استعار الشرع في خطابه الأخير "لين الحرير" إلى جانب "السيوف الدمشقية" لوصف سوريا الجديدة، في صورة أراد من خلالها الجمع بين الدبلوماسية والقوة. وإذا كان الشرع سيستعير فعلاً السيوف، فهل ستكون دمشقية كما أوحى خطابه، أم أميركية كما توحي التحولات الأخيرة في المنطقة؟
فمع طرح دونالد ترامب أن تتولى دمشق ملف حزب الله في لبنان بدلًا من "إسرائيل"، تبدو السلطة السورية الجديدة أمام اختبار يفوق عمرها السياسي الذي لم يتجاوز السنتين؛ فهي سلطة حديثة العهد بالحكم المدني، بعدما تركز ثقلها سابقًا في إدلب ونطاق الفصائل المحيطة بها. وهي لم تنتهِ بعد من جمع حجارة ترميم سوريا من الداخل. فهل ستوجه قوتها نحو الخارج بطلب خارجي من رئيس لا يأبه بهلاك السلطة أو بقائها أو بوضع سوريا وأزماتها المعيشية التي لا حصر لها. ويجرب بالاوراق التي يملكها لمجابهة نفوذ حزب الله، بعد أن استُهلكت "إسرائيل" في مواجهته .
الإشكالية التي يطرحها هذا المسار لا تتعلق فقط بمواجهة دمشق لحزب الله، بل بجدوى إدخال سوريا في مغامرة خارج حدودها في ظل بنية داخلية هشة. فهل تخطو سوريا نحو قبول هذه المغامرة، وهي التي تستميت لإثبات وجهها الجديد والتخلص من خلفيتها المرتبطة بالإرهاب؟
وقبل البحث فيما إذا كانت دمشق ستنخرط في هذه المواجهة، تفرض الوقائع الداخلية نفسها كعامل حاسم في تقييم أي خطوة مقبلة. فالسلطة السورية الجديدة التي يُطلب منها اليوم لعب دور أمني في لبنان، ما زالت في مرحلة إعادة تشكيل بنيتها السياسية والأمنية، وهي لم تحسم بعد طبيعة النظام الذي ستديره بعد انتقالها من إدلب إلى الدولة.
وتكشف التغييرات الأخيرة داخل المؤسسة الأمنية السورية عن معركة ترتيب مراكز القوة. فقد جرى نقل مدير جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة من موقعه وتعيينه معاونًا لمدير مكتب الأمن الوطني، في خطوة فُسّرت باعتبارها تقليصًا لنفوذه داخل الجهاز الذي كان يديره، مقابل تعيين وزير الداخلية أنس الخطاب مديرًا عامًا لمكتب الأمن الوطني.
وتتم هذه التحولات بالنظر إلى خلفيات الشخصيات ومصادر نفوذها. فحسين السلامة ينحدر من شرق سوريا، من منطقة الشحيل ذات الحضور العشائري، في وقت تشهد فيه مناطق الشرق السوري تجاذبات أمنية وعشائرية مع السلطة الجديدة.
وتتقاطع هذه الصورة مع شهادة الباحث الفرنسي هوغو ميشيرون، المتخصص في ملف الجماعات المسلحة، الذي رافق زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق. فقد أشار إلى أن عددًا من المسؤولين المحيطين بالشرع ينتمون إلى دائرته السابقة في إدلب، وأن بعض العاملين في مؤسسات الدولة الجديدة ما زالوا يحملون هوية المرحلة السابقة. كما وصف التحدي الأكبر أمام سوريا الجديدة بأنه تحدي الأمن والاستقرار قبل أي مسار آخر.
إلى جانب ذلك، فإن الحديث عن توسيع الدور العسكري السوري يأتي في وقت تواجه فيه دمشق أولويات اقتصادية واجتماعية ضاغطة. فالاتجاه نحو تقليص الإنفاق العسكري وإعادة توجيه الموارد نحو إعادة الإعمار وتحسين الواقع المعيشي يعكس حاجة الدولة السورية إلى تثبيت الداخل قبل البحث عن أدوار خارجية.
ولا تتوقف التحديات هنا، بل تمتد إلى مسألة تثبيت السيطرة على كامل الجغرافيا السورية. فالاتفاقات المتعلقة بدمج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية الجديدة، كما أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، تشير إلى أن ملف "توحيد مراكز القوة" داخل البلاد لم يُنجز بعد. وهذا يعني أن دمشق لا تزال مشتتة.
وإغراء سوريا اليوم بلعب دور "أمني" من خلال انخراطها في الملف اللبناني سيكون كارثياً. ففتح مواجهة مع حزب الله تعني فتح جبهة تشمل إيران وحلفاءها. وهو ما يفسر التحذيرات التي وصلت إلى دمشق من بغداد، وفق ما نقلته مصادر للخنادق، والتي حذّرت من أن أي انخراط سوري ضد حزب الله قد ينعكس مباشرة على سوريا نفسها، وصولًا إلى تهديدات الفصائل العراقية بالرد إذا تعرض الحزب أو البيئة الشيعية في لبنان لخطر ينطلق من الأراضي السورية.
كما أن الرسائل الإيرانية، تعكس أن طهران تنظر إلى أي تحرك سوري ضد حزب الله باعتباره تغييرًا في قواعد المواجهة ومساً بالامن القومي لطهران. وهذا يضع دمشق أمام معادلة الحصول على دعم واشنطن عبر لعب دور في مواجهة الحزب، مقابل احتمال فتح مسار صدام مع قوى لا تملك سوريا قدرة مواجهتها حالياً.
ولعل هذا ما يفسر ما نقل بأن أحمد الشرع أبلغ مسؤولين عراقيين رفضه طلبًا أميركيًا بالتدخل ضد حزب الله، مؤكدًا أن دمشق ليست في وارد العودة إلى سياسات التدخل السابقة، وأن أولوية السلطة الجديدة تتمثل في تثبيت الاستقرار الداخلي وتجنب فتح جبهات جديدة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس إدراكًا داخل دمشق بأن الانخراط في هذا المسار قد يبدد ما تحاول السلطة بناءه منذ وصولها إلى الحكم، ويجرها إلى مواجهة لا تخدم مشروعها الداخلي.
وإذا كان هذا المسار لا ينسجم مع أولويات دمشق، فإن السؤال ينتقل إلى الجهة التي تدفع باتجاهه. فما الذي يدفع دونالد ترامب إلى طرح سوريا بديلًا عن "إسرائيل" في التعامل مع حزب الله؟
يصعب فصل هذا الطرح عن التحولات التي شهدتها المواجهة مع الحزب خلال العامين الأخيرين. فالاحتلال، رغم ما حظي به من دعم سياسي وعسكري غربي غير مسبوق، لم يتمكن من إنهاء حزب الله أو فرض معادلة تضمن تحييده. ومن هنا، يبدو أن واشنطن تبحث عن أدوات ضغط جديدة، يكون عنوانها هذه المرة توظيف الجغرافيا السورية والسلطة الجديدة في دمشق، بما يخفف عن "إسرائيل" كلفة المواجهة المباشرة ويعيد توزيع أدوارها في الإقليم.
غير أن ما يخدم الاستراتيجية الأميركية لا يعني بالضرورة أنه يخدم المصلحة السورية. فإذا كان الهدف الأميركي يتمثل في إضعاف حزب الله حمايةً لأمن "إسرائيل"، فهل ينعكس ذلك فعلًا استقرارًا على سوريا؟ أم أن النتيجة قد تكون معاكسة؟ فحزب الله يُعد أحد أبرز الأطراف المنخرطة في مواجهة "إسرائيل"، وإضعافه قد يدفع الأخيرة إلى نقل جزء أكبر من ضغوطها نحو الساحة السورية، سواء عبر تكثيف اعتداءاتها، أو توسيع دعمها للقوى الانفصالية ومراكز النفوذ المناوئة لدمشق. ووفق هذه القراءة، فإن نقل المواجهة إلى الداخل السوري لن يمنح سوريا أمنًا أكبر، بل قد يفتح عليها مرحلة جديدة من الاستنزاف، في وقت لا تزال فيه أولوياتها الفعلية تتمثل في استعادة الاستقرار وإعادة بناء الدولة.
لا تبدو المغامرة خارج الحدود خيارًا يخدم سوريا بقدر ما يخدم حسابات واشنطن. فالسلطة السورية الجديدة، التي لا تزال منشغلة بتثبيت شرعيتها، لا تملك ترف فتح جبهة إقليمية جديدة. وأي انخراط في مواجهة حزب الله لن يمنحها نفوذًا. وعليه، فإن الاختبار الحقيقي أمام أحمد الشرع ليس في إظهار "حدّة السيوف"، بل في رفض تحويل سوريا إلى ساحة تجارب.
الكاتب: زهراء نعيم