يكشف خطاب رام إيمانويل عن تحول متسارع داخل التيار الرئيسي للحزب الديمقراطي من الدعم غير المشروط لحكومة الاحتلال إلى ربط العلاقة معها بتغيير سياساتها تجاه الفلسطينيين والاستيطان والحروب الإقليمية.
ويدعو إيمانويل بحسب المقال الذي نشرته صحيفة "بوليتيكو" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، إلى إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية وفرض عقوبات على المتورطين في عنف المستوطنين والجهات الداعمة للاستيطان، مع إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب السياسة الأميركية في المنطقة.
ويرى المقال أن أهمية الخطاب تكمن في صدوره عن شخصية وسطية بارزة من قلب المؤسسة الديمقراطية، ما يجعله مؤشراً على أن انتقاد الاحتلال ونتنياهو لم يعد موقفاً هامشياً داخل السياسة الأميركية.
النص المترجم
معاينة لخطاب رام إيمانويل تظهر أن عصر الدعم الأميركي المطلق لحكومة "إسرائيل" قد انتهى.
يتواجد رام إيمانويل في "إسرائيل" هذا الأسبوع لإلقاء خطاب صُمم ليكون بمثابة دويّ هائل. ومن شأن اجتماع مضمون الرسالة مع هوية حاملها أن يُحدث صدى واسعاً.
تتمثل الرسالة في أن الحرب في غزة والتحولات في الرأي العام الأميركي والعالمي قد تلاقت لتُحدث تداعيات زلزالية. فقد انتهت عقود كان فيها صناع السياسة الأميركيون يعربون مراراً عن قلقهم من خيارات "إسرائيل" وسلوكها، لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون دعم حكومتها مطلقاً وغير قابل للتزعزع.
ومن الآن فصاعداً، يعتزم إيمانويل القول إنه ينبغي للإسرائيليين أن ينظروا إلى الدعم الأميركي باعتباره مشروطاً بشكل واضح: بإحياء التزام جدي بالسيادة الفلسطينية؛ ورفض أحلام فرض الهيمنة خارج الحدود الرسمية سعياً وراء مشروع «إسرائيل الكبرى»؛ والتخلي عن استراتيجية أمنية تركز على القوة العسكرية الوحشية والفعالة، مع اهتمام ضئيل بالدبلوماسية أو بوضع خطط موثوقة لما سيأتي بعد ذلك في غزة وإيران.
وجاء في نص الخطاب أن الإدارات الأميركية من كلا الحزبين أمضت وقتاً طويلاً وهي «تشيح بأنظارها» عن أخطاء "إسرائيل" ومغامراتها الاستراتيجية. "فالبلاد" التي كانت تحظى ذات يوم بالإشادة باعتبارها ديمقراطية مزدهرة ومتقدمة تكنولوجياً، بات يُنظر إليها اليوم بصورة متزايدة باعتبارها «دولة منبوذة».
وتتخلل المسودة شبه النهائية للخطاب، التي شاركها فريق إيمانويل والمقرر إلقاؤها في جامعة تل أبيب يوم الأربعاء، في أكثر من موضع، مشاعر ازدراء تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وتعود العلاقة بين الرجلين إلى سنوات طويلة. فقد نُقل عن نتنياهو في الصحافة الإسرائيلية ذات مرة وصفه لإيمانويل بأنه «يهودي يكره نفسه»، وهي واقعة يذكرها رئيس بلدية شيكاغو السابق صراحة في خطابه المعدّ سلفاً. وهذا يسلط الضوء على العنصر الثاني الذي يجعل الخطاب جديراً بالاهتمام: شخصية المتحدث نفسه.
إيمانويل هو ابن رجل وُلد في القدس. وكان والده الراحل، بنيامين إيمانويل، عضواً في شبابه في جماعة قاتلت من أجل استقلال "إسرائيل".
أما ابنه، البالغ من العمر الآن 66 عاماً، فقد أمضى السنوات الـ35 الماضية متنقلاً، بداية كناشط سياسي ثم كمسؤول منتخب، بين أعلى مراتب السياسة في الحزب الديمقراطي، بما في ذلك توليه مناصب رفيعة في إدارات كلينتون وأوباما وبايدن.
ورغم أن الكلمات والمقترحات المحددة الواردة في الخطاب تعبّر عن إيمانويل وحده، فإن إيمانويل، الذي يُعد مرشحاً محتملاً للرئاسة عام 2028، ليس من النوع الذي يرتجل ببساطة خطاباً بهذه الدرجة من الاستفزاز.
فالخطاب يأتي بعد مشاورات مكثفة مع شخصيات معروفة في مؤسسة السياسة الخارجية التابعة للحزب الديمقراطي. كما شارك إيمانويل مسودة خطابه مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، من بين آخرين.
بعبارة أخرى، المتحدث هنا ليس زهران ممداني أو إلهان عمر.
لقد كان إيمانويل طوال العقود الماضية أحد محركات صناعة السياسات والمواقف السياسية الوسطية منذ تسعينيات القرن الماضي.
وهو يدين بشكل لا لبس فيه حركة حماس. إلا أن الكلمات التي يعتبرها شكلاً من أشكال «الحب القاسي» تجاه الشعب الإسرائيلي، و«اللاحب القاسي» تجاه نتنياهو، باتت اليوم تعكس التفكير السائد داخل التيار الرئيسي في الحزب الديمقراطي.
ومن المتوقع أن يقول إيمانويل إن العلاقة الأميركية – الإسرائيلية «لا يمكنها الاستمرار أو البقاء بالشكل الذي كانت عليه».
ويضيف: «للحفاظ على قوة علاقاتنا، نحن بحاجة إلى تغييرات كبيرة واتجاه جديد».
وسرعان ما يتحول هذا الموقف إلى حقيقة مسلّم بها داخل الأوساط السياسية الديمقراطية، وإلى حد ما أيضاً بين الجمهوريين الذين يفكرون في شكل "إسرائيل" والشرق الأوسط في مرحلة ما بعد ترامب.
ولكن إذا كان من غير الممكن العودة إلى الوضع السابق، فإن ما يعنيه ذلك فعلياً بالنسبة إلى المستقبل لا يزال أقل وضوحاً.
ويمثل خطاب إيمانويل طرحاً افتتاحياً لبعض الإجابات المحتملة.
فهو يقول إن "إسرائيل" أصبحت الآن غنية بما يكفي بحيث لم تعد بحاجة إلى تلقي إعانات أميركية لتمويل مشترياتها العسكرية.
كما يقول إنه مستعد لفرض عقوبات على الأشخاص المشاركين في أعمال عنف ضد المدنيين الفلسطينيين أو ممتلكاتهم.
واللافت أنه يدعو أيضاً إلى فرض عقوبات على الشركات والمصارف التي تدعم البناء في المستوطنات الإسرائيلية داخل المناطق المحتلة من الضفة الغربية.
وقبل كل شيء، يؤيد إيمانويل استئناف العملية الشاقة والتي غالباً ما كانت عقيمة، بين "إسرائيل" والفلسطينيين، ولكن هذه المرة بتركيز جديد ومنطلقات جديدة.
ففي عهد نتنياهو، وبدعم من إدارة دونالد ترامب، تحركت "إسرائيل" بصورة متزايدة نحو التعامل مع عملية السلام باعتبارها مسألة غير ذات صلة بالواقع السياسي.
وكما يعترف إيمانويل نفسه، رفض الفلسطينيون في مراحل متعددة خلال تسعينيات القرن الماضي والسنوات الأولى من القرن الحالي مقترحات تقوم على مبدأ السلام مقابل السيادة.
أما البديل الذي طرحه نتنياهو وترامب فكان محاولة تهميش القضية الفلسطينية، والتركيز بدلاً من ذلك على الأمن الإقليمي والازدهار الاقتصادي، وهو ما انعكس في «اتفاقيات أبراهام» التي سهّل ترامب التوصل إليها بين "إسرائيل" ودول مثل الإمارات العربية المتحدة.
ومن وجهة نظر إيمانويل، أثبت "هجوم" 7 تشرين الأول/أكتوبر والكارثة التي أعقبته في غزة أنه لا يمكن الهروب من القضية الفلسطينية.
لكن بدلاً من «حل الدولتين» التقليدي بين "إسرائيل" والفلسطينيين، يؤيد إيمانويل ما يسميه «حل الدول الـ23».
بعبارة أخرى، استخدام الضغوط الأميركية والغربية لإقناع دول الجامعة العربية بأن التحديث الاقتصادي والأمن الإقليمي اللذين تسعى إليهما هذه الدول يجب أن يكونا مشروطين بتحملها مسؤولية أكبر تجاه القضية الفلسطينية.
وما إذا كان «حل الدول الـ23» مجرد عبارة بلاغية ذكية أم أساساً لسياسة حقيقية، فمن المبكر معرفة ذلك.
فالأمر يعتمد بدرجة كبيرة على ما سيحدث خلال العامين الأخيرين من إدارة ترامب، وما سيأتي بعدها. وهذا تحديداً ما يجعل خطاب إيمانويل مثيراً للاهتمام.
فهو شخصية سياسية بامتياز، بقدر السياسيين المهرة الذين خدم معهم في البيت الأبيض، إن لم يكن أكثر.
الطموحات الرئاسية لإيمانويل تقوم حتى الآن على ركيزتين. الأولى هي المصداقية الأساسية لسيرته الذاتية. فإلى جانب توليه رئاسة بلدية مدينة كبرى، كان شخصية أساسية في وصول نانسي بيلوسي إلى رئاسة مجلس النواب أثناء عضويته في الكونغرس، كما شغل منصب كبير موظفي البيت الأبيض وسفير الولايات المتحدة لدى اليابان.
ولا يوجد أحد في قائمة المرشحين المحتملين المتنامية يمتلك مثل هذا التنوع في الخبرات والعلاقات الشخصية، أو يتحرك بهذه الثقة والنشاط المستمر داخل النقاشات السياسية.
أما الركيزة الثانية فهي عدم انسجام ترشحه الناشئ مع التيارات السياسية السائدة حالياً.
فهو سياسي وسطي ينتمي إلى المؤسسة التقليدية، ولا يحظى بثقة الكثير من الناشطين الأكثر ميلاً إلى اليسار، والمتمردين على المؤسسة، والذين تتزايد شكوكهم تجاه "إسرائيل"، ويعتقدون، بصورة منطقية، أن طاقتهم السياسية ستكون القوة المحركة للجيل المقبل من الحزب الديمقراطي.
وفي هذا السياق، يشكل نتنياهو خصماً سياسياً مفيداً لإيمانويل، وجسراً محتملاً بين هاتين الركيزتين.
إذ يستطيع إيمانويل أن يقول بدقة للديمقراطيين الشباب: «ثقوا بي، لقد كنت أخوض هذه المعركة منذ وقت أطول منكم، ولديّ الأعداء الذين يثبتون ذلك».
المصدر: بوليتيكو
الكاتب: جون إف. هاريس