في مشهد سياسي "إسرائيلي" يعيش أزمة ثقة غير مسبوقة، يبرز اسم غادي آيزنكوت كمرشح بديل عن بنيامين نتنياهو، متقدماً عليه في استطلاعات الرأي بفارق هو الأكبر منذ إعلان ترشحه للانتخابات المقبلة. لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بحظوظه الانتخابية فحسب، بل بمدى استعداد المجتمع "الإسرائيلي"، بنخبه الأشكنازية وقواعده الشعبية، لتقبل فكرة وجود يهودي "شرقي" على رأس الحكومة.
فوفق استطلاع "القناة 12"، حصل آيزنكوت على تأييد 43% مقابل 34% لنتنياهو، وتصدر حزبه "يشار" المشهد بـ23 مقعداً مقابل 22 لـ"الليكود". لكن هذه الأرقام، مهما كانت مبهرة، تظل محكومة بعقبات حزبية وسياسية عميقة، وعنصرية متجذرة قد تحول دون ترجمة الاستطلاعات إلى مقاعد حقيقية في الكنيست.
الحنين إلى العسكر أم البحث عن قيادة مختلفة؟
لا يمكن اختزال صعود آيزنكوت في كونه مجرد ظاهرة عاطفية، كما يذهب بعض المحللين، فثمة عوامل موضوعية تفسر هذا الزخم: رئاسة هيئة الأركان، عقيدة "الضاحية" التي صاغها علناً عام 2008، وثيقة "استراتيجية الجيش" المرجعية، فضلاً عن كونه "أباً ثكلى" فقد ابنه في الحرب، ما منحه مصداقية إنسانية نادرة في المشهد "الإسرائيلي".
لكن المحلل "الإسرائيلي" يوسي كلاين يرى أن الفارق الحقيقي بين آيزنكوت ونتنياهو لا يتعلق بالخبرة العسكرية، بل بـ"غرور نتنياهو وغطرسته وفساده"، مما أنتج مزاجاً جماهيرياً يبحث عن "قيادة من دون تزييف، تعرف حدودها، ولا تغزو طهران أو تقصف بيروت كلما احتاجت إلى استعراض القوة". وفي المقابل، يذكرنا الكاتب ناحوم بارنياع بأن بيني غانتس سبق أن كان معبود كتلة التغيير، إلا أن "عاطفتهم الجارفة" أوصلته من 35 مقعداً إلى ما دون نسبة الحسم.
المعركة الحقيقية: العنصرية التي لا تموت
لكن الأزمة الأعمق لا تتعلق بالبرامج السياسية أو الأداء العسكري، بل بتركيبة المجتمع "الإسرائيلي" نفسه. فآيزنكوت، المولود في طبريا لأبوين مهاجرين من المغرب، واجه بالفعل حملات سخرية استهدفت "لكنته الإنكليزية" المتعثرة، في إعادة إنتاج عنصرية أشكنازية قديمة تتخفى خلف ثوب السخرية من "طموح أولئك الذين لم يولدوا في المكان المناسب أو لأبوين مناسبين".
وهنا تكشف المفارقة: ففي حين يرى بعض أعضاء "الليكود" من أصل مغربي أن أصول آيزنكوت قد تصب في مصلحته، باعتبارها عامل جذب للناخبين الشرقيين، يرى آخرون أنها سيف ذو حدين قد يستخدم ضده في لحظة الحسم. وقد عبّر عن ذلك عضو الكنيست ديفيد بيتان بقوله: "يستفيد آيزنكوت من كونه فرداً من عائلة ثكلى ومغربياً، وهما يمنحانه ميزة مثيرة للاهتمام"، لكنه لم يخفِ أن هذه الميزة قد تتحول إلى عبء في مجتمع لم يعتد بعد على قادة من أصول شرقية.
لماذا لا يزال الأشكناز في القمة؟
بعد 78 عاماً على قيام الكيان "الإسرائيلي"، لم يترأس الحكومة أو حزب "الليكود" أي يهودي شرقي. وهذه الحقيقة، وفق بارنياع، تعود إلى سببين رئيسيين:
أولاً: غياب الندم الأشكنازي: فالمؤسسة الغربية لا تشعر بالذنب إزاء تمييزها المنهجي للشرقيين، بل تذهب إلى القول إن الصهيونية "قدمت خدمة عظيمة" للشرقيين بإنقاذهم من "هاوية الثقافة العربية" وفتح "نافذة العالم الغربي" أمامهم. وكأن التمييز كان ثمناً مقبولاً للخلاص!
ثانياً: استسلام شرقي: يميل العديد من اليهود الشرقيين، وفق بارنياع، إلى قبول هذه الرواية والتواطؤ معها، مفضلين التصويت للمرشح الأشكنازي حتى "لا تتغير نظرة إسرائيل إليهم باعتبارهم مخلصين ويعملون بجد". وقد سبق أن فضّل الناخبون الشرقيون إيهود أولمرت على عمير بيرتس، فقط ليثبتوا أنهم ليسوا "مزراحيين يصوتون وفقاً لأصل المرشح، بل إسرائيليون يصوتون وفقاً لمعايير موضوعية".
الاستطلاعات لا تبني حكومة
غير أن الطريق إلى رئاسة الحكومة لا تمر عبر الاستطلاعات وحدها؛ فآيزنكوت يفتقر إلى بنية حزبية متماسكة، ولم يشغل أي منصب سياسي قبل دخوله الكنيست عام 2022، ثم انضمامه إلى حكومة الطوارئ برئاسة نتنياهو. والأهم أن ترشحه لرئاسة الحكومة يبقى مرهوناً باتفاق المعارضة على زعامته، وهو أمر لا يبدو محسوماً مع وجود شخصيات مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان.
أما العقبة الأكبر، فتتمثل في أن المجتمع "الإسرائيلي" "لم يُبنَ لاستقبال رئيس حكومة شرقي"، كما يقر بارنياع، وأن الجمهور "ليس جاهزاً بعد" ولا يمكنه "استيعاب" هذه الفكرة. فالقاعدة السائدة في "إسرائيل" ما تزال: "أنك لا تُنتخب إما لكونك مثلياً، أو امرأة، أو مزراحياً، بينما حين تُنتخب يكون السبب هو قدراتك"!
في المحصلة، يظل وصول يهودي شرقي إلى رئاسة الحكومة "الإسرائيلية" حدثاً نادراً، إن لم يكن مستحيلاً، في منظومة سياسية تقودها نخب أشكنازية منذ النشأة. وحتى إن نجح آيزنكوت في تحدي الاستطلاعات، فإنه سيظل يواجه سؤالاً مصيرياً: هل العنصرية "الإسرائيلية"، بوجهيها الأشكنازي والشرقي المستسلم، ستسمح له بكسر هذا المحرم التاريخي؟ أم أن "آلة السم" التي حرّكها نتنياهو ضد غانتس وبينيت ستعمل مجدداً، ولكن بمضاعفة الحدة هذه المرة، مستغلة أصوله المغربية كذريعة لإسقاطه؟
ربما يكون الجواب في ما قاله بارنياع: "مشكلة اليهود الشرقيين أنهم أكبر العنصريين تجاه أنفسهم"، وأن تغيير هذه المعادلة يتطلب تغييراً جذرياً لأحد السببين: "إما أن يشعر الأشكناز بالذنب، أو أن يتوقف الشرقيون عن التطبيع مع تهميشهم. وهذان التغييران، للأسف، لا يبدوان قريبين في الأفق".
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]