السبت 27 حزيران , 2026 12:25

سراب الاكتفاء الذاتي: حدود الاستقلال العسكري الإسرائيلي عن الولايات المتحدة

صواريخ أميركية

تشهد العلاقة بين كيان الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية تطورات لافتة تكشف عن فجوة متصاعدة في تقدير المصالح القومية وقراءة طبيعة التهديدات الإقليمية، حيث يتكرر الهجوم العلني من بعض الوزراء الإسرائيليين على واشنطن بوصفه أداة للدعاية والشعبوية السياسية الداخلية، في وقت تدرك فيه القيادة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تمامًا أن خوض أي حرب طويلة وممتدة أمر مستحيل دون استمرار الدعم اللوجستي والاستخباري والمظلة الدبلوماسية والأمنية الأمريكية بلا انقطاع. فطموح تحقيق استقلال تسليحي كامل يواجه عقبات جغرافية وصناعية حتمية، إذ يعجز هذا الكيان كليًا عن إنتاج منصات جوية هجومية ثقيلة ومستقلة، وتظل قدرته على توجيه ضربات في العمق مرتبطة تقنيًا وزمنيًا بعمليات التزود بالوقود والتموين والدعم التكنولوجي المتكامل من القوات الأمريكية.

ومن هذا المنطلق، فإن سعي نتنياهو لإنهاء صيغة المساعدات التقليدية لا يعبّر عن رغبة حقيقية في الاكتفاء الذاتي العسكري، بل يبدو تكتيكًا مدروسًا للهروب من الرقابة السياسية المتصاعدة داخل الكونغرس، والالتفاف على تحولات الرأي العام الأمريكي الرافضة للدعم غير المشروط، فمن خلال تحويل المساعدات إلى قنوات البنتاغون مباشرة والشراكة الصناعية المشتركة، يسعى هذا الكيان إلى دمج مجمعه العسكري بالمنظومة الفيدرالية الأمريكية، بما يجعل أمن واستمرار صناعاته العسكرية جزءًا لا يتجزأ من مصالح وجاهزية القوات الأمريكية نفسها.

وتكشف موجات التصريحات الهجومية الصادرة عن قيادات الائتلاف الحكومي الإسرائيلي ضد الإدارات الأمريكية، خاصة عقب مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية في 2026، عن حدة هذا التوتر؛ فقد هاجم بعض الوزراء واشنطن بلهجة حادة رافضين أي إملاءات، بينما دعا آخرون إلى فرض السيطرة الأمنية وتوسيع الحدود العسكرية كبديل وحيد للأمن القومي، في حين وصف بعض الإعلاميين المقربين من نتنياهو الاتفاق بـ"الخيانة الأمريكية الكاملة" ودعوا إلى مواجهة مبكرة مع الإدارة الأمريكية قبل تقديم أي تنازلات. وفي الوقت ذاته الذي يروّج فيه الجانب الإسرائيلي لسردية الاستغناء التدريجي عن المساعدات والتوجه نحو "الاكتفاء الذاتي"، تكشف الأبحاث المتخصصة، ومنها ما نشره معهد كوينسي للدراسات الإستراتيجية، عن قيود بنيوية تحول دون هذا الانفصال، مرجحة أن ما يجري ليس تقليصًا للدعم بل هندسة جديدة لقنوات تدفقه بعيدًا عن الرقابة السياسية والبرلمانية.

وفي السياق ذاته، أعلن نتنياهو عن خطة استثمار دفاعي عشرية تُعرف بـ"خطة هوشن 2026-2030"، بتخصيص ميزانية تقارب 110 إلى 119 مليار دولار على مدى عقد كامل، بهدف بناء صناعة ذخائر وأسلحة محلية مستقلة تقلص الاعتماد على الحلفاء التقليديين، مع التركيز على التكنولوجيات العميقة والذكاء الاصطناعي والأنظمة الروبوتية وتقنيات الفضاء ذات الاستخدام المزدوج. وقد رافق ذلك تسجيل رقم قياسي في الصادرات الدفاعية الإسرائيلية عام 2025 بقيمة 19.2 مليار دولار، نسبة كبيرة منها عبر صفقات حكومية مباشرة استُخدمت كأداة نفوذ دبلوماسي تحيّد مواقف الدول المستوردة وتمنعها من قيادة حملات مقاطعة ضد هذا الكيان.

ومع ذلك، يجمع المحللون الإستراتيجيون على أن الاستقلال العسكري الكامل عن الولايات المتحدة يبقى بعيد المنال على المدى المنظور، نظرًا لفجوات التصنيع والتبعية اللوجستية المطلقة؛ فالاقتصاد العسكري الإسرائيلي، رغم تطوره التكنولوجي، يفتقر للقدرة على إنتاج المنصات القتالية الكبرى ويعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد الأمريكي للمقاتلات والمروحيات والمحركات والمواد الخام الأساسية. ويتجلى هذا العجز بوضوح في مسألة المدى الجوي، حيث تحمل مقاتلة F-35I كمية وقود تمنحها نصف قطر قتالي لا يتجاوز 700 ميل بحري، في حين تزيد المسافة إلى الأهداف الإيرانية العميقة عن 1400 ميل، وهو ما يحتم عمليات تموين جوي معقدة تعتمد فيها "إسرائيل" على أسطول صغير قديم وعلى دعم مباشر من طائرات التموين الأمريكية. وحتى محاولات تطوير خزانات وقود خارجية محليًا تواجه عقبة تقنية تتمثل في تشويه البصمة الراداريّة والحرارية للمقاتلة وتقويض قدرتها على التخفي.

كما أظهرت تقارير رقابية رسمية إهمالًا حكوميًا متراكمًا في تصنيع الذخائر محليًا وتخزين المواد الخام الحيوية، تجلى في استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض بعيدة المدى وفشل تقني في منظومة "مقلاع داود"، بما يؤكد عجز الصناعة المحلية عن مجاراة معارك الاستنزاف الكبرى دون تمويل وخطوط إنتاج مشتركة أمريكية.

وفي ضوء ذلك، تشير قراءة تقرير معهد كوينسي إلى أن دعوات نتنياهو لخفض المساعدات السنوية إلى الصفر لا تعني فك ارتباط دفاعي، بل إعادة هيكلة جذرية لشكل الدعم؛ فبموجب الاتفاقية الموقعة عام 2016 والمنتهية في 2028، تحصل "إسرائيل" على 3.8 مليار دولار سنويًا، كان يُسمح باستخدام نحو ربعها محليًا، وهو ما شكّل دعمًا فيدراليًا غير مباشر لصناعتها العسكرية. ومع تصفير هذا الاستثناء بحلول 2028، تتحول كامل المنحة إلى دعم مباشر للشركات والعمالة الأمريكية، ما دفع تل أبيب للبحث عن نموذج بديل يضمن استمرار التمويل عبر اندماج كامل مع البنتاغون بدلًا من منح وزارة الخارجية الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر شراكات إنتاج مشترك على الأراضي الأمريكية وبأيدٍ عاملة أمريكية، كما في عقد إنتاج صواريخ "تامير" في أركنساس، بهدف خلق حالة من "الدمج اللامتناهي" تجعل الصناعة العسكرية الإسرائيلية جزءًا لا غنى عنه من سلاسل التوريد الأمريكية، بما يحصّن هذا التمويل من أي تقلبات سياسية مستقبلية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور