الإثنين 06 تموز , 2026 03:26

الإمام الشهيد علي الخامنئي… الرجل الذي شيّد أمةً للمقاومة في زمن الانكسارات

الشهيد السيد الخامنئي وعلم إيران

في زمنٍ تكاثرت فيه راياتُ الاستسلام، وتهادت فيه الأممُ على أعتابِ الهيمنةِ راغبةً راهبة، برزَ رجلٌ لم يكن فقط قائدًا سياسيًا، ولا مرجعيةٍ دينية، ولا رئيسًا لدولة، بل كان أمةً في رجل، ومنظومةَ مقاومةٍ متكاملةً بأبعادها، ومعادلةً موضوعيةً في مواجهةِ مشروعِ الاستكبارِ الأعظم، الذي حشدَ طواغيتَ الأرضِ في حلفٍ شيطانيٍّ ضدَّ إرادةِ المستضعفين.

وإن كان التاريخُ قد شهدَ قاماتٍ تحرريةً كبرى، استطاعت أن تخلعَ نيرَ الاحتلالِ عن رقابِ بلدانها، فإنَّ قيمةَ السيدِ الشهيدِ تتجاوزُ حدودَ الجغرافيا، وتمتدُّ إلى روحِ الأمةِ ووجدانِ المستضعفين، حيثُ تحوَّلَ إلى قبلةٍ روحيةٍ لمن حملوا رايةَ العزةِ والكرامة.

لقد ورثَ الإمامُ الشهيدُ مشروعَ الإمامِ الخميني -قدسَ اللهُ سرَّه- كأمانةٍ ثقيلة، فترجمَهُ بعبقريةِ قائدٍ استثنائيٍّ إلى برنامجٍ استراتيجيٍّ دقيق، حوَّلَ الجمهوريةَ الإسلاميةَ إلى قلعةِ مقاومةٍ منيعة، وإلى حاضنةٍ لحلفٍ ممتدٍّ في مفاصلِ الهيمنةِ الحيوية، وإلى منصةٍ إعلاميةٍ وثقافيةٍ تصدَّتْ لدعاياتِ الاستكبار، وإلى نموذجٍ ملهمٍ كسرَ جدارَ اليأسِ الذي زرعهُ الاستعمارُ في قلوبِ الشعوب.

فاستطاعَ أن يصنعَ من إيرانَ ندًّا حقيقيًّا لأقوى إمبراطوريةٍ استعمارية، مؤسسًا معادلةَ ردعٍ أفقدتْ أميركا صوابَها، وجعلتْها أضحوكةً في عيونِ العالم، بعدَ أن فشلتْ كلُّ أدواتِ عدوانِها وحصارِها واستهدافِها على مدى سبعةٍ وأربعين عامًا من المواجهةِ المفتوحة.

قراءةٌ في مشروعِ الهيمنةِ وأدواتِه

لا يمكنُ فهمُ عظمةِ المواجهةِ دونَ فهمِ عظمةِ الخصم؛ يقومُ مشروعُ الاستكبارِ على أعمدةٍ متينةٍ يتكاملُ بعضُها مع بعض، منها:

- غرسُ ثقافةِ الاستسلام وتوهينُ الإرادةِ الوطنية، وإيهامُ الشعوبِ بأنَّ القوةَ الماديةَ وحدَها هي الفيصلُ في صراعِ الأمم.

- امتلاكُ القوةِ التدميرية وسياساتُ الرعبِ والإرهابِ الدولي، مع التفلتُ من كلِّ القوانينِ والأعرافِ الدولية.

- الحروبُ المتعددةُ الأبعاد؛ اقتصاديةٌ بالحصارِ وتجويعِ الشعوب، وسياسيةٌ بخلقِ الفتنِ وزعزعةِ الاستقرار، وعسكريةٌ بالغزوِ المباشرِ تارةً، وبالتهديدِ والردعِ تارةً أخرى.

- السيطرةُ على المضائقِ والممراتِ البحرية وخطوطِ التجارةِ العالمية، لتكونَ أداةً للضغطِ والهيمنة.

الإمامُ الشهيدُ... مواجهةٌ شاملةٌ لمنظومةِ الطغيان

كان الإمامُ الخامنئي، قبلَ أن يؤتمنَ على قيادةِ الثورةِ خلفًا لمؤسسِها العظيم، يضعُ في كلِّ منصبٍ تولاهُ بصماتٍ تشي بفقهٍ عميقٍ لجدليةِ الاستبدادِ والاستعمار. وما إنِ استلمَ القيادةَ، حتى دشَّنَ نظامًا متكاملًا للمواجهةِ الشاملة، قائمًا على ركائزَ أربع:

مواجهةُ الدعاياتِ وخطابُ التبيين

استندَ الشهيدُ إلى موهبتِه الفذةِ في الخطابةِ والبيان، وأسسَ مؤسساتٍ إعلاميةً مناهضةً للخطابِ الاستعماري، وحوَّلَ مدينةَ مشهدَ إلى منصةٍ ثوريةٍ كبرى. وأطلقَ مصطلحَ "جهادِ التبيين" الذي يضاهي في أهميتِه الجهادَ في ساحاتِ القتال، كما طوَّرَ الدبلوماسيةَ الإيرانيةَ لتكونَ ميدانًا للمواجهةِ إلى جانبِ الحرسِ الثوري والجيش.

تحصينُ الاقتصادِ ومقاومةُ الحصار

أدركَ الشهيدُ أنَّ النفطَ نقطةُ ضعفِ الدولِ النفطية، فبلورَ مفهومَ "الاقتصادِ المقاوم" القائمِ على التنويعِ والاكتفاءِ الذاتي، وحرصَ على الشفافيةِ والعدالةِ في توزيعِ الثروة، لضمانِ جبهةٍ داخليةٍ متماسكةٍ لا يمكنُ اختراقُها عبرَ بواباتِ الأزماتِ الاقتصادية.

تشكيلُ محورِ المقاومةِ في المفاصلِ الاستراتيجية

بمعاونةِ قادةِ المقاومةِ العظام، استطاعَ الشهيدُ أنْ يمدَّ نفوذَ المقاومةِ إلى أهمِّ الممراتِ البحريةِ والمضائق، وأنْ يسيطرَ على مضيقِ هرمزَ، ليوجهَ ضربةً قاصمةً لمشروعِ الهيمنةِ وحلفائِه، ويؤسسَ معادلةَ ردعٍ بحريةٍ لم تشهدْها المنطقةُ من قبل.

تطويرُ حربٍ غيرِ متماثلةٍ تُبطلُ تفوقَ العدوّ

إيمانًا باستحالةِ مجاراةِ القوى الكبرى في التسلحِ التقليدي، ركّزَ الشهيدُ على تطويرِ منظومةِ صواريخَ باليستية، وطائراتٍ مسيرة، وصواريخَ كروز، وهو ما وصفَه قائدُ القيادةِ الوسطى الأميركيةِ السابقُ بالثلاثيِّ غيرِ المأهولِ الذي أفقدَ التفوقَ الجويَّ الأميركيَّ فعاليّتَه.

وآخرُ ما قالَه الشهيدُ قبلَ شهادتِه كانَ وصيةً خالدة: "إنَّ أقوى جيشٍ في العالمِ يمكنُ أن يتلقى صفعةً كبرى، وحاملاتُ الطائراتِ، رغمَ خطورتِها، فإنَّ السلاحَ الذي يُغرقُها هو الأخطر".

وهنا تتجلى العبقريةُ الحقيقيةُ للإمامِ الشهيد: سلاحُ العقيدةِ الصلبة، والإيمانُ بالحق، والصبرُ الاستراتيجي، وسلامةُ الجبهةِ الداخلية، والاستعدادُ لمواجهةٍ شاملةٍ طويلةِ النفس، هذا هو جوهرُ الثورةِ الإسلامية، وهذا ما أدرَكَه القائدُ الشهيدُ، وعملَ عليهِ بصبرٍ وشجاعةٍ وإخلاص، حتى خُتِمَتْ مسيرتُه بشهادةٍ تليقُ به، ويليقُ بها.

في النهاية؛ إنَّ هذه النديةَ التي تتعاملُ بها إيرانُ وجبهاتُ المقاومةِ مع أعتى إمبراطوريةٍ استعمارية، رغمَ فجوةِ القوةِ والإمكانات، هي من بركاتِ الإمامِ الشهيدِ القائدِ الأممي، وقادةِ المقاومةِ المخلصين، وشعبٍ مؤمنٍ بعقيدةِ المقاومة، واثقٍ بقيادةِ الجمهوريةِ الإسلاميةِ لهذه المسيرةِ المباركة، التي صنعتْ في زمنِ الانكساراتِ أمةً لا تعرفُ إلا الانتصار.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور