطها. لذلك لم يذهب صالح جبر إلى بورتسموث بوصفه سياسياً يبحث عن تكريس الاحتلال، بل بوصفه رجل دولة اعتقد أنه يستطيع تحويل النفوذ البريطاني من احتلال مباشر إلى علاقة تعاقدية تحقق للعراق مكاسب أكبر، عبر إنهاء معاهدة 1930 قبل موعدها واستعادة عدد من المرافق الحيوية وإعادة تنظيم العلاقة مع لندن وفق صيغة جديدة.

لكن حسابات طاولة التفاوض اصطدمت بحسابات الشارع.

فالوثائق التي رآها صالح جبر مكاسب تفاوضية، قرأها قطاع واسع من العراقيين باعتبارها استمراراً للنفوذ البريطاني بصيغة مختلفة. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

لم تسقط حكومة صالح جبر لأن معاهدة بورتسموث كانت، في نظر الجميع، أفضل أو أسوأ من معاهدة 1930، وإنما لأنها اصطدمت بحقيقة سياسية لا تتغير؛ فالدولة تستطيع أن تفاوض الخارج، لكنها لا تستطيع تجاوز المزاج الوطني. فمنذ تأسيس الدولة العراقية، لم تكن الأزمة في نصوص الاتفاقيات وحدها، بل في السؤال الذي يتكرر مع كل جيل: أين تنتهي الشراكة ويبدأ النفوذ؟

هذا السؤال هو الذي حوّل معاهدة بورتسموث من مشروع تفاوضي إلى أزمة وطنية، وهو الذي أطلق انتفاضة الوثبة، وانتهى بإسقاط الحكومة وإلغاء المعاهدة، لتصبح تلك الحادثة واحدة من أهم المنعطفات في التاريخ السياسي العراقي الحديث.

اليوم، يطرح رئيس الوزراء علي الزيدي رؤية مختلفة في الشكل، لكنها تثير أسئلة مشابهة في الجوهر. فبدلاً من الحديث عن قواعد عسكرية، يجري الحديث عن ثمانٍ وأربعين اتفاقية اقتصادية، وعن حضور واسع للشركات الأمريكية في قطاعات النفط والغاز والكهرباء والاتصالات والقطاع المالي، بالتزامن مع استمرار التعاون الأمني والتدريب والتنسيق الاستخباري بعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي المباشر.

وهنا تتجاوز المقارنة حدود التاريخ إلى حقل العلاقات الدولية.

فأدبيات السياسة الدولية تتحدث منذ عقود عن تحول أدوات الهيمنة. فالدول الكبرى لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها للحفاظ على نفوذها، بل باتت تستخدم أدوات أكثر تعقيداً واستدامة، مثل الاستثمار، والطاقة، والتمويل، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والقطاع المصرفي، والاقتصاد الرقمي. ويصف كثير من الباحثين هذا التحول بأنه انتقال من الاعتماد على القوة الصلبة إلى مزيج يجمع بين القوة الناعمة والقوة الاقتصادية، حيث يصبح التأثير في القرار الوطني ممكناً عبر الاقتصاد والأسواق والتكنولوجيا، بقدر ما كان يتحقق سابقاً عبر القواعد العسكرية.

ومن هذا المنظور، فإن الشركات ليست جيوشاً بالمعنى التقليدي، لكنها قد تتحول إلى أدوات نفوذ إذا ارتبطت بها قطاعات استراتيجية تمنح الطرف الخارجي قدرة على التأثير في القرار الوطني. وفي المقابل، قد تكون تلك الشركات نفسها فرصة حقيقية للتنمية إذا امتلكت الدولة مؤسسات قوية قادرة على إدارة العلاقة على أساس المصالح المتبادلة. ولذلك فإن المسألة ليست في وجود الشركات بحد ذاته، وإنما في طبيعة ميزان القوة الذي يحكم العلاقة بينها وبين الدولة.

ولهذا، فإن القضية المركزية ليست استبدال الجندي بالمستثمر، وإنما معرفة ما إذا كان هذا التحول يمثل انتقالاً من الاحتلال العسكري إلى الشراكة الاقتصادية، أم انتقالاً من النفوذ المباشر إلى النفوذ غير المباشر عبر الاقتصاد والمال والتكنولوجيا. فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تتخلى عن مصالحها، لكنها تعيد تشكيل وسائل حمايتها بما ينسجم مع تحولات النظام الدولي. وما كان يُدار بالأمس عبر المعاهدات العسكرية قد يُدار اليوم عبر الشركات العابرة للقارات، أو البنوك، أو مشاريع الطاقة، أو شبكات الاتصالات، ضمن عملية مستمرة من إعادة تشكيل النفوذ الدولي.

وهذا لا يعني أن كل شراكة اقتصادية هي بالضرورة شكل من أشكال الاستعمار غير المباشر، فمثل هذا الوصف يحتاج إلى معايير موضوعية ودراسة كل حالة على حدة. غير أن التجربة العراقية تؤكد أن الرأي العام لا يقيس السيادة بعدد الجنود فقط، بل أيضاً بمدى استقلال القرار الاقتصادي والسياسي عن الضغوط الخارجية.

وهنا يظهر الدرس الذي تركه صالح جبر.

فالرجل، بحسب كثير من الباحثين، لم يكن يعتقد أنه يفرط بسيادة العراق، بل كان مقتنعاً بأنه انتزع من بريطانيا أفضل ما يمكن انتزاعه في ميزان القوى آنذاك. لكنه أخطأ في تقدير عنصر بالغ الأهمية؛ وهو أن شرعية الاتفاقيات لا تُصنع على طاولة المفاوضات وحدها، وإنما في وعي المجتمع أيضاً. فالشارع لم يناقش نصوص بورتسموث بقدر ما ناقش رمزيتها، ورأى فيها استمراراً لعلاقة غير متكافئة مع قوة أجنبية.

وهذا هو الفارق بين شرعية النص وشرعية المجتمع.

ومن هنا، فإن المقارنة بين الأمس واليوم ليست حكماً على نتائج الحاضر، ولا افتراضاً بأن التاريخ يعيد نفسه بصورة آلية، وإنما محاولة لقراءة كيفية تغير أدوات النفوذ الدولي مع بقاء الأسئلة المتعلقة بالسيادة والشرعية الوطنية حاضرة في كل مرحلة. فالتاريخ لا يكرر أحداثه بحذافيرها، لكنه كثيراً ما يعيد طرح الأسئلة ذاتها بأدوات مختلفة.

في عام 1948 اعتقد صالح جبر أن تعديل المعاهدة سيغير نظرة العراقيين إلى بريطانيا، فسقطت حكومته قبل أن يمنحه التاريخ فرصة الدفاع عنها. وبعد ثمانية وسبعين عاماً، لا يطرح التاريخ السؤال نفسه على شخص بعينه، بل على الدولة العراقية بأكملها: هل يكفي أن تتغير أدوات النفوذ حتى تتغير طريقة العراقيين في قراءتها؟ أم أن الأمم، كما الأفراد، تدفع ثمن تجاهل ذاكرتها أكثر مما تدفع ثمن أخطائها؟

ولعل هذا هو المعنى الأعمق لعبارة أينشتاين المنسوبة إليه؛ فليست المشكلة في تكرار التجربة، بل في الاعتقاد أن تغيير الأسماء والأدوات وحده كفيل بإنتاج نتائج مختلفة، بينما يبقى الامتحان الحقيقي هو قدرة الدولة على التوفيق بين ضرورات الشراكة الخارجية ومتطلبات الشرعية الوطنية.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور