الثلاثاء 21 تموز , 2026 03:20

العمى الاستراتيجي: كيف تُغرق إيران أمريكا في العتمة العسكرية؟

استهداف القواعد الأميركية

يُظهر التقييم الاستراتيجي لمجريات الساعات الأربع والعشرين الماضية استمرار القوات الأمريكية في تنفيذ هجماتها على شكل موجات متباعدة لكنها مكثفة، وهي موجات اصطدمت بقدرة إيرانية عالية على استيعاب الصدمة الأولى من كل موجة، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وبنية القيادة والسيطرة. وقد أخفقت الاستراتيجية الأمريكية القائمة على "الكثافة النارية والترويع" في شلّ القدرات الهجومية أو الدفاعية للجمهورية الإسلامية، في حين انتقلت القوات المسلحة الإيرانية، ضمن الموجتين 21 و22 من عملية "نصر 2"، إلى فرض معادلات ردع تكتيكية واستراتيجية جديدة عبر تحييد منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي في القواعد الأمريكية المنتشرة في الإقليم. ويكشف هذا الموقف عن تآكل متزايد في خيارات واشنطن العسكرية واللوجستية، وعن توجه أمريكي متنامٍ نحو طلب هُدن تكتيكية، أبرزها مقترح الهدنة لعشرة أيام، في محاولة لاستعادة حرية الملاحة وامتصاص الخسائر العسكرية المتراكمة.

وعلى الصعيد العملياتي، ركّزت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) جهدها الناري على استهداف البنية التحتية والمنشآت الساحلية الإيرانية، بهدف معلن يتمثل في إضعاف القدرات البحرية والجوية لطهران. وشملت الغارات مدناً وقطاعات حيوية عدة، من بينها تبريز وماهشهر وتشابهار وخرم آباد وسربندر وسيريك وبندر عباس وشيراز وبوشهر وجزيرة قشم، معتمداً العدو في ذلك على الضربات الجوية المنفذة من خارج نطاق التغطية الدفاعية الإيرانية، إلى جانب استخدام وسائط المدفعية الصاروخية من طراز "هيمارس" انطلاقاً من نقاط تمركزه في الكويت. ورغم كثافة هذه الغارات، بقيت فاعليتها الاستراتيجية محدودة، إذ حافظت الدفاعات الجوية الإيرانية على أدائها العالي، وسجّلت إسقاط عدد من الطائرات المسيرة المتقدمة من طراز "إم كيو-9".

في المقابل، اعتمدت القيادة الإيرانية سياسة الردع النشط، موجّهة ضربات جراحية دقيقة وحصرية نحو نقاط تمركز القوات والقواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية المنتشرة في الدول المجاورة، مع التأكيد على أن العقيدة العسكرية الإيرانية حيّدت تماماً أي أهداف مدنية أو سيادية تابعة للدول المضيفة، وجعلت من البنية التحتية العسكرية الأمريكية هدفها الأوحد. ففي الأردن، وُجّهت ضربات باليستية دقيقة نحو قاعدة "موفق السلطي" و"البرج 22" (قاعدة التنف)، ما أدى إلى تدمير مآوي طائرات "إم كيو-9"، وتحييد طائرات نقل عسكري من طراز "سي-17" وطائرات قيادة وتحكم من طراز "بي-8" في مطار الملك حسين بالعقبة، إلى جانب رصد خسائر بشرية في صفوف القوات المعادية. وفي الكويت، اقتصر الاستهداف على البنية التحتية للجيش الأمريكي، حيث دُمّرت منصات ومعدات طائرات "إم كيو-9" في قاعدة "علي السالم"، كما دُمّر رادار الإنذار المبكر من طراز "إف بي إس-117" ومنظومات الاتصالات الفضائية وبطاريات "باتريوت" في قاعدة "أحمد الجابر"، إضافة إلى استهداف مرابض راجمات "هيمارس" في مخيم "عريفجان". وفي البحرين، نُفذت هجمات مركبة جمعت بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، استهدفت القواعد الأمريكية في الجفير والمحرق والرفاع وقاعدة عيسى الجوية، ما أسفر عن إخراج رادارات أمريكية ومنظومات "باتريوت" عن الخدمة بشكل كامل. أما في الإمارات وسلطنة عُمان والمجال البحري المحيط، فقد فُرضت قواعد الاشتباك الإيرانية بصرامة في مضيق هرمز وبحر عُمان، قبالة سواحل جميرا وكمزار، عبر استهداف وتعطيل سفن شحن وناقلات خرقت أوامر الحظر وحاولت العمل تحت غطاء الحماية الأمريكية.

أما على صعيد مناورتي النار، فقد اعتمدت القوات الأمريكية على الغارات الجوية المأهولة وغير المأهولة والقصف الصاروخي عن بُعد لتقليل خسائرها، مستخدمة راجمات "هيمارس" لتعويض عجزها عن التوغل في المجال الجوي الإيراني المحمي بشبكات دفاعية كثيفة، في مناورة تسعى إلى استدامة العمليات لكسر الإرادة الإيرانية لكنها تفتقر إلى القدرة على التدمير المنهجي لمراكز الثقل الإيرانية. في المقابل، اعتمدت المناورة النارية الإيرانية عقيدة "الكثافة النقطية الدقيقة"، من خلال دمج الصواريخ الباليستية التكتيكية، مثل فاتح 110 وذو الفقار وخيبر شكن وعماد، مع أسراب الطائرات المسيرة الانتحارية من طراز شاهد 136 وآرش 1 و2 وغيرها، لشن هجمات متزامنة استهدفت حصراً مفاصل القوة المعادية، أي "عين وعقل العدو" المتمثلة بالرادارات وأنظمة الدفاع الجوي ومراكز القيادة. وقد أثبتت هذه المناورة تفوقاً نوعياً في اختراق منظومات الاعتراض الأمريكية "باتريوت"، التي سجّلت معدلات إخفاق عالية في كل من الأردن والبحرين، في حين بقيت المناورة النارية الأمريكية أسيرة الإزعاج التكتيكي دون أن تحدث تغييراً حقيقياً في موازين القوى، إذ ابتلعت الجغرافيا الإيرانية الواسعة وتحصيناتها تأثير هذه النيران.

وبحسب معطيات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)، رُصدت كثافة غير مسبوقة للنشاط الجوي الأمريكي، تجاوزت 800 مسار طيران، تركزت مؤشراتها في ثلاثة محاور رئيسية: أولها الاستطلاع والإعاقة الإلكترونية، عبر نشاط مكثف لطائرات "إم كيو-4 سي تريتون" في شرق المتوسط وقبالة السواحل الإيرانية، مدعومة بطائرات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية من طراز "آر سي-12" وطائرات "غالف ستريم 5"، في محاولة لجمع البيانات وتحديث بنك الأهداف بعد تعمية الرادارات الأرضية الإيرانية. وثانيها الجهد اللوجستي والتزود بالوقود، من خلال تواجد دائم لأسراب التزود بالوقود من طراز "كي سي-135 آر" و"ريئيم"، إلى جانب حركة غير اعتيادية لطائرات النقل "سي-17" و"سي-5 إم"، وهو ما يعكس محاولات إخلاء طبي مكثفة ونقل معدات بديلة لمنظومات الباتريوت المدمرة. وثالثها تكتيك التخفي، عبر إطفاء عشرات الطائرات المعادية أجهزة البث فوق الخليج وشرق المتوسط، تمهيداً لتنظيم أسراب هجومية متخفية قبل الاقتراب من مناطق الاشتباك.

وفي تقييم الأداء العام، يظهر الجانب الأمريكي منهكاً بتعقيدات لوجستية حادة وعجز في صيانة خطوط الإمداد والحماية، فيما يضعف انكشاف المنظومات الدفاعية الأمريكية، التي عجزت عن حماية قواعدها في الإقليم، من مصداقية المظلة الأمنية الأمريكية وفاعليتها، خاصة مع تشتت الجهد بين البحر الأحمر، حيث بدأ اليمن يفرض حصاراً بحرياً، والمحيط الإقليمي لإيران. في المقابل، يبرز الأداء الإيراني بمرونة عملياتية فائقة وقدرة على المبادأة، إذ نجحت القيادة الإيرانية في استيعاب التمهيد الناري الأمريكي، ونفّذت عقيدة "الردع الهجومي" بنجاح، محيّدة البنية التحتية للعدو من دون التورط في استعداء دول الجوار، عبر قصر نيرانها على التواجد الأمريكي بحد ذاته، بما يعكس نضجاً استراتيجياً وانضباطاً عالياً في السيطرة النارية.

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن عامل الوقت بات يتآكل بشدة ضد القوات الأمريكية، إذ تمثل التسريبات المتعلقة بـ"هدنة العشرة أيام" مؤشراً عسكرياً واضحاً على استنزاف المخزون الصاروخي الأمريكي، على نحو ما أكدته تقارير بريطانية، وعلى بحث واشنطن عن استراحة عملياتية لإعادة التموضع. ومن المرجح، وفق التوقعات للمرحلة المقبلة، أن تستمر الجمهورية الإسلامية في تثبيت قواعد اشتباك قاسية تمنع واشنطن من استخدام القواعد المجاورة بحرية، وأن يشهد المسرح العملياتي تصاعداً في استهداف البنى التحتية التكنولوجية للقوات الأمريكية، من رادارات وأنظمة حرب إلكترونية وتوجيه، سعياً لتحقيق حالة "العمى الاستراتيجي" للعدو في المنطقة، وهو ما سيدفع القيادة الأمريكية في نهاية المطاف إلى إعادة تقييم جدوى إبقاء قواتها تحت رحمة الكثافة النارية لمحور المقاومة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور