يشكل إعلان حل لجنة متابعة العمل الحكومي في قطاع غزة، واستقالة رئيسها في 6 يوليو/ تموز، أحد أبرز التطورات السياسية والإدارية التي شهدها القطاع منذ اندلاع الحرب، ليس لكونه إجراءً تنظيمياً يتعلق بإعادة هيكلة الإدارة الحكومية فحسب، وإنما لأنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من ترتيبات "اليوم التالي"، ويعيد توزيع المسؤوليات بين الأطراف الفلسطينية والاحتلال والوسطاء الدوليين.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة لأنها تأتي في ظل استمرار الحرب، وتعثر تنفيذ التفاهمات المتعلقة بإدارة غزة، واستمرار الجدل الدولي حول الجهة التي ستتولى إدارة القطاع بعد وقف العمليات العسكرية. ومن ثم، فإن القرار لا يقتصر على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإنما يضع جميع الأطراف المنخرطة في الملف الفلسطيني أمام اختبار سياسي وقانوني جديد.
انتقال إداري منظم
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أكد أن جميع الترتيبات الإدارية والقانونية الخاصة بعملية التسليم قد أُنجزت بصورة كاملة، وأن عملية نقل الصلاحيات تمت وفق إجراءات منظمة، بعد استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية ورئيس لجنة المتابعة الحكومية بالإنابة محمد جواد الفرا.
كما أوضح أن الموظفين المدنيين والفنيين سيواصلون أداء أعمالهم باعتبارهم موظفي دولة، وذلك منعاً لحدوث أي فراغ إداري قد يؤثر في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وهو ما يعكس الحرص على استمرارية المرافق العامة خلال المرحلة الانتقالية.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية قانونية، لأنها تؤسس لانتقال منظم للسلطة التنفيذية المدنية، وتؤكد أن مؤسسات الإدارة العامة لا ينبغي أن تتوقف أو تتعطل نتيجة التحولات السياسية، بل تستمر في أداء وظائفها وفق قواعد الإدارة العامة واستمرارية المرفق العام.
حماس تعلن انتهاء دورها الإداري
في المقابل، أوضحت حركة حماس أن قرار حل لجنة متابعة العمل الحكومي جاء "استجابة للمصلحة الوطنية ونزعاً لذرائع الاحتلال"، مؤكدة أنها لن تكون جزءاً من ترتيبات إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وأنها استكملت جميع الإجراءات المتعلقة بتسليم ملفات الحكم إلى اللجنة الوطنية.
وأكدت الحركة أنها طرحت منذ بداية الحرب أكثر من صيغة توافقية لإدارة القطاع، انتهت إلى تشكيل اللجنة الوطنية، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي ما زال يمنع دخولها إلى غزة رغم استكمال جميع الإجراءات الإدارية والقانونية الخاصة بعملها.
ويعكس هذا الموقف محاولة لإعادة تعريف دور الحركة في المرحلة المقبلة، بحيث تنتقل من موقع الإدارة المدنية إلى موقع الفاعل السياسي، مع ترك مسؤولية إدارة المؤسسات المدنية إلى جهة تكنوقراطية توافقية.
من جهته، أكد المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم، أن الحركة لن تكون جزءا من أي ترتيبات تتعلّق بإدارة ما يُعرف بـ"اليوم التالي" لوقف العدوان، مشددا على أن الكرة باتت بالكامل في ملعب الإدارة الأمريكية ووسطاء مؤتمر شرم الشيخ لإلزام تل أبيب بوقف العدوان وإدخال اللجنة الإدارية.
وأوضح المتحدث أن الحركة استكملت كافة الترتيبات القانونية واللوجيستية والمهنية لتسليم ملفات الحكم، بما فيها الملف الأمني، إلى "اللجنة الوطنية" المتوافق عليها فصائليا، معتبرا أن هذه الخطوة تسقط كافة الذرائع "الإسرائيلية"، وتضع المجتمع الدولي والوسطاء والدول الضامنة أمام مسؤولياتهم السياسية لإلزام الاحتلال بالسماح بدخول اللجنة للقطاع.
اللجنة الوطنية أمام اختبار التنفيذ
ورغم اكتمال الجانب الإداري والقانوني لعملية نقل المسؤوليات، فإن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، لا تزال غير قادرة على مباشرة أعمالها داخل القطاع.
وأكد رئيس اللجنة أن جاهزيتها الكاملة مرهونة بتوفير البيئة السياسية والإدارية والأمنية اللازمة، مشدداً على أن نجاحها يتطلب وجود سلطة واحدة وقانون واحد وإطار مؤسسي يسمح لها بممارسة اختصاصاتها بصورة مستقلة.
وهذا يعني أن التحدي الحقيقي لم يعد يتعلق بتشكيل اللجنة أو بشرعيتها، وإنما بمدى قدرتها على ممارسة صلاحياتها على الأرض، وهو أمر يرتبط مباشرة بالموقف "الإسرائيلي" وبموقف الأطراف الدولية الراعية للتفاهمات.
"إسرائيل" ترفض الترتيب الجديد
في المقابل، رفضت الحكومة "الإسرائيلية" التعامل مع هذه الخطوة باعتبارها تحولاً حقيقياً في إدارة قطاع غزة. فقد اعتبر وزير الخارجية "الإسرائيلي" جدعون ساعر أن حل اللجنة يمثل محاولة من حماس للإبقاء على جناحها العسكري، مقابل نقل الخدمات المدنية إلى لجنة التكنوقراط، مؤكداً أن "إسرائيل" ما زالت تتمسك بخطة تقوم على نزع سلاح الحركة بصورة كاملة.
كما تشير المعطيات إلى أن "إسرائيل" سبق أن رفضت السماح للجنة الوطنية بدخول قطاع غزة، رغم أنها حظيت بموافقة أمريكية، وكانت جزءاً من الترتيبات التي جرى التوافق عليها ضمن خريطة الطريق الخاصة بإدارة القطاع.
غير أن هذا الطرح يكشف في الوقت نفسه عن إشكالية أعمق في الرؤية "الإسرائيلية"، إذ إن تل أبيب سبق أن رفضت دخول اللجنة الوطنية نفسها، رغم أنها تحظى بقبول أمريكي ودولي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت "إسرائيل" ترفض حماس كجهة حاكمة، أم ترفض بالمطلق أي إدارة فلسطينية يمكن أن تؤسس لمرحلة سياسية جديدة في القطاع؟
وفنّد المتحدث باسم حماس ادعاءات هيئة البث "الإسرائيلية" التي وصفت الاستقالة بـ"التضليلية"، وأنها مجرد استقالة "ظاهرية لحكومة حماس"، واصفا إياها بمحاولة مكشوفة للتهرب من المسؤولية والتغطية على أكثر من 5 آلاف خرق "إسرائيلي" لاتفاق وقف إطلاق النار، منتقدا في الوقت ذاته الموقف الأممي والعاجز لمجلس السلام ومبعوثه ميلادينوف في تحديد الطرف المنتهك الحقيقي للاتفاقات.
لذلك تعتبر هذه الخطوة صدمة لـ"إسرائيل"، فهي تغلق كافة الأعذار التي كانت تتذرع بها بشأن دخول المساعدات والحوكمة في غزة.
الوسطاء أمام اختبار جديد
في ضوء هذه التطورات، تنتقل المسؤولية بصورة أكبر إلى الوسطاء والدول الراعية، بعدما أعلنت حماس استكمال جميع التزاماتها المتعلقة بعملية نقل الإدارة. فالمطلوب الآن لا يقتصر على دعم اللجنة الوطنية سياسياً، وإنما يمتد إلى تمكينها عملياً من دخول قطاع غزة، وممارسة اختصاصاتها، وضمان استمرار الخدمات العامة، والإشراف على عملية إعادة الإعمار.
كما أن استمرار منع اللجنة من مباشرة عملها سيحول الأزمة من مسألة إدارية إلى قضية سياسية تتعلق بمنع تنفيذ التفاهمات التي سبق الاتفاق عليها، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مباشرة تجاه أي فراغ إداري أو إنساني قد ينشأ عن ذلك.
مجلس السلام بين الالتزامات والواقع
أما مجلس السلام الخاص بغزة، فقد رحب بإعلان حل اللجنة، لكنه أكد أن تقييمه يستند إلى التنفيذ العملي وليس إلى البيانات السياسية. وشدد المجلس على ضرورة أن تتمكن اللجنة الوطنية من ممارسة صلاحياتها بصورة مستقلة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لإنجاح المرحلة المقبلة، معتبراً أن الإسراع في تنفيذ بقية بنود خريطة الطريق من شأنه أن يفتح المجال أمام إعادة الإعمار، وترتيب الملفات الأمنية، واستكمال الانسحاب "الإسرائيلي".
غير أن هذه التصريحات ما زالت تصطدم بالواقع الميداني، في ظل استمرار الاحتلال في منع اللجنة من دخول القطاع، واستمرار الخلاف حول مستقبل السلاح الفلسطيني وآليات إدارة المرحلة المقبلة.
ووفقا لخطة ترامب، فإن هذا من شأنه أن يمهد الطريق لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة - اعتمادا على إصلاحات محددة. رفضت "إسرائيل" مثل هذه الفكرة.
في يناير من هذا العام، ذكرت وسائل الإعلام العبرية أن تل أبيب "رفضت السماح" للجنة بدخول غزة والاستعداد لبدء عملها كجزء من صفقة أكتوبر 2025 - التي شهدت تأسيس ترامب لما يسمى "مجلس السلام".
فشل هذا المجلس حتى الآن في إنهاء الإبادة الجماعية "الإسرائيلية" في غزة وسمح بقتل أكثر من 1000 فلسطيني على يد "إسرائيل" منذ أكتوبر من العام الماضي.
بين القانون والسياسة
من الناحية القانونية، يمكن النظر إلى حل لجنة متابعة العمل الحكومي باعتباره استكمالاً للإجراءات اللازمة لنقل السلطة التنفيذية إلى إدارة مدنية تكنوقراطية، بما يعزز شرعية المؤسسات الإدارية، ويؤكد مبدأ استمرارية المرافق العامة بعيداً عن الانتماءات السياسية.
أما من الناحية السياسية، فإن الخطوة تعكس محاولة واضحة لإعادة توزيع المسؤوليات، بحيث تصبح الأطراف الدولية والاحتلال أمام اختبار يتعلق بمدى التزامها بتمكين اللجنة الوطنية من ممارسة اختصاصاتها، بعد أن أعلنت حماس انتهاء دورها في إدارة القطاع.
وفي المقابل، فإن استمرار رفض "إسرائيل" لهذا الانتقال الإداري يضعف الخطاب الذي طالما ربط الأزمة بوجود إدارة تتبع لحماس، ويشير إلى أن جوهر الخلاف يتجاوز هوية الجهة الإدارية، ليصل إلى طبيعة المشروع السياسي المتعلق بمستقبل قطاع غزة.
ففي النهاية؛ يمثل حل لجنة متابعة العمل الحكومي تحولاً مهماً في مسار إدارة قطاع غزة، إذ يفتح الباب أمام نموذج جديد يقوم على إدارة تكنوقراطية توافقية، ويؤسس لمرحلة انتقالية يفترض أن تنقل النقاش من هوية الجهة التي تدير القطاع إلى كيفية تمكينها من القيام بمهامها.
غير أن نجاح هذه المرحلة سيظل مرهوناً بعوامل تتجاوز الإرادة الفلسطينية، وفي مقدمتها موقف الاحتلال الإسرائيلي، ومدى قدرة الوسطاء والدول الراعية على تنفيذ التفاهمات التي سبق التوصل إليها، وتحويلها من اتفاقات سياسية إلى واقع إداري وقانوني قابل للتطبيق.
وبذلك، فإن مستقبل "اليوم التالي" في غزة لن تحدده فقط جاهزية اللجنة الوطنية، وإنما أيضاً مدى استعداد الأطراف الدولية والإقليمية لإلزام "إسرائيل" بتهيئة الظروف التي تسمح بقيام إدارة فلسطينية مدنية قادرة على ممارسة مسؤولياتها بصورة فعلية.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]