لا يمكن قراءة المشهد الإيراني من زاوية ثنائية الحرب أو التفاوض، ولا من خلال مقولة "تقسيم الأدوار" التي تُستخدم كثيراً لتفسير تعدد وتنوع الخطابات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين. فالتصريحات المتلاحقة لرئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف، ومدير الحوزات العلمية آية الله الشيخ علي رضا أعرافي، تكشف أن ما يجري داخل طهران هو نقاش استراتيجي حول إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، لا خلاف بنيوي على أهدافه النهائية، بل على الأدوات الأكثر فاعلية لتحقيقها لا سيما ان آلية صناعة القرار واضحة من خلال ما يناقشه ويقرره المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ويرفعه للقائد الأعلى السيد مجتبى الخامنئي للموافقة عليه او رفضه.
الأهداف المركزية والثوابت واضحة رسمها السيد مجتبى الخامنئي في ورقته ذات النقاط العشرة، وعلى رأسها منع واشنطن من فرض الشروط على إيران، والحفاظ على توازن الردع الذي أفرزته الحرب الأخيرة، ووقف الحرب في كافة الجبهات. أما الاختلاف فيدور حول موقع التفاوض داخل هذه المعادلة؛ هل يبقى أداة من أدوات الصراع، أم أن التطورات الميدانية الأخيرة تجاوزته وجعلت زمنه السياسي قد انتهى؟
قاليباف: الميدان والدبلوماسية جناحا استراتيجية واحدة
في هذا السياق، ينطلق قاليباف من توصيف الصراع باعتباره حرباً وجودية تتجاوز الحكومات والرؤساء الأميركيين، وترتبط باستراتيجية أميركية ثابتة تستهدف إسقاط إيران وتقويض مكانتها الإقليمية غير أن هذا التشخيص لا يقوده إلى إلغاء الدبلوماسية، بل إلى إعادة تعريف وظيفتها.
في خطاب قاليباف، المفاوضات ليست مساراً بديلاً عن القوة والميدان، وإنما امتداداً لها. الدبلوماسية، وفق هذا المنطق، لا تصنع ميزان القوى، بل تستثمره. والميدان هو الذي يمنح المفاوض الإيراني أوراقه، فيما تمنح المفاوضات الإنجازات العسكرية شرعية سياسية وقانونية شرط ان تُفضي إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ وتحفظ المصالح الوطنية.
لهذا، كلام قاليباف بأن الفصل بين الحرب والتفاوض يمثل "خطأً استراتيجياً" دلالة تتجاوز الموقف التكتيكي، إذ يعكس تحولاً في العقيدة السياسية الإيرانية نفسها؛ فالحرب والدبلوماسية لم تعودا مسارين متوازيين، بل أصبحتا جناحين لاستراتيجية واحدة، يتقدم أحدهما أو يتراجع وفق مقتضيات اللحظة. فقاليباف يقدّم السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز بوصفها إنجازاً ميدانياً تحول إلى ورقة تفاوضية، بما يعني أن القوة العسكرية إنما وسيلة لإعادة صياغة شروط التفاوض وإجبار العدو على التعامل مع وقائع فرضها الميدان. يقول كبير المفاوضين الإيرانيين "يجب أن تكون نظرتنا في الحرب أو التفاوض واقعية وبعيدة المدى وقائمة على أساس المصالح والأمن الوطنيين"، ويضيف "يجب أن نكون قادرين على إيجاد تنسيق بين الأسلوبين العسكري والدبلوماسي ولا ينبغي أن نهاب الحرب أو المفاوضات... فالمفاوضات في هذه المرحلة لا تعني المساومة بل هي إلى جانب الحرب جزء من استراتيجية المقاومة وصون المصالح الوطنية".
الشيخ أعرافي والسيد مجتبى: التفاوض بين منطق المؤسسات وثوابت المقاومة
في المقابل، يعلن آية الله الشيخ علي رضا أعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران، انتهاء مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية، بل يذهب أبعد من ذلك بالدعوة عملياً إلى إقفال الباب أمام أي مسار تفاوضي جديد ويقول: "انتهت مذكرة التفاهم؛ ولا يجب مواصلة المفاوضات". ينطلق أعرافي في موقفه من قناعة مفادها أن التجربة أثبتت أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يلتزمون بأي تعهدات، وأن مواصلة الحوار تحت وطأة الضغوط الاقتصادية أو خشية تداعيات استمرار الحرب لا تعني سوى الخضوع لشروط العدو والاستجابة لإرادته.
وتكتسب مواقف أعرافي أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب مضمونها السياسي، وإنما أيضاً بسبب موقعه الديني والمؤسساتي على رأس الحوزات العلمية، (وهو أحد أعضاء القيادة الإيرانية الثلاثة الذين تم اختيارهم بعد استشهاد السيد علي الخامنئي) هو يمنح خيار "الجهاد والصمود" غطاءً شرعياً ومؤسسياً، وينقل النقاش حول التفاوض من دائرة تقدير المصالح السياسية إلى دائرة الالتزام العقائدي والديني. وبذلك، لا يعود التفاوض، وفق هذه المقاربة، خياراً سياسياً يخضع لحسابات الربح والخسارة، بل يتحول إلى مسألة تمس جوهر مشروع المقاومة نفسه.
ويبدو أن موقف أعرافي يقترب إلى حد بعيد من الرؤية التي يتبناها قائد الثورة السيد مجتبى الخامنئي منذ بداية هذا المسار. فموافقة السيد مجتبى على الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة لم تكن تعبيراً عن قناعة بإمكان الوثوق بالجانب الأميركي، بل جاءت استجابة لاقتراح تقدّمت به مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للأمن القومي، وبعد تعهد صريح من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، مسعود بزشكيان، بالالتزام بالثوابت التي حددها السيد مجتبى، وفي مقدمتها النقاط العشر الناظمة للمفاوضات، وصون المصالح العليا للثورة ولإيران وشعبها.
احتفظ قائد الثورة السيد مجتبى بقناعته الأساسية بأن الولايات المتحدة لا ثقة بها، وأنها لن تلتزم عملياً بأي تفاهم يتم التوصل إليه. ومع ذلك، منح المفاوض الإيراني فرصة كاملة للتحرك، انطلاقاً من إيمانه بأن إيران تُدار وفق مؤسسات دستورية، وأن المجلس الأعلى للأمن القومي هو المرجعية المختصة في إدارة هذا الملف، كما حرص على تمكين الرئيس المنتخب من ممارسة صلاحياته الدستورية وتمثيل الإرادة الشعبية.
غير أن التصعيد العسكري الأميركي واستئناف العدوان على إيران، عززّت صحة تحفظات وموقف السيد مجتبى، بعدما عمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للمرة الثانية، إلى تقويض التفاهم عملياً، رغم استمراره في الحديث عن بقائه قائماً على المستوى السياسي والإعلامي. وبذلك، باتت القناعة داخل أوساط واسعة في إيران أن المشكلة لم تكن يوماً في صياغة الاتفاقات، بل في الأميركي الذي لا يلتزم بالعهود، وهو ما أعاد الاعتبار للرؤية التي كانت تحذر منذ البداية من محدودية الرهان على المسار التفاوضي مع واشنطن.
اللافت في خطاب أعرافي، بانه يكشف ضمناً بوجود نقاش داخلي حقيقي، حين يشير إلى الضغوط الاقتصادية وكلفة الحرب واستهداف البنى التحتية. فهذه الإشارة تشير إلى أن داخل النظام الإيراني تياراً يرى في التفاوض ضرورة لإدارة الضغوط، مقابل تيار يعتبر أن أي تراجع تحت وطأة هذه الضغوط سيؤدي إلى مزيد من الابتزاز الأميركي.
التشييع التاريخي... من الزخم الشعبي إلى تعزيز الموقف التفاوضي
لعلّ أحد أبرز المتغيرات التي أعادت تشكيل البيئة السياسية المحيطة بصنع القرار في طهران كان التشييع المهيب والتاريخي وغير المسبوق للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في إيران والعراق، والذي تجاوز كونه حدثاً شعبياً إلى كونه استعراضاً استراتيجياً للتماسك الداخلي والالتفاف الشعبي حول الدولة، والقيادة السياسية، والعسكرية، وخياراتها. وقد حمل هذا المشهد رسائل قوة وردع لم تكن موجهة إلى الداخل الإيراني فحسب، بل إلى واشنطن وتل أبيب أيضاً، باعتباره مؤشراً على أن الضغوط العسكرية لم تنجح في إحداث شرخ بين القيادة والبيئة الشعبية الحاضنة.
وقد أدركت الولايات المتحدة دلالات هذا المشهد لا سيما محبة الشعب الإيراني لقائده، إذ لم تنتظر انتهاء مراسم التشييع لتباشر استهداف محيط مدينة مشهد، عبر قصف منطقة سكك الحديد في مدينة نيشابور، في محاولة لعرقلة تدفق المشاركين في مراسم التشييع، ولتوجيه رسالة مضادة تسعى إلى الحد من الأثر السياسي والمعنوي الذي أفرزه هذا الحشد الشعبي. كما وفّر هذا التشييع الذي طالب باستمرار المواجهة والقتال والثأر لدماء الإمام الخامنئي والشهداء زخماً إضافياً للمفاوض الإيراني، ومنح صانع القرار في طهران هامشاً أوسع للتحرك من موقع القوة، مستنداً إلى مشروعية شعبية ورسائل ردع فرضتها الوقائع أكثر مما فرضتها طاولة التفاوض.
صفوي ومعادلة الردع: النووي بالنووي
أما على المسار العسكري، فقد وجّه الجنرال يحيى رحيم صفوي، مستشار قائد الثورة الإسلامية رسالة ردع استراتيجية قوية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، تقوم على تثبيت معادلة جديدة: "إن شنّ ضربة نووية على إيران سيكون القرار الأكثر عبثية. تبلغ مساحة إيران حوالي 1.6 مليون كيلومتر مربع. جزء كبير من أراضيها صحراوي، ولا شك أن ضربة نووية تكتيكية ستلحق بها أضرارًا جسيمة ومأساوية، وستؤدي إلى خسائر بشرية فادحة. مع ذلك، لن تدمر الضربة النووية التكتيكية إيران، فمساحة أراضيها ستسمح لها بالبقاء. لكننا سنردّ بضربات مباشرة على منشأة ديمونا النووية وغيرها من المراكز النووية الإسرائيلية. بالنسبة لدولة صغيرة كإسرائيل، سيؤدي ذلك إلى انهيارها الخيار الآن لترامب ".
هنا يشير اللواء صفوي إلى حقيقة جيوسياسية تتمثل في اتساع الجغرافيا الإيرانية وقدرتها على امتصاص الضربات، مقابل هشاشة الجغرافيا الإسرائيلية وضيقها، بما يحوّل أي مغامرة عسكرية إلى تهديد وجودي لإسرائيل نفسها.
هذه الرسائل الأربعة، على اختلاف تنوعها ومستوياتها، لا تعكس تعدد مراكز القرار بقدر ما تعكس تعدد الأفكار والرؤى داخل مؤسسة صنع القرار. فالقرار النهائي في إيران يبقى نتاجاً لمداولات المجلس الأعلى للأمن القومي، ويصدر ضمن هرمية سياسية وأمنية واضحة.
ولا يبدو أن طهران في طريقها إلى إغلاق باب الدبلوماسية حتى الساعة، لكنها في المقابل لم تعد تنظر إلى التفاوض باعتباره مدخلاً لإنهاء الحرب وعودة الاستقرار أو منع التهديد ووقف الضغوط، بل نتيجة محتملة لإيجاد معادلة ردع يصنعها الميدان. فالأولوية، وفق المزاج الغالب داخل مؤسسات صنع القرار في إيران، أصبحت لترسيخ معادلات القوة، فيما تتحول الدبلوماسية إلى أداة لتثبيت ما يحققه الردع العسكري، لا بديلاً عنه.
من هنا، فإن مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة لن تحدده جولات التفاوض المقبلة بقدر ما سيحدده ميزان القوة الذي يتشكل في الميدان. فكلما تعززّت قدرة طهران على فرض كلفة استراتيجية كبيرة على أعدائها، وهذا ما يحصل الآن، ازدادت فرص العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط مختلفة.
-إعلامي وباحث سياسي.
- استاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية.
-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.
- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني.