شهدت الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران تحولًا لافتًا مع إعلان الرئيس دونالد ترامب انتهاء التفاهم المؤقت وعودة العمليات العسكرية، إذ انتقلت واشنطن إلى مقاربة تقوم على الإكراه المتصاعد، تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي والتهديد بتوسيع العمليات، مع إبقاء المسار التفاوضي مفتوحًا في الوقت ذاته. وتهدف هذه المقاربة إلى رفع كلفة عدم استجابة طهران تدريجيًا، ودفعها إلى إعادة حساباتها والقبول بتسوية أكثر ملاءمة لواشنطن، من دون أن يمثّل الحسم العسكري النهائي هدفًا قائمًا بذاته. ولا يقتصر هذا الضغط على الملف النووي، بل يمتد إلى القدرات الصاروخية وإعادة بناء القدرات الإيرانية والسلوك الإقليمي وأمن القوات الأمريكية ومضيق هرمز، غير أن هذا النهج يصطدم بمفارقة جوهرية؛ فكلما ارتفع الضغط بهدف تغيير حسابات طهران، تزايدت احتمالات أن يولّد ردودًا مضادة يصعب احتواؤها.
وقد تدرّج خطاب ترامب على مدى الأسابيع الأخيرة بصورة تعكس هذا المنطق. ففي مطلع تموز، دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة اتسمت بهشاشة التفاهم المؤقت، وبرز مضيق هرمز تدريجيًا كأحد أهم مسارح المواجهة. وفي الثامن من الشهر، عاد الخطاب الأمريكي إلى التلويح باستخدام القوة، قبل أن يقترن في العاشر منه استئناف الحديث عن المفاوضات بالتأكيد على انتهاء وقف إطلاق النار، لتنتقل المفاوضات إلى موازاة التصعيد بدل اشتراطها بوقفه الكامل. واتسع الخطاب في العاشر والحادي عشر ليشمل تهديدات تستهدف ترامب شخصيًا، إذ رُبطت أي محاولة لاغتياله برد عسكري واسع، وهو ما يعكس اتساع نطاق الردع ليشمل حماية القيادة السياسية ذاتها. ومع تصاعد الأزمة حول المضيق في الثالث عشر والرابع عشر، اتجهت السياسة الأمريكية أكثر نحو المجال البحري، قبل أن يتسع نطاق الأهداف العسكرية المطروحة بحلول السادس عشر ليشمل مراكز القيادة والدفاعات الجوية والمنشآت الساحلية، مع إشارة إلى احتمال اللجوء إلى قوات برية دون قرار نهائي. وتصاعدت اللهجة أكثر في الثامن عشر بالحديث عن ضرب أهداف أكبر تشمل البنية التحتية، ثم ارتبط الخطاب في التاسع عشر والعشرين بالخسائر البشرية الأمريكية، بالتوازي مع مؤشرات على البحث عن وقف مؤقت لإطلاق النار. وتكشف هذه التطورات، حتى الحادي والعشرين من تموز، عن انتقال تدريجي من إدارة تفاهم مؤقت إلى إدارة مواجهة تجمع التصعيد العسكري بالضغط الاقتصادي والبحري والتفاوض المتوازي.
ويختلف هذا النموذج عن "الضغط الأقصى" السابق في طبيعة العلاقة بين أدواته؛ ففي حين كانت العقوبات تؤدي وظيفة مستقلة لإضعاف قدرة إيران على الصمود، تعمل الأدوات في الإكراه المتصاعد بتكامل متزامن: العقوبات تدعم الضغط العسكري، والضربات تعزّز مصداقية التهديد، والتحركات البحرية ترفع الكلفة الاقتصادية، بينما يبقى التفاوض مخرجًا سياسيًا محتملًا. ولا يبدو الهدف تدمير القدرة الإيرانية نهائيًا بقدر ما هو تغيير حسابات القيادة ومنعها من استعادة قدراتها بسرعة، وهو رهان يتطلب رسائل أمريكية واضحة ومستويات تصعيد قابلة للتحكم، مع إبقاء مخرج سياسي أمام طهران لا يبدو استسلامًا كاملًا. وتقوم هذه الاستراتيجية على ستة مرتكزات: رفع الضغط تدريجيًا، واستخدام الضربات كأداة إضعاف لا كهدف نهائي، ومنع إيران من استعادة قدراتها النووية والصاروخية، وتحميلها مسؤولية أوسع عن أنشطة حلفائها، وتوظيف أمن الملاحة في مضيق هرمز، والتأثر بالضغط الإسرائيلي وتقييماته بشأن المنشآت المحصنة تحت الأرض.
أما أدوات التنفيذ فتتوزع بين القوة العسكرية الدقيقة التي تؤدي وظيفة إكراه أكثر من كونها حسمًا، والضغط الاقتصادي الذي يحدّ من قدرة إيران على التعافي، ومضيق هرمز الذي يمثل أداة ضغط دولية ومصدر تصعيد في آنٍ واحد، والتفاوض الذي يُطرح كنتيجة سياسية للإكراه لا كبديل عنه، والخطاب السياسي الذي يعمل كأداة ردع موازية. وتتحرك هذه الاستراتيجية ضمن بيئة تحكمها محددات عدة، أبرزها فشل التهدئة المؤقتة في إنتاج تسوية مستقرة، واتساع تعريف التهديد الإيراني تحت تأثير الضغط الإسرائيلي، وتحوّل هرمز إلى عنصر مركزي في الصراع، وارتفاع كلفة استمرار المواجهة على واشنطن نفسها، وتعقّد البيئة الإقليمية متعددة الساحات.
وتواجه هذه الاستراتيجية حدودًا بنيوية، إذ لا تضمن الضربات العسكرية تغيير السلوك السياسي الإيراني، بل قد تدفع طهران إلى تسريع إعادة البناء بدل الاستجابة، بما يفتح الباب أمام دورة استنزاف متبادل تتحول فيها أداة الضغط إلى نقطة ضعف إذا تجاوزت كلفتها قدرة واشنطن على التحمل. ونطرح هنا ثلاثة سيناريوهات محتملة: نجاح الضغوط في إنتاج تسوية سياسية، وهو احتمال منخفض في المرحلة الراهنة؛ واستمرار حرب استنزاف طويلة بالتوازي مع التفاوض، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا؛ واتساع المواجهة إلى تصعيد إقليمي أوسع، وهو احتمال متوسط إلى مرتفع مرتبط بسقوط قتلى أمريكيين أو اضطراب طويل الأمد في هرمز أو انخراط إسرائيلي مباشر وموسّع.
وفي الخلاصة، لن يقاس نجاح الاستراتيجية الأمريكية بحجم الأضرار العسكرية وحده، بل بقدرة واشنطن على تحويل الضغط المتصاعد إلى مكاسب سياسية مستدامة قبل أن تتحول ديناميات التصعيد إلى قيد على حرية قرارها، فيما تسعى طهران في المقابل إلى الصمود ورفع كلفة المواجهة لتحسين شروطها التفاوضية.
الكاتب: غرفة التحرير