الأربعاء 22 تموز , 2026 03:26

وهم عزل إيران

مضيق هرمز

تشكل سياسة الضغط والعزل إحدى الأدوات الأساسية في الاستراتيجية الأميركية، إذ ترى واشنطن أنها وسيلة فعّالة لإجبار خصومها على تغيير سلوكهم وتقديم تنازلات سياسية. وفي هذا السياق، يطرح عدد من الدبلوماسيين والمحللين الأميركيين في مقالاتهم أن الطريق إلى إنهاء الحرب مع إيران يمر عبر عزل طهران وإجبارها على التخلي عن أوراق نفوذها، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

ينطلق هذا الطرح من افتراض أن الولايات المتحدة قادرة على زيادة الضغط بلا حدود، وأن إيران ستضطر في نهاية المطاف إلى الاستجابة تحت وطأة العقوبات والضربات العسكرية. إلا أن التجارب السابقة التي خاضتها واشنطن في الشرق الأوسط تقدم صورة أكثر تعقيداً، إذ أظهرت أن التفوق العسكري والضغط الاقتصادي لا يؤديان بالضرورة إلى تحقيق الأهداف السياسية، بل قد يفتحان الباب أمام أزمات أطول وأكثر كلفة.
مشكلة هذا الطرح تبدأ من طريقة تعريف الأزمة. إذ تُختزل مسألة مضيق هرمز باعتبارها مجرد ورقة ضغط إيرانية، بينما يتم تجريدها من السياق الذي دفع المنطقة إلى هذه المرحلة. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وعودة سياسة "الضغط الأقصى"، تحولت العقوبات الاقتصادية إلى أداة تهدف إلى إخضاع طهران وإجبارها على تغيير سلوكها الإقليمي والنووي، بالتوازي مع تصاعد التهديدات العسكرية في الخليج.
من وجهة النظر الإيرانية، لم تكن هذه الإجراءات منفصلة عن محاولة أوسع لتقليص نفوذها الإقليمي الذي توسع خلال السنوات الماضية وأصبح جزءاً من معادلة التوازنات في المنطقة. لذلك، عملت طهران بجهد ليكون مضيق هرمز أحد عناصر الردع الاستراتيجية التي يمكن استخدامها في مواجهة التفوق العسكري الأميركي وحلفائه.
وهذا ما يتجاهله الطرح الأميركي، إذ إن ورقة هرمز ليست أداة طارئة ظهرت مع اندلاع الحرب الحالية، بل هي خيار عملت إيران على تطويره والاستعداد له منذ سنوات ضمن منظومة الردع الخاصة بها. وقد أشار عدد من المسؤولين الإيرانيين إلى أن القيادة الإيرانية وتحديداً السيد علي الخامنئي وضعت سيناريوهات مرتبطة بالمضيق منذ فترة طويلة، بما في ذلك خطط التعامل مع أي محاولة لاستهداف أمنها أو تغيير موازين القوى ضدها.
لذلك، فإن التعامل مع هذه الورقة وكأن الولايات المتحدة قادرة على انتزاعها بسهولة عبر الضربات العسكرية يتجاهل طبيعة الاستعدادات التي بنتها طهران حولها.
إلى جانب ورقة هرمز، لا تقوم منظومة الردع الإيرانية على عنصر واحد، بل على مجموعة من القدرات المتداخلة التي طورتها طهران على مدى سنوات بهدف منع العدو من تحويل التفوق العسكري إلى قدرة على فرض الوقائع السياسية. وتشمل هذه المنظومة القدرات الصاروخية بعيدة ومتوسطة المدى، والطائرات المسيّرة، والقدرة على استهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، إضافة إلى شبكة العلاقات والتحالفات التي بنتها إيران مع القوى الإقليمية في لبنان واليمن والعراق.
وأهمية هذه المنظومة تتمثل في رفع كلفة أي مواجهة مع إيران إلى مستوى تجعل الولايات المتحدة تعيد حساباتها قبل الانتقال إلى حرب مفتوحة. فواشنطن تمتلك قدرة على تدمير أهداف محددة، لكن ماذا ستحقق بعدها؟ وكيف ستمنع الرد الإيراني على مصالحها وقواعدها وحلفاءها في المنطقة؟
وهذه هي معضلة إدارة ترامب. فعدما بدأت الولايات المتحدة حربها ضد إيران إلى جانب "إسرائيل"، لم تستطع إنهائها بالشروط التي تريدها ومن دون تحمل كلفة تصعيد طويل. خصوصًا على الصعيد الاقتصادي.
وفي محاولة لإيجاد حلول لإنهاء الحرب مع إيران، يقترح المبعوث الأميركي السابق دينيس روس "حرمان طهران من أهم أوراق قوتها، وفي مقدمتها مضيق هرمز. عبر إعادة فرض الحصار على إيران، إلى جانب استخدام القوة العسكرية". وحسب ظنه أن هذا يمكن أن "يضعف قدرات إيران ويدفعها إلى التراجع والقبول بشروط واشنطن، بما في ذلك إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية".
 ويرى أن نجاح استراتيجية عزل طهران يتطلب الانتقال من الضغط الأحادي إلى ما يسميه "ضغطاً دولياً جماعياً". وفي هذا السياق، يقترح أن يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع حلفائه في الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات، من أجل دفع الصين إلى دعم مسار دولي يثبت أن مضيق هرمز ممر مائي دولي لا يمكن لأي دولة التحكم به أو استخدامه كأداة ضغط.
ويرى روس أن موقف الصين سيكون عاملاً حاسماً، إذ إن عدم عرقلة بكين لهذا المسار، بحسب تقديره، سيشكل ضربة لطهران ويزيد من شعورها بالعزلة. لذلك يدعو ترامب إلى استخدام علاقاته مع الدول الخليجية للضغط على الصين وإقناعها بأن مصالحها تقتضي دعم هذا التوجه.
غير أن هذا التصور يصطدم بجملة من الوقائع الاستراتيجية. فأولاً، لا تنظر الصين إلى مضيق هرمز من زاوية الصراع الأميركي الإيراني، بل من زاوية أمن الطاقة الذي يمثل أحد أعمدة اقتصادها. وبسبب أن المضيق ليس شأناً إيرانياً داخلياً، بل ممر دولي ترتبط به مصالح اقتصادية عالمية. وأي تصعيد واسع حوله لن يقتصر تأثيره على طهران، بل سيمتد إلى أسواق الطاقة العالمية، في وقت تعتمد فيه اقتصادات كبرى مثل الصين والهند على استقرار تدفق النفط من الخليج الفارسي.
ولهذا فإن محاولة فرض ترتيبات جديدة بالقوة قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة، عبر تحويل أزمة هرمز إلى أزمة دولية تتضرر منها أطراف عديدة، وبالأصل واشنطن لا تملك إجماع دولي حول مقاربتها. لأن النظام الدولي الحالي لا يقوم على الاصطفاف خلف واشنطن، بل على التنافس بين القوى الكبرى.
حتى لو افترضنا نجاح واشنطن في حشد ضغط دولي أوسع، فإن ذلك لا يجيب عن السؤال الذي يواجه إدارة ترامب؛ هل سيؤدي هذا الضغط إلى خفض كلفة الحرب على الولايات المتحدة، أم إلى توسيعها؟ فإقناع الصين بعدم عرقلة سياسة واشنطن لا يعني أن مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة أو استهداف المصالح الأميركية ستختفي. 
خصوصاً أن مجمل الاستعدادات التي بنتها طهران خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى منظومة الردع أو إدارة الحرب، توحي بأنها أعدّت نفسها لمواجهة طويلة ولمختلف السيناريوهات.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور