شكّل مؤتمر هرتسيليا لعام 2026 أحد أبرز المنتديات الاستراتيجية الإسرائيلية التي انعقدت عقب العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، وهو ما منحه أهمية خاصة بوصفه إطارًا لإعادة تقييم نتائج المواجهة واستخلاص دروسها واستشراف البيئة الأمنية والإقليمية والدولية التي سيتحرك ضمنها الكيان المؤقت في المرحلة المقبلة. ولم تقتصر جلسات المؤتمر على تقييم الأداء العسكري أو قياس نتائج الحرب المباشرة، بل اتجهت إلى مراجعة مرتكزات التفكير الأمني الصهيوني في ضوء قناعة متزايدة بأن الحرب لم تُنهِ مصادر التهديد، بل أسّست لمرحلة استراتيجية جديدة تستدعي تطوير أدوات القوة وإعادة تعريف أولويات الأمن القومي وتهيئة مؤسسات الكيان للتعامل مع بيئة أكثر تعقيدًا وتعددًا في مصادر المخاطر. وقد برزت في هذا السياق مراجعات واسعة تناولت جاهزية جيش الاحتلال، وفعالية منظومات الإنذار المبكر، وحدود الرهان على التفوق التكنولوجي، إلى جانب التأكيد على أهمية الصمود الداخلي بوصفه أحد المقومات الحاسمة في إدارة الحروب طويلة الأمد. وفي موازاة ذلك، وسّع المؤتمر نطاق النقاش ليشمل تداعيات الحرب على موقع "إسرائيل" في البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة، إذ احتلت العلاقة مع الولايات المتحدة موقعًا محوريًا بوصفها أحد أهم محددات القوة الإسرائيلية، بالتوازي مع بحث التحولات في النظام الدولي ودور أوروبا وتأثير التطورات التكنولوجية والاقتصادية في طبيعة التهديدات المستقبلية، فضلًا عن استمرار التساؤلات بشأن موقع القضية الفلسطينية ضمن الترتيبات الإقليمية المقبلة.
وانطلاقًا من ذلك، يستند هذا التقرير إلى مخرجات مؤتمر هرتسيليا لرصد رؤية النخب الأمنية والسياسية الصهيونية لمرحلة ما بعد الحرب، بهدف تحديد الاتجاهات الرئيسة التي تحكم التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه التحولات الإقليمية والدولية.
انطلقت يوم الثلاثاء 30 حزيران أعمال مؤتمر هرتسيليا الإسرائيلي السنوي، الذي ينظمه معهد السياسة والاستراتيجية في جامعة رايخمان، واستمر حتى الأربعاء الأول من تموز، في ظل بيئة أمنية وسياسية إقليمية وداخلية معقّدة. وانعقد المؤتمر في دورته الثانية والعشرين في مركز دانيال يوسيدمان للمؤتمرات بمدينة هرتسيليا تحت عنوان "بين الأمن القومي والمناعة القومية: هل نصل إلى شاطئ آمن؟"، ويُعد من أبرز المنصات الاستراتيجية التي تجمع قيادات سياسية وأمنية وعسكرية إلى جانب أكاديميين واقتصاديين لمناقشة قضايا الأمن القومي والتحولات المؤثرة في عملية صنع القرار. وقد ركّز هذا العام على مفهوم "المناعة القومية" إلى جانب الأمن العسكري، مع تسليط الضوء على قدرة الكيان على إدارة الملفات المتزامنة على جبهات عدة، في مقدمتها الملف الإيراني والحرب على غزة والتوتر على الجبهة الشمالية مع لبنان والعلاقات مع الولايات المتحدة، إضافة إلى الأزمة السياسية الداخلية وتراجع الثقة بالمؤسسات، كما ناقش "الواقع الجديد" الذي تواجهه "إسرائيل" مع استعراض الفرص الاستراتيجية والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية التي تؤثر في أمنها واستقرارها. وقد شارك في المؤتمر عدد من الشخصيات السياسية والأمنية والدبلوماسية البارزة، تناولوا محاور متعددة تراوحت بين طبيعة التهديد الإيراني وخيارات مواجهته، ومستقبل العلاقة مع واشنطن، ودروس السابع من أكتوبر وسبل منع تكرار المفاجأة الاستراتيجية، والفرص التاريخية التي قد تتيحها التحولات الإقليمية، والتحولات في الساحة الدولية، والتحدي النووي العالمي والإيراني، ومسار أوروبا في مرحلة التغيير، وطبيعة ساحة المعركة المستقبلية، إلى جانب اتهامات وُجّهت لحركة حماس بارتكاب جرائم حرب، ودور الذكاء الاصطناعي في استشراف المستقبل، ومسألة الصمود الوطني في ظل الأزمات، وموقع القضية الفلسطينية ضمن المعادلة الإقليمية الجديدة.
وقد تقاطعت مداخلات المشاركين حول عدد من الاتجاهات الاستراتيجية الرئيسة. فقد افتتح عاموس جلعاد أعمال المؤتمر مؤكدًا أن التحدي الأساسي يكمن في تحقيق التوازن بين الأمن القومي والمناعة القومية، محذرًا من أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها دون استراتيجية سياسية سيقود إلى أخطاء استراتيجية، وربط أزمة تجنيد الحريديم بالتهديد الإيراني معتبرًا أن استمرار التهرب من الخدمة العسكرية يضعف قدرة الكيان على مواجهة التحديات المستقبلية، كما شدد على أن الأمن أصبح يشمل الاقتصاد والثقة بالمؤسسات والتعليم والمجتمع، وليس القوة العسكرية فقط. أما بوعز غانور، رئيس جامعة رايخمان ومؤسس المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب، فقد رأى أن الكيان والولايات المتحدة حقّقا نجاحًا تكتيكيًا ضد إيران لكنهما أخفقا استراتيجيًا لأن النظام الإيراني بقي قائمًا ولم يُنهِ برنامجيه النووي والصاروخي، وشدد على تسعة مسارات للاستعداد من بينها التهيؤ لاحتمال امتلاك إيران قدرات نووية أو بلوغها عتبة الدولة النووية، وتطوير أسلحة الليزر، وتعزيز الدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستكمال تحصين الجبهة الداخلية، وزيادة مخزونات الطوارئ من الذخيرة والطاقة والغذاء والمياه والأدوية، وترميم المكانة الدولية عبر دبلوماسية عامة موجهة للشباب حول العالم. وفي السياق ذاته، أوضح أمير بيرام، المدير العام لوزارة الدفاع، أن الحرب مع إيران لم تنتهِ بل دخلت مرحلة "استراحة عملياتية"، وأن الولايات المتحدة تركز استراتيجيًا على الصين وتايوان أكثر من إيران، ما يستوجب أن يبني الكيان شراكته مع واشنطن على المصالح المشتركة، داعيًا إلى تنفيذ خطة لبناء القوة العسكرية بقيمة 350 مليار شيكل تشمل تطوير منظومات الاعتراض وزيادة مخزون الذخائر وتعزيز الصناعة الدفاعية وسلاسل الإمداد.
وعلى مستوى إصلاح الكيان ومناعته الداخلية، ركّز أورييل رايخمان، مؤسس جامعة رايخمان، على الانقسام الداخلي بوصفه أحد أخطر التهديدات التي تواجه الكيان المؤقت، مستحضرًا دروس التاريخ اليهودي ومعتبرًا أن الانهيار يبدأ من الانقسام الداخلي، وانتقد التيار الديني الذي يسعى لاستبدال مفهوم "الدولة اليهودية والديمقراطية" بدولة دينية، ورأى أن قضايا الحريديم والتجنيد والقضاء أصبحت جزءًا من الأمن القومي، وأن التهديد الداخلي قد لا يقل خطورة عن إيران أو حزب الله أو حماس. ومن جهته، اعتبر يتسحاق هرتسوغ، رئيس الكيان، أن الكيان يقف أمام مرحلة مصيرية بعد ثلاث سنوات من الحرب، داعيًا إلى إقامة "عقد إسرائيلي جديد" يقوم على احترام القانون والانتماء والمستقبل المشترك، ومحذرًا من تفكك "المجتمع" نتيجة شعور كل جماعة بأنها مستهدفة، مؤكدًا أن استمرار الحرب يتطلب مجتمعًا متماسكًا وقواعد قانونية مشتركة تحفظ وحدة الكيان. أما متنياهو إنغلمان، مراقب الدولة، فقد طالب بإجابات ومحاسبة شاملة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، مركزًا على إخفاقات إخلاء المستوطنين والجرحى ومشددًا على ضرورة معرفة المسؤولين عن الفشل لمنع تكراره مستقبلًا.
وفيما يتعلق بإعادة تعريف الاستراتيجية السياسية والعسكرية، اعتبر نافتالي بينيت أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية انهارت في السابع من أكتوبر، مقترحًا إضافة مبدأ "المبادرة" إلى عناصر العقيدة الأمنية، وانتقد نتنياهو لعدم امتلاكه خطة تجاه إيران، داعيًا إلى استراتيجية هجومية شاملة تستهدف إضعاف النظام الإيراني عبر أدوات عسكرية وسيبرانية واقتصادية وسياسية، لا الاكتفاء بالضربات العسكرية وحدها. وانتقد غادي آيزنكوت أداء القيادة السياسية، معتبرًا أن "إسرائيل" تعاني تآكلًا في المستوى الاستراتيجي بسبب ضعف مجلس الأمن القومي والكابينت، ونفى امتلاك إيران قنابل نووية على النحو الذي يروّج له نتنياهو، ووصف الاتفاق مع لبنان بأنه خطوة إيجابية لكنها غير كافية، مؤكدًا أن معالجة ملف حزب الله تتطلب دعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني وضمانات دولية، وشدد على ضرورة تحويل الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية مستدامة. وفي السياق ذاته، وصف أفيغدور ليبرمان الوضع الاستراتيجي الإسرائيلي بأنه الأسوأ منذ سنوات، معتبرًا أن جميع الجبهات مفتوحة في آن واحد، ورأى أن الحرب مع حماس ليست مسألة احتمال بل توقيت، كما ربط الأمن القومي بتفاقم الجريمة المنظمة وانهيار الأمن الداخلي، معتبرًا أن غياب الاستراتيجية يهدد الكيان من الداخل والخارج معًا. أما يائير لبيد فقد اعتبر أن الكيان يمر بأسوأ أزمة في علاقاته الخارجية، منتقدًا تسييس وزارة الخارجية والدبلوماسية، وداعيًا إلى خطاب سياسي أكثر اعتدالًا وإلى التمييز بين الأعداء الحقيقيين والحلفاء الغربيين، مؤكدًا أن استعادة الشرعية الدولية تبدأ بإصلاح الانقسام الداخلي وإعادة المهنية إلى السياسة الخارجية.
احتلّ الملف الإيراني موقع الصدارة في أعمال مؤتمر هرتسيليا، ليس باعتباره أحد الملفات الأمنية التقليدية، وإنما بوصفه الإطار الذي أعادت النخب الصهيونية من خلاله تعريف طبيعة الصراع في مرحلة ما بعد الحرب. فقد انطلقت غالبية المداخلات من فرضية أساسية مفادها أن الحرب الأخيرة، رغم ما حقّقته من نتائج عملياتية، لم تُفضِ إلى إنهاء التهديد الإيراني، بل نقلته إلى مرحلة جديدة تختلف في أدواتها وأولوياتها عن المرحلة السابقة. ولذلك لم ينشغل المشاركون بتوصيف الحرب باعتبارها انتصارًا أو هزيمة، بقدر ما ركزوا على تحديد حدود ما حقّقته العمليات العسكرية وما بقي من عناصر القوة الإيرانية التي تجعل الصراع مرشحًا للاستمرار. وساد شبه إجماع بين المتحدثين على أن الضربات التي استهدفت البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين نجحت في إحداث تأخير ملموس في مسار تطويرهما، إلا أنها لم تؤدِّ إلى القضاء على البنية المؤسسية والعلمية التي يقوم عليها المشروع الإيراني، فالمنشآت يمكن إعادة بنائها والقدرات الصناعية يمكن ترميمها، أما المعرفة العلمية والخبرات البشرية التي راكمتها إيران خلال عقود فلا يمكن القضاء عليها بضربة عسكرية، وهو ما يجعل الحديث عن إنهاء التهديد النووي الإيراني أمرًا غير واقعي من وجهة نظر غالبية المشاركين. ومن ثم، اعتُبر أن الإنجاز الحقيقي للحرب يتمثّل في كسب الوقت وإبطاء المشروع الإيراني لا في إنهائه بصورة نهائية.
وانطلاقًا من هذا التقدير، أعاد المؤتمر صياغة مفهوم الردع تجاه إيران، فبدلًا من النظر إليه بوصفه نتيجة مباشرة لضربة عسكرية ناجحة، جرى تقديمه باعتباره عملية تراكمية طويلة الأمد تعتمد على المحافظة المستمرة على التفوق العسكري والاستخباري، واستمرار الضغوط السياسية والاقتصادية، وتعزيز التنسيق مع الولايات المتحدة والدول الحليفة، إلى جانب الاحتفاظ بخيار العمل العسكري متى اقتضت الضرورة ذلك. وبرز في هذا الإطار نقاش واسع حول مستقبل المسار الدبلوماسي مع إيران، انقسمت خلاله الآراء بين اتجاهين رئيسيين؛ رأى الأول أن الاتفاقات السياسية يمكن أن تشكّل أداة مفيدة لإدارة الأزمة شريطة أن تتضمّن آليات رقابة صارمة وتفتيشًا دائمًا وضمانات تحول دون إعادة بناء البرنامجين النووي والصاروخي، بينما انطلق الثاني من فرضية أن إيران استخدمت الاتفاقات السابقة لكسب الوقت وإعادة تنظيم قدراتها، ولذلك فإن أي اتفاق لا يمكن أن يشكل بديلًا عن استمرار الضغط العسكري والاستخباري. ورغم اختلاف المقاربتين، فإن كليهما انطلق من مسلمة مشتركة مفادها أن المواجهة مع إيران لن تنتهي بتوقيع اتفاق سياسي، وأن إدارة الصراع ستبقى قائمة حتى في ظل أي تفاهمات مستقبلية.
كما كشفت النقاشات عن اتساع مفهوم التهديد الإيراني داخل التفكير الصهيوني، بحيث لم يعد مقتصرًا على البرنامج النووي وحده، بل أصبح يشمل منظومة متكاملة من القدرات العسكرية والاستراتيجية، إذ اعتبر المشاركون أن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقدرات السيبرانية وشبكات الحلفاء الإقليميين تمثّل جميعها مكونات مترابطة لمصدر تهديد واحد، وأن أي سياسة إسرائيلية تجاه إيران ستكون ناقصة إذا اقتصرت على التعامل مع الملف النووي دون بقية عناصر القوة الإيرانية، ومن هنا برز توجه يدعو إلى اعتماد مقاربة شاملة تتعامل مع المشروع الإيراني باعتباره منظومة متكاملة لا مجموعة ملفات منفصلة. واكتسب الملف النووي بدوره مكانة خاصة في أعمال المؤتمر، إذ أظهرت جلسة "تجاوزنا العتبة؟" تحولًا لافتًا في طريقة التفكير الإسرائيلية، فبدلًا من التركيز على عدد أجهزة الطرد المركزي أو كمية اليورانيوم المخصّب، أصبح الاهتمام موجهًا نحو مفهوم "الدولة الواقفة على العتبة النووية"، أي الدولة التي تمتلك المعرفة والبنية العلمية والقدرة الصناعية التي تمكنها من إنتاج سلاح نووي خلال فترة قصيرة متى اتخذ القرار السياسي بذلك، ووفق هذا الفهم، لم تعد المشكلة الرئيسة تتمثل في كيفية تدمير المنشآت، بل في كيفية منع إعادة إحياء المشروع النووي ومنع إيران من استعادة قدرتها على الاقتراب مجددًا من العتبة النووية. وامتد النقاش إلى انعكاسات الملف النووي الإيراني على النظام الإقليمي بأكمله، إذ حذّر المشاركون من أن استمرار الأزمة النووية قد يدفع قوى إقليمية أخرى إلى التفكير في تطوير برامج نووية خاصة بها، بما يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي يغيّر طبيعة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق لم يعد يُنظر إلى البرنامج باعتباره تهديدًا للكيان وحده، بل باعتباره اختبارًا لقدرة النظام الدولي على منع الانتشار النووي والحفاظ على قواعد الأمن العالمي. وتكشف مجمل هذه النقاشات أن الرؤية الصهيونية انتقلت من السعي إلى حسم الصراع مع إيران إلى إدارة صراع طويل الأمد يقوم على مزيج من الردع العسكري والضغوط السياسية والاقتصادية والرقابة الدولية والاحتفاظ الدائم بخيار القوة، كما تعكس اقتناعًا متزايدًا بأن الحرب الأخيرة لم تُنهِ المشروع الإيراني بل فتحت مرحلة جديدة عنوانها الأساسي منع إعادة بناء عناصر القوة الإيرانية، وهو ما يجعل الملف الإيراني في نظر النخب الصهيونية القضية الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح البيئة الاستراتيجية للسنوات المقبلة.
كشف مؤتمر هرتسيليا أن الحرب الأخيرة لم تُفضِ إلى مراجعة محدودة لإجراءات عسكرية أو إخفاقات عملياتية منفردة، بل دفعت إلى مراجعة أعمق للأسس الفكرية التي قامت عليها العقيدة الأمنية الصهيونية خلال العقود الماضية، إذ ظهر اتجاه واسع بين المشاركين يرى أن هجوم السابع من أكتوبر لم يكن مجرد فشل استخباري أو خلل في الأداء العسكري، وإنما نتيجة قصور في منظومة التقدير الاستراتيجي التي حكمت فهم طبيعة التهديدات وطرق التعامل معها. وبذلك مثّل الهجوم نقطة تحوّل فرضت إعادة النظر في مفاهيم أساسية مثل الإنذار المبكر والردع وبناء القوة، في ظل بيئة أمنية أكثر تعقيدًا تتسم بتعدد الجبهات وتراجع القدرة على احتواء المخاطر قبل تحولها إلى مواجهات واسعة. وانصبّ جزء أساسي من النقاش على مراجعة مفهوم الإنذار المبكر، إذ خلص المشاركون إلى أن الإخفاق لم يكن ناتجًا عن غياب المعلومات، وإنما عن قصور في تفسيرها وتقدير دلالاتها الاستراتيجية، فقد امتلكت المؤسسة الأمنية مؤشرات حول تطورات لدى الخصوم، إلا أن قراءتها تأثرت بتصورات مسبقة وافتراضات رسخت الاعتقاد بأن الخصوم لا يمتلكون القدرة أو الرغبة في تنفيذ هجوم واسع النطاق، لذلك انتقل التركيز من تطوير وسائل جمع المعلومات إلى إصلاح الثقافة الاستخبارية نفسها عبر تعزيز القدرة على التشكيك في التقديرات القائمة وتوسيع الاعتماد على الاستخبارات البشرية وتطوير آليات تفكير قادرة على التعامل مع السيناريوهات غير المتوقعة.
وامتدت المراجعة إلى مفهوم الردع، حيث أظهرت الحرب محدودية التصور الذي يربط منع المواجهات بالتفوق العسكري والتكنولوجي فقط، إذ أثبتت التطورات الأخيرة قدرة "الفاعلين المعادين" على توظيف السرية والمفاجأة والتخطيط طويل الأمد وتطوير وسائل قتالية منخفضة الكلفة وعالية التأثير لمواجهة خصم يمتلك تفوقًا تقنيًا، ومن هنا برز توجه نحو إعادة تعريف الردع باعتباره منظومة متعددة الأبعاد لا تعتمد على القوة النارية وحدها، بل تشمل الجاهزية العسكرية والمرونة العملياتية والقدرة على التكيف وإظهار استعداد دائم للتعامل مع أنماط مختلفة من التهديدات. وانعكس هذا التحول في إعادة تقييم نموذج بناء الجيش، إذ اعتبر المشاركون أن نموذج الجيش الأصغر حجمًا الذي اعتمد بصورة أساسية على التفوق الجوي والتكنولوجيا والاستخبارات الدقيقة لم يعد كافيًا في مواجهة بيئة تتسم بحروب طويلة ومتعددة الساحات، وأظهرت الحرب الحاجة إلى تعزيز القوات البرية ورفع جاهزية قوات الاحتياط وتطوير قدرة على إدارة مواجهات ممتدة ومتزامنة، وبرز في هذا السياق مفهوم الحرب متعددة الجبهات باعتباره إطارًا حاكمًا للتخطيط العسكري المستقبلي، انطلاقًا من احتمال استمرار التهديدات في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية بالتوازي مع التحدي الإيراني والتطورات الإقليمية المتغيرة.
كما دفعت هذه المراجعة إلى إعادة النظر في متطلبات الاستدامة العسكرية، ولا سيما في مجال الصناعات الدفاعية، إذ اعتبر المؤتمر أن الاعتماد الكبير على مصادر خارجية لتأمين الذخائر والأنظمة القتالية يمثل نقطة ضعف خلال الحروب الممتدة، ما يستدعي تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية وتقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، من دون أن يعني ذلك السعي إلى اكتفاء ذاتي كامل، إذ يتمثل الهدف الأساسي في ضمان هامش أكبر من حرية القرار العسكري والقدرة على مواصلة العمليات في ظروف الضغط والاستنزاف. وفي موازاة ذلك، تناول المؤتمر طبيعة ساحة المعركة المستقبلية، حيث برز تصور يقوم على أن الحروب المقبلة ستتجاوز الفصل التقليدي بين المجالات العسكرية والتكنولوجية والسيبرانية والإعلامية، فالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والحرب النفسية واستهداف البنى الحيوية أصبحت عناصر مترابطة في إدارة الصراع الحديث، وهو ما يتطلب تطوير بنية عملياتية قادرة على التعامل مع هذا التشابك. واحتل الذكاء الاصطناعي مكانة بارزة في النقاشات باعتباره أحد عوامل التحول في المجال العسكري، سواء في تحليل المعلومات أو دعم القرار أو تطوير الأنظمة القتالية، إلا أن المؤتمر شدد على أن التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل العنصر البشري، وأن تجربة السابع من أكتوبر أظهرت أن امتلاك أدوات تقنية متقدمة لا يضمن وحده حسن التقدير أو اتخاذ القرار الصحيح، ولذلك ارتبط التفوق المستقبلي بالقدرة على دمج التكنولوجيا ضمن منظومة أوسع تجمع بين المعرفة البشرية والمرونة التنظيمية والقدرة على مراجعة الافتراضات والتكيف مع بيئة استراتيجية متغيرة.
لم تدفع الحرب الأخيرة النخب الصهيونية إلى مراجعة البيئة الأمنية الخارجية فقط، بل قادتها أيضًا إلى إعادة تقييم الجبهة الداخلية باعتبارها أحد المكونات الأساسية للأمن القومي. فقد أظهر مؤتمر هرتسيليا أن قدرة الكيان على خوض حروب طويلة لم تعد تُقاس بالتفوق العسكري والتكنولوجي وحدهما، بل ترتبط كذلك بقدرة الجمهور على تحمّل أعباء المواجهة والحفاظ على تماسكه الداخلي واستمرار ثقته بالمؤسسات، ولذلك لم تُناقش قضايا التجنيد والاحتياط والجرحى والثقة العامة باعتبارها ملفات اجتماعية منفصلة، بل بوصفها ركائز تؤثر بصورة مباشرة في استدامة القدرة العسكرية. وبرزت أزمة القوى البشرية باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية، وفي هذا السياق احتلت قضية تجنيد الحريديم موقعًا مركزيًا، إذ لم تُطرح بوصفها مسألة قانونية أو سياسية فحسب، بل باعتبارها اختبارًا لمفهوم المسؤولية المشتركة بعد الحرب، وانتقل النقاش من مسألة "المساواة في الخدمة" إلى قضية أوسع تتعلق بالعقد الاجتماعي داخل الكيان.
كما احتلت التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لاستنزاف قوات الاحتياط مساحة واسعة من النقاشات، إذ أظهرت الحرب أن الخدمة الاحتياطية الطويلة لم تؤثر في أداء الجنود فحسب، بل امتدت آثارها إلى أوضاعهم المهنية واستقرار أسرهم وصحتهم النفسية. وحظيت قضية إعادة تأهيل الجرحى باهتمام خاص باعتبارها جزءًا من العلاقة بين المؤسسة العسكرية والجمهور. ولم تنفصل هذه القضايا عن مسألة الثقة بالمؤسسات، إذ اعتُبر أن أحد أخطر تداعيات السابع من أكتوبر تمثّل في اهتزاز ثقة الجمهور بالمؤسسات الأمنية والسياسية، وبرز في هذا السياق مفهوم "الصمود الوطني" باعتباره الإطار الجامع لإعادة تعريف القوة الاستراتيجية للكيان، إذ أصبح مفهومًا مركبًا يشمل التماسك الاجتماعي وعدالة توزيع الأعباء والاستقرار الاقتصادي والثقة بالمؤسسات واستدامة منظومة الاحتياط.
إن التفكير الصهيوني في مرحلة ما بعد الحرب لم يتوقف عند حدود استخلاص الدروس العسكرية، بل اتّجه إلى محاولة استثمار نتائج الحرب في إعادة صياغة البيئة الإقليمية والدولية. واحتلّت العلاقة مع الولايات المتحدة موقعًا محوريًا، حيث أجمعت غالبية المداخلات على أن الحرب أعادت التأكيد بصورة قاطعة أن الولايات المتحدة ما تزال تمثل الركيزة الأساسية للأمن القومي الصهيوني، وأن الكيان لا يزال يعتمد بصورة جوهرية على واشنطن في مجالات حيوية تشمل الذخائر المتطورة والطائرات الحديثة ومنظومات الدفاع الجوي والدعم الاستخباري وسلاسل الإمداد. ومن هنا، رفض المشاركون الطروحات التي تدعو إلى تحقيق استقلال عسكري كامل عن واشنطن، بينما برز توجّه أكثر واقعية يدعو إلى تقليص الاعتماد عليها في بعض الجوانب العملياتية من خلال توسيع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، بحيث لم يكن الهدف استبدال التحالف بل تعزيز هامش المناورة الإسرائيلي داخله.
وفي الوقت نفسه، حذّر عدد من المشاركين من أن تزايد الاستقطاب الداخلي الأمريكي واحتمالات تغير أولويات الإدارات المقبلة قد ينعكس على الالتزام الأمريكي تجاه الكيان، ولذلك شدّدوا على أهمية الحفاظ على علاقات متوازنة مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي. كما ربط بعض المتحدثين بين مستقبل العلاقة الثنائية والمنافسة المتصاعدة بين واشنطن وبكين. ولم تنظر النخبة الصهيونية إلى الولايات المتحدة بوصفها مصدرًا للدعم العسكري فقط، بل باعتبارها الطرف القادر على قيادة منظومة أمنية إقليمية جديدة تضمّ الكيان وعددًا من الدول العربية، انطلاقًا من مصالح أمنية مشتركة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وأمن الممرات البحرية.
وبحث المؤتمر مستقبل الشرق الأوسط انطلاقًا من فرضية دخول المنطقة مرحلة انتقالية جديدة أعادت توزيع موازين القوى. وحظي لبنان باهتمام خاص، إذ اعتبره المشاركون أحد أهم ميادين اختبار ترتيبات ما بعد الحرب، وشدّد المتحدثون على أن استقرار الجبهة الشمالية يرتبط باستمرار قدرة جيش الاحتلال على التحرك داخل الساحة اللبنانية، وقدرة الدولة اللبنانية على منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله. وناقش المؤتمر أيضًا موقع القضية الفلسطينية، في جلسة كشفت تباينًا بين اتجاه يرى أنها لم تعد العامل الأكثر تأثيرًا في التحالفات الإقليمية، وآخر يحذّر من أن تجاهلها قد يقوّض أي ترتيبات إقليمية جديدة.
ولم تقتصر رؤية المؤتمر على الإطار الإقليمي، بل امتدّت إلى قراءة التحولات في النظام الدولي، حيث احتلّت أوروبا مساحة مهمة في النقاشات باعتبارها تواجه مرحلة انتقالية تحدّ من قدرتها على بلورة سياسة مستقلة تجاه أزمات الشرق الأوسط. وركّزت إحدى الجلسات على أن التنافس الدولي سيمتدّ إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة، بما يجعل الأمن القومي نتاجًا لتكامل مختلف عناصر القوة الوطنية.
واستندت نقاشات المؤتمر إلى خمس فرضيات استراتيجية: أن التفوق العسكري وحده لم يعد كافيًا لضمان الأمن؛ وأن إخفاقات السابع من أكتوبر كشفت قصورًا بنيويًا في العقيدة الأمنية؛ وأن المناعة الوطنية أصبحت عنصرًا حاسمًا في القدرة العسكرية؛ وأن المواجهة مع إيران انتقلت إلى منافسة استراتيجية ممتدة؛ وأن التحدي الرئيسي أصبح تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية مستدامة. وترجمت هذه الفرضيات إلى توصيات تشمل إعادة بناء التماسك المجتمعي ومعالجة أزمة تجنيد الحريديم، وإرساء آلية للمحاسبة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، وإعادة صياغة الاستراتيجية تجاه إيران بمقاربة متكاملة، وتحويل الإنجازات العسكرية إلى ترتيبات سياسية مستدامة في لبنان وغزة وسوريا، وترميم المكانة الخارجية للكيان مع إعادة مواءمة العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.
وفي المحصلة، تنظر النخب الصهيونية إلى مرحلة ما بعد الحرب بوصفها فرصة لإعادة بناء موقع الكيان، مع الإقرار بأن البيئة الجديدة ستكون أكثر تعقيدًا وأقل استقرارًا. ولذلك لم يطرح المؤتمر تصوّرًا يقوم على نهاية الصراع، بل على إدارة بيئة استراتيجية متحرّكة تقوم على استمرار التحالف مع واشنطن وتعزيز الشراكات الإقليمية واحتواء التهديد الإيراني، بحيث لن يكون التحدي المركزي أمام الكيان امتلاك القوة العسكرية فحسب، بل القدرة على ترجمتها إلى نفوذ سياسي ونتائج استراتيجية مستدامة.