ثمة رجال لا تنتهي أدوارهم حين تغيب أجسادهم، بل تبدأ لحظة أخرى من حضورهم في وجدان شعوبهم. وحين يُشيَّع قائد بحجم الشهيد الكبير آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي، لا تكون الجنازة مجرد موكبٍ مليونيٍّ حزينٍ يرافق نعشاً إلى مثواه الأخير، وإنما تتحول إلى مشهد إنساني تختلط فيه الدموع بالإيمان، والوفاء بالعقيدة، والحزن بالعزم على مواصلة الطريق.
ففي عيون ملايين الإيرانيين الذين افترشوا الطرقات مودّعين قائد الأمة، لم يكن البكاء تعبيراً عن فقدان زعيم أممي، بل عن فقدان أبٍ روحي، ورمزٍ حمل معهم هموم دولتهم وقضايا أمتهم لعقود طويلة.
ومن يقرأ ذلك المشهد بعيداً عن الانفعال، يدرك أن التشييع لم يكن حدثاً عاطفياً فحسب، بل حمل في طياته رسالة سياسية واضحة. لقد بدا وكأنه استفتاء شعبي جديد على النظام الإسلامي، وتجديداً للبيعة لولي الدم والقائد السيد مجتبى الخامنئي، في رسالة مفادها أن الدم لم يُضعف الدولة، بل زادها تماسكاً، وأن الاغتيال لم ينجح في إرباك مؤسساتها، بل رسّخ قناعتها بأن الحفاظ على الحقوق الوطنية والأمن القومي، والدفاع عن الحلفاء، أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
من هنا، لا يمكن فصل مشهد التشييع عن مسار المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن. فالدول التي تخرج من لحظات التعبئة الوطنية الكبرى لا تدخل إلى طاولة التفاوض بروح المنهزم، وإنما بعقل أكثر تشدداً، وإرادة أكثر صلابة، وقناعة بأن أية تسوية لا بد أن تحفظ الكرامة كما المصالح.
ورغم مرور أسابيع على إعلان مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 من حزيران الماضي، فإن تنفيذها لا يزال يسير بخطوات متثاقلة، وسط كمٍّ كبير من الشكوك المتبادلة، وتباينات عميقة في تفسير البنود الجوهرية، بما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى تسوية مستقرة.
وتبرز أولى هذه التباينات في مضيق هرمز، حيث ترى طهران أن التفاهم يمنحها دوراً محورياً في تنظيم الملاحة البحرية، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، انطلاقاً من مسؤوليتها الجغرافية والأمنية في الخليج.
أما واشنطن، فتصر على أن المضيق سيبقى ممراً مائياً دولياً لا يخضع لأي ترتيبات تمنح إيران حق فرض رسوم أو قيود على حركة السفن، وهو موقف يلقى تأييداً خليجياً واضحاً.
لكن الخلاف الحقيقي يتجاوز المضيق إلى جوهر الصراع على النفوذ في المنطقة. ففي الملف اللبناني، تعتبر طهران أن نجاح المذكرة يفترض أن يفضي إلى انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان، باعتبار أن الاحتلال يتناقض مع أي مشروع للاستقرار. في حين ترى واشنطن أن الاتفاق لا يتجاوز، في مرحلته الحالية، تثبيت وقف التصعيد، فيما يبقى أي انسحاب إسرائيلي مشروطاً بترتيبات أمنية تشمل تفكيك قدرات حزب الله، وتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة في الجنوب.
أما الملف النووي، فما يزال مؤجلاً إلى مراحل لاحقة. فاللقاءات الفنية لم تدخل بعد في معالجة القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها المخزون النووي ومستويات التخصيب، وكأن الطرفين يفضلان اختبار قدرة الاتفاق على الصمود قبل الاقتراب من الملفات التي قد تنسف المفاوضات برمتها.
وينسحب المشهد ذاته على ملف العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة. فالولايات المتحدة تتمسك بسياسة الإفراج التدريجي والمشروط، بحيث يقترن كل تخفيف للعقوبات بخطوات إيرانية محددة، مع رقابة على كيفية استخدام الأموال المفرج عنها.
أما طهران، فترى أن أموالها ليست منّة من أحد، وأن استعادتها يجب أن تكون كاملة، مع حقها المطلق في التصرف بها دون وصاية أو شروط خارجية.
وبذلك، تبدو مذكرة التفاهم قد نجحت، حتى الآن، في تحقيق هدفها الآني، وهو منع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، وخفض مستوى التوتر، وإعادة شيء من الاستقرار إلى أسواق الطاقة. غير أن نجاحها في إدارة الأزمة لا يعني أنها نجحت في حلها، لأن الثقة بين الطرفين ما زالت شبه معدومة، ولأن كل بند في الاتفاق يحمل تفسيرين مختلفين، ولكل التزام ثمن سياسي يسعى كل طرف إلى تحميله للآخر.
لهذا، تتجه الأنظار إلى شهر آب المقبل، الذي قد يكون الشهر الأكثر حسماً في مستقبل الاتفاق. ففي الولايات المتحدة، يبدأ الرئيس دونالد ترمب عملياً التحضير لمعركة الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني، وهي محطة قد تدفعه إلى إعادة توظيف ملفات السياسة الخارجية في خدمة حساباته الانتخابية. وقد يرى في تصعيد إقليمي محدود فرصة لاستعادة صورة الرئيس الحازم، كما قد تجد إيران، بدورها، أن رفع مستوى الضغط هو الطريق الأمثل لتحسين شروط التفاوض من جهة، ولدفع العدو الإسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان، من جهة ثانية..
وبين الاحتمالين، يبقى آب شهراً مرشحاً لإعادة رسم المشهد الإقليمي بأكمله.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن التحدي الأكبر الذي يؤرق واشنطن اليوم، والمتمثل في الصعود الصيني. فقد كشفت الحرب الأخيرة أن بكين نجحت في حماية أمنها الطاقوي عبر تخطيط استراتيجي بعيد المدى، وقدمت نموذجاً مختلفاً في التنمية والاستقرار، في وقت بدت فيه الولايات المتحدة أقل قدرة على فرض إرادتها مقارنة بما كانت عليه في السابق.
كما أظهرت المواجهة حدود المخزون العسكري الأميركي، وصعوبة تشكيل تحالف غربي واسع حتى في مواجهة خصم معزول نسبياً كإيران، الأمر الذي انعكس مباشرة على حسابات الردع الأميركية في ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها تايوان.
وسط هذه الصورة المعقدة، يبدو من الصعب تصور اتفاق نهائي يُبنى على حساب ما تعتبره الجمهورية الإسلامية ثوابتها الوطنية والإقليمية، سواء في ما يتعلق بحقوقها السيادية، أو بعلاقاتها مع حلفائها، وعلى رأسهم حزب الله.
فالمشهد الذي صنعته دموع الإيرانيين لم يكن مجرد وداع لقائد راحل، بل إعلاناً بأن الدم الذي سقط أصبح جزءاً من معادلة الصراع، وأن ذاكرة الشعوب لا تُدار بمنطق الصفقات المؤقتة.
لقد أثبت التاريخ أن دماء القادة الكبار لا تُقاس بلحظة استشهادهم، بل بما تتركه من أثر في مسار الأمم. فحين اغتيل السيد عباس الموسوي قبل أربعة وثلاثين عاماً، ظن كثيرون أن المقاومة فقدت رأسها، لكن تلك الدماء تحولت إلى وقود لمسيرة انتهت بتحرير معظم الجنوب اللبناني عام 2000.
واليوم، يقف الإيرانيون وحلفاؤهم أمام مشهد مشابه؛ مشهد يمتزج فيه الحزن بالعهد، والدموع بالإصرار، والإيمان بأن الدماء التي روت الأرض، من السيد علي الخامنئي إلى السيد حسن نصر الله، وكوكبة كبيرة جداً من الشهداء، لن تكون خاتمة الحكاية، بل قد تكون بداية فصل جديد من تاريخ المنطقة، يمهّد الأرضية لحدث كبير آت. وما ذلك على الله بعزيز.
الكاتب: الدكتور رضا الشّاب