الجمعة 17 تموز , 2026 12:21

الشرع بين إرضاء ترامب دبلوماسياً والانتحار استراتيجياً

دونالد ترامب وأحمد الشرع

لم يكن إعلان وزارة الداخلية السورية عن ضبط صهريج على الحدود العراقية وادّعائها أنه كان ينقل أسلحة إلى حزب الله مجرد خبر أمني عابر، بل نمط سياسي تكرر أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية. فكلما تعرّضت دمشق لضغوط أميركية أو تصاعدت التهديدات الإسرائيلية ضد سلطة أحمد الشرع في دمشق، سارعت إلى الإعلان عن توقيف خلية تدّعي إنها مرتبطة بحزب الله، أو عن ضبط شحنة أسلحة يُزعم أنها كانت في طريقها إليه رغم نفي حزب الله المتكرر لهذه الادعاءات.
 ويأتي الإعلان الأخير في السياق نفسه، خصوصاً أن الصهريج أوقف في السابع من تموز، فيما تأخر الإعلان عنه أكثر من عشرة أيام، قبل أن يصدر متزامناً مع زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومع تجديد الأخير حديثه عن إسناد "الملف اللبناني" إلى الرئيس السوري أحمد الشرع،  وما رشح بعد الإعلان عن تشكيل لجنة عراقية سورية مشتركة لمكافحة التهريب

هذه الإعلانات تثير تساؤلات تتجاوز بعدها الأمني. فمنذ انسحاب حزب الله من سوريا وسقوط نظام بشار الأسد، لم تظهر أي معطيات موثقة تشير إلى عودة الحزب لممارسة نشاط عسكري أو أمني منظّم داخل الأراضي السورية، وهو أعلن ذلك مرارا وتكرارا، كما أن دمشق نفسها تعلم ذلك تماما، وهي لم تقدّم حتى الآن أدلة علنية تثبت وجود بنية عملياتية ناشطة للحزب في الداخل السوري.

ولهذا، ليس مستبعداً أن تكون دمشق قد اختارت توقيت الإعلان عن الشاحنة لإيصال رسالة إيجابية إلى واشنطن، مفادها أنها تضبط حدودها وتتعامل بجدية مع ملف تهريب السلاح، في وقت يسعى فيه أحمد الشرع إلى تثبيت شرعيته الدولية وتخفيف الضغوط الغربية والإسرائيلية. لكن الرسائل السياسية شيء، والانخراط في حرب ضد حزب الله شيء آخر تماماً.

تدرك دمشق أن الولايات المتحدة، وخصوصاً إدارة ترامب، ترغب بشدة في تسليم دمشق الملف اللبناني، لكن دمشق تدرك أيضاً أن تحويل سوريا إلى رأس حربة في مواجهة حزب الله ليس قراراً سورياً فحسب، بل قرار يرتبط بموازين القوى الإقليمية، وبقدرة دمشق على تحمل نتائج مواجهة مفتوحة مع محور يمتد من طهران إلى بغداد وصنعاء. ولذلك، فإن ما يجري حتى الآن لا يتجاوز محاولات تحسين الموقع التفاوضي مع واشنطن، واحتواء الضغوط وليس انقلاباً على المعادلات التي تحكم الإقليم.

لماذا يبدو الدخول السوري الى لبنان غير مرجح الآن؟

إذا تجاوزنا الضجيج الإعلامي، فإن المعطيات الميدانية والسياسية تجعل خيار التدخل السوري في لبنان بالغ الصعوبة في الظروف الحالية لأسباب عديدة:

أولاً: سوريا لم تستكمل إعادة بناء دولتها والأمن في دمشق هش جدا

ما زالت سلطة الشرع في دمشق تواجه تحديات داخلية سياسية هائلة، تبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، ولا تنتهي عند الملفات الاقتصادية الصعبة والأمنية المعقدة. فالأمن في دمشق والمحافظات هش جدا، والجيش السوري الجديد ما زال في مرحلة إعادة التنظيم، فيما تنتشر بؤر التوتر في أكثر من منطقة. وأي حرب خارج الحدود ستستنزف الدولة قبل أن تحقق أي مكسب سياسي، بل ستشجع خصوم الشرع والمناوئين له في الداخل على التحرك في توقيت واحد لا سيما الدروز والمسيحيين والعلويين والأكراد وداعش وجماعات تكفيرية أخرى غير راضية عن سلوك الشرع وإدارته للدولة وملفاتها، ما سيُفقد الشرع سيطرته على دمشق وفق خبراء عسكريين ومراقبين.

إن الحسابات العسكرية وحدها تجعل فكرة الدخول السوري إلى لبنان شديدة الكلفة. فالجيش السوري بنيته ضعيفة ولم تكتمل، بينما يمتلك حزب الله خبرة قتالية راكمها خلال أكثر من عقدين من الحروب، سواء في مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي أو في الساحة السورية. كما أن الحزب ينظر إلى أي محاولة لاستهدافه بوصفها معركة وجود، وهو ما يعني أن أي مواجهة لن تكون عملية محدودة، بل حرب استنزاف طويلة تستنزف سوريا قبل لبنان. يضاف إلى ذلك أن الجغرافيا اللبنانية أثبتت، تاريخياً، أنها مقبرة لكل الجيوش التي حاولت فرض معادلات جديدة بالقوة، من إسرائيل إلى سوريا نفسها. هذا الواقع يدرك خطورته الطرفان، لذا، ثمة رسائل متبادلة بين الحزب ودمشق عبر وسطاء لمنع الذهاب الى هذا المنزلق الخطير.

ثانياً: إسرائيل هي التهديد الأول لدمشق

بعيداً عن لبنان، لا تزال إسرائيل تحتل أجزاء من الأراضي السورية، وتنفذ اعتداءات وغارات متكررة داخل العمق السوري. ولديها مطامع بالتوسع، وقد عبّر الشرع نفسه عن هذا القلق خلال استقباله وليد جنبلاط في دمشق عندما قال، وفق ما نُقل عنه، "إن سقوط إيران كان سيعني دخول إسرائيل إلى دمشق وعودته الى إدلب". من هنا، فإن أولويات دمشق تتجه نحو حماية الداخل السوري، لا نحو فتح جبهة جديدة في لبنان تخدم، في نهاية المطاف، المصالح الإسرائيلية.

واللافت أن الرؤية الإسرائيلية لا تتطابق بالكامل مع الرغبة الأميركية في توظيف دمشق في مواجهة حزب الله. فقد أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بوضوح أن إسرائيل لا تحتاج إلى من ينوب عنها في نزع سلاح الحزب، مؤكداً أن جيشه قادر على تنفيذ هذه المهمة إذا قرر ذلك. ويعكس هذا الموقف هواجس إسرائيلية أعمق، إذ تنظر المؤسسة الأمنية في تل أبيب إلى دخول قوات سورية جديدة إلى لبنان على أنه استبدال لـ “الجهادية الشيعية" بـ “الجهادية السنية"، وليس إنهاءً لمصدر التهديد. لذلك، يُنظر إلى أحمد الشرع داخل إسرائيل بأنه رئيس ذا خلفية جهادية قد يتحول مستقبلاً إلى مصدر تهديد، الأمر الذي يجعل تل أبيب أكثر ميلاً إلى إبقاء سوريا ضعيفة ومنشغلة في أزماتها الداخلية، بل السعي لتقسيمها الى كانتونات متناحرة.

ثالثاً: الموقف التركي والقطري لا يشجع على المغامرة

تركيا وقطر، باعتبارهما الداعمين الإقليميين الأبرز للسلطة السورية الجديدة، لا تبدوان في وارد دفع دمشق نحو حرب مع لبنان. لا سيما بعد قراءة دقيقة ومعمّقة لديهما لمشهد الحرب الأميركية الإيرانية والمعادلات الإقليمية التي رشحت عنها.

كما أن أنقرة تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره جزءاً من أمنها القومي، وهي تدرك أن أي حرب جديدة ستنسف مشروع إعادة بناء الدولة السورية، وكان لافتاً ما أعلنه الرئيس التركي طيب أردوغان "ان أمن تركيا يمر عبر بيروت ودمشق وان تركيا ستواصل دعمها لهما"، بينما تواصل قطر تطوير علاقاتها مع إيران، وهو ما يجعلها بعيدة عن أي مشروع يفتح مواجهة مباشرة مع حزب الله والمحور، لذلك، فإن البيئة السياسية الداعمة للشرع لا تشجعه على الانخراط في مغامرة عسكرية بهذا الحجم.

العراق وإيران واليمن... خطوط حمراء أمام دمشق

ثمة عامل آخر بالغ الأهمية يتمثل في المعادلة العسكرية الإقليمية وفي الموقف العراقي والإيراني واليمني. فوفق المعلومات الخاصة للخنادق، حمل مسؤول أمني عراقي رفيع إلى دمشق قبل مدة رسالة واضحة مفادها "أن أي تدخل عسكري سوري ضد حزب الله سيقابله تحرك عراقي مباشر، وأن العراق سيدخل الى سوريا بحشده وجيشه".

أما إيران، فإنها تنظر إلى حزب الله باعتباره حليفاً وركناً محورياً في جبهة المقاومة، وأي اعتداء عليه سيُقرأ في طهران باعتباره اعتداءً مباشراً على الأمن القومي الإيراني وفق مسؤولين إيرانيين "أمن بيروت من أمن طهران"، فيما يتأهب اليمن لإسناد حزب الله ويعلن استعداده لتقديم الدعم للمقاومة من خلال استخدام أوراق القوة التي يمتلكها كالتهديد بإغلاق مضيق باب المندب وقدرته على الضغط والتأثير على دول الخليج المؤثرة في القرار السوري السعودية وقطر. بما يفتح الباب أمام ردود تتجاوز الساحة اللبنانية. وهذا يعني أن دمشق لن تواجه حزب الله وحده، بل ستكون أمام احتمال توسع المواجهة إلى أكثر من ساحة إقليمية.

لماذا يرفض الشرع الدخول إلى لبنان؟

إذا جُمعت كل هذه المعطيات، يصبح موقف أحمد الشرع أكثر وضوحاً. فالرجل أعلن مراراً أن سوريا لا تريد التدخل في لبنان، ونقلت صحيفة الأخبار أن الشرع أبلغ الجانب الأميركي أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات على لبنان يجعل أي محاولة لفرض نزع سلاح حزب الله بالقوة أمراً غير واقعي، ولن يؤدي إلا إلى الفوضى التي تخدم إسرائيل. هذا الموقف يعكس حقيقة يعرفها الشرع بأن كلفة الحرب أكبر بكثير من أي مكسب يمكن أن تحققه دمشق.

بالطبع، واشنطن ستستمر في الضغط على دمشق، وقد تحاول استثمار ملف الحدود وشحنات السلاح لإظهار السلطة السورية الجديدة كشريك أمني في المنطقة، لكن ذلك لا يعني أن سوريا تتجه إلى حرب ضد حزب الله في المستوى المنظور. فالوقائع السياسية، والقيود العسكرية، والموقف التركي والقطري، والردع الإيراني، والرسائل العراقية واليمنية، وهشاشة الداخل السوري، كلها تشكل شبكة معقدة من الموانع تجعل خيار التدخل العسكري السوري في لبنان أقرب إلى سيناريو إعلامي منه إلى خطة قابلة للتنفيذ رغم الضغوط الأميركية المتواصلة لتوريط الشرع في المستنقع اللبناني.

وعليه، فإن القراءة الأكثر ترجيحاً في الوقت الحالي هي أن دمشق ستواصل إرسال رسائل سياسية إلى واشنطن كلما احتاجت إلى تخفيف الضغوط أو تحسين موقعها التفاوضي، لكنها ستبقى حريصة على عدم تجاوز الخط الفاصل بين إرضاء الولايات المتحدة دبلوماسياً والانتحار استراتيجياً.

فالشرع يدرك أن الطريق إلى تثبيت حكمه يمر عبر استقرار دمشق، لا عبر الدخول إلى بيروت، وأن أي مغامرة عسكرية في لبنان قد تفتح عليه أبواب الجحيم، وسوريا في ظروفها الحالية لا قدرة لها على تحمل عواقب هذه الحرب إن وقعت، لا سيما ان أحمد الشرع تبدّل، ولم يعد أبو محمد الجولاني، بات ينظر الى السلطة والحكم من منظار المصالح لا المبادىء، فيما واشنطن تنظر إليه كأداة جاهزة لتنفيذ رغباتها وإملاءاتها.


الكاتب:

د. محمد شمص

-إعلامي وباحث سياسي.

- استاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية.

-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.

- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني. 

[email protected]




روزنامة المحور