شهد المسرح العملياتي في اليوم الحادي عشر من العدوان الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية حالة من الاستعصاء الاستراتيجي طالت القوات المعادية، إذ لم تفلح الكثافة النارية ولا التحشيد اللوجستي والاستخباري الأمريكي الواسع في زعزعة تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية التي أثبتت كفاءة ملحوظة في منظومات دفاعها الجوي، فتمكنت من امتصاص الصدمة وتحييد الأثر الاستراتيجي للضربات. وقد أخفقت واشنطن في تحقيق أهدافها التكتيكية السريعة عبر استراتيجية "الصدمة والترويع"، وتآكلت مبادأتها الهجومية لصالح تثبيت القوات المسلحة الإيرانية لمعادلة ردع صارمة، تجلت في توسيع بنك الأهداف الإيراني ليشمل القواعد ونقاط التمركز العسكرية الأمريكية في المحيط الإقليمي، إلى جانب فرض تقييد كامل لحركة الملاحة المعادية في مضيق هرمز، وتوجيه رسائل عملياتية واضحة مفادها أن أي مساس بالبنية التحتية الإيرانية سيُقابل بتدمير موازٍ للشبكات اللوجستية ومصادر الطاقة التي تعتمد عليها القوات المعادية وحلفاؤها.
على صعيد مجريات العمليات العسكرية، نفذت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) موجات هجومية ليلية تركزت على أهداف طرفية ومحيط بعض المنشآت في الجغرافيا الإيرانية، سعياً لتجنب الاشتباك المباشر الكثيف مع طبقات الدفاع الجوي المركزي، فشملت الاستهدافات محيط مدن ماهشهر وبهبهان وأرومية وتبريز، إضافة إلى غارات على جزيرة سيريك، كما سُجل سقوط مقذوفات في محيط محطة بوشهر للطاقة واستهداف مستودع للأسفلت في منطقة رامشير ومحيط مدينة الأهواز. وتشير طبيعة هذه الأهداف إلى فشل استخباري في الوصول إلى البنى الاستراتيجية العميقة، واضطرار القوات المعادية لتسجيل ضربات ذات قيمة تكتيكية منخفضة لغايات الإدامة العملياتية فحسب، فيما ظلت فعاليتها محدودة ومقيدة بفضل كثافة نيران الدفاعات الجوية الإيرانية، دون أن تُسفر عن أي إعاقة جوهرية للقدرات الصاروخية واللوجستية الإيرانية.
في المقابل، نفذت القوات المسلحة الإيرانية سلسلة من الضربات المركبة والمنسقة حصراً ضد البنية التحتية العسكرية الأمريكية المتمركزة في دول الإقليم، كرسالة ردع تكتيكي واستراتيجي في آن واحد. ففي الكويت، استُهدف مركز القيادة والدعم اللوجستي للقوات البرية الأمريكية في معسكر "الدوحة"، إلى جانب هجوم بالمسيّرات الانتحارية على قاعدة "علي السالم" الجوية وتدمير رادار الإنذار المبكر الأمريكي في قاعدة "أحمد الجابر". وفي الأردن، وُجهت ستة صواريخ وأربع مسيّرات نحو قاعدة "الأزرق"، مع قصف متكرر لقاعدة "موفق السلطي" أسفر عن مقتل مجندة أمريكية، فضلاً عن ضربات صاروخية نحو القواعد والمنظومات الأمريكية في ميناء العقبة شهدت إخفاقاً لمنظومات باتريوت المعادية في الاعتراض. أما في السعودية، فقد استُهدفت مباشرة التمركزات الأمريكية في قاعدة "الملك فهد" الجوية وقاعدة الدمام، بينما شهدت البحرين هجوماً مركباً صاروخياً ومسيّراً استهدف مقرات الأسطول الخامس والقواعد الأمريكية، وتركز على المخازن ومراكز الاتصال العسكري التكتيكي والاستراتيجي. وفي الإمارات، وُجهت ضربة دقيقة أدت إلى تدمير مركز بيانات ضخم متقدم كانت تستخدمه القوات الأمريكية والاستخبارات الغربية لإدارة العمليات في المنطقة. وعلى صعيد الأسطول البحري ومضيق هرمز، أعلن حرس الثورة الإغلاق التام للمسارات الملاحية أمام القطع المعادية وتفخيخ المسارات الجنوبية، ما فرض شللاً تكتيكياً على حركة الأسطول البحري الأمريكي في مياه الخليج.
أما مناورتا النار، فقد اعتمدت القوات الأمريكية على استراتيجية الأسلحة بعيدة المدى (Standoff Weapons)، مستخدمة صواريخ توماهوك كروز المنطلقة من منصات بحرية وجوية، مع استخدام محدود للقاذفات الاستراتيجية تجنباً لخسائر في الطائرات المأهولة، فجاءت كثافة النيران متفرقة وافتقرت إلى التركيز الاستراتيجي، بما يدل على محاولة إدامة الزخم العملياتي بغض النظر عن القيمة العسكرية للهدف المضروب. في المقابل، اعتمدت مناورة النار الإيرانية على "الهجوم المركب الموزع" باستخدام أسراب الطائرات المسيّرة الانتحارية لإنهاك الرادارات، متبوعة بصواريخ باليستية نقطية، وتميزت بالكثافة اللحظية والتركيز الشديد على العقد اللوجستية من رادارات إنذار مبكر ومراكز قيادة ومستودعات ذخيرة للقوات الأمريكية، بهدف شل قدرة تلك القواعد على دعم عمليات القيادة المركزية. وقد أثبتت مناورة النار الإيرانية تفوقاً في مبدأ "الاقتصاد في الجهد والدقة في التوجيه"، حيث اخترقت منظومات الدفاع الجوي الغربية باتريوت وسي-رام في عدة مسارح، بينما بدت مناورة النار الأمريكية مشتتة، واصطدمت بقدرة إيرانية عالية على امتصاص النيران والتعافي السريع والتكيف مع موجات القصف دون فقدان السيطرة والقيادة.
وعلى صعيد النشاط الجوي، تُظهر بيانات الاستطلاع مفتوحة المصدر (OSINT) جهداً أمريكياً مضنياً لتأمين البنية اللوجستية المطلوبة للعمليات، إذ سُجل نشاط مكثف لطائرات الاستخبارات الإلكترونية والإشارة مثل RC-12 Kookiya وGulfstream V Nachshon Shavit، إلى جانب طائرات الاستطلاع البحري MQ-4C Triton، في إشارة إلى حالة من "العمى الاستخباري" ومحاولة يائسة لرصد منصات الإطلاق الإيرانية المتحركة، كما سُجل إغلاق أجهزة البث لطائرات الشحن C-17 والتزود بالوقود KC-135R، مؤكداً تحولها إلى عمليات سرية خوفاً من الاستهداف. أما في العمق الإيراني، فقد لوحظ امتناع شبه تام عن دخول الطيران التكتيكي المأهول إلى المجال الجوي الإيراني العميق، نتيجة التشويش الواسع على نظام GPS وفعالية طبقات الدفاع الجوي الإيراني، فيما رُصدت طفرات غير مسبوقة لطائرات التزود بالوقود في الساحتين الأوروبية والأردنية بلغت أكثر من ثلاثة إلى أربعة أضعاف المعدل الطبيعي، وهو ما يعكس تعقيد سلاسل الإمداد واضطرار القاذفات للتحليق لمسافات قارية بعيدة عن متناول النيران الإيرانية.
ويكشف التقييم العملياتي الإجمالي للأداء الأمريكي عن تعقيدات لوجستية حرجة، إذ أجبر الفشل في تحييد القدرة الصاروخية الإيرانية منذ الأيام الأولى واشنطن على الاعتماد على مسارات جوية طويلة ومكلفة انطلاقاً من قواعد خلفية، فيما تعكس التهديدات السياسية بضرب البنى التحتية المدنية إفلاساً في بنك الأهداف العسكرية. في المقابل، تُظهر القيادة الإيرانية مرونة عملياتية استثنائية، إذ تؤكد قدرتها على إدارة نيران متعددة الاتجاهات وتوجيه ضربات جراحية ضد القواعد الأمريكية وتفعيل سلاح إغلاق المضائق نجاح استراتيجية الردع النشط، بينما وضع إدراج مقار البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأمريكية كأهداف مشروعة، رداً على التهديدات بضرب البنية التحتية، الإدارة الأمريكية أمام مأزق استراتيجي قد يحد من خياراتها التصعيدية.
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن عامل الوقت يتآكل بسرعة ضد واشنطن وحلفائها، بعدما نجحت القوات المسلحة الإيرانية في تثبيت قواعد اشتباك جديدة تحول دون استفراد العدو بالساحة الإيرانية، وباتت القواعد العسكرية الأمريكية المتقدمة في الإقليم عبئاً استراتيجياً ومراكز ثقل قابلة للتدمير المنهجي. وفي حال نفذت القوات المعادية أي ضربات تستهدف بنية الطاقة الإيرانية، فمن المرجح عسكرياً أن نشهد تفعيلاً فورياً لمعادلة "الكل أو اللاأحد"، بما يفضي إلى شلل تام لتدفقات الطاقة من الخليج، وإخراج قواعد أمريكية رئيسية في محيط إيران عن الخدمة العملياتية بشكل كامل عبر ضربات صاروخية إشباعية، فيما تحتفظ الجبهة الإيرانية حالياً بالمبادأة التكتيكية في اختيار زمان ومكان الرد.
الكاتب: غرفة التحرير