شكّل الإعلان عن الاتفاق الأولي بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية في يونيو (حزيران) 2026 نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، ليس لأنّه وضع حدّاً لحرب استمرت 107 أيام فحسب، بل لأنّه كشف عن تحوّل أعمق في طبيعة موازين القوى الإقليمية والدولية.
فالحروب الحديثة لا تُختزل فقط بحجم الخسائر البشرية أو عدد الضربات العسكرية، بل بالقدرة على تحويل المكاسب الميدانية إلى وقائع سياسية واقتصادية وقانونية مستدامة. ومن هذا المنظور، تبدو مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية، إذا ما تمّ تثبيتها بصيغتها المتداولة، وثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط، انتقلت فيها واشنطن من موقع الساعي إلى فرض شروطه إلى موقع المفاوض على شروط كان يرفضها عند اندلاع الحرب.
من الحرب إلى التفاوض: كيف تبدّلت الحسابات؟
عندما اندلعت المواجهة في 28 فبراير (شباط) 2026، رفعت واشنطن وتل أبيب سقف أهدافهما إلى مستويات غير مسبوقة. تحدّثت الإدارة الأمريكية عن ضرورة "تغيير سلوك إيران"، فيما ذهبت الأوساط "الإسرائيلية" أبعد من ذلك، عبر التلويح بإسقاط "النظام الإيراني" وإنهاء ما وصفته بـ"التهديد الإيراني" بصورة نهائية. لكنّ مسار الحرب سار في اتجاه مغاير للتوقعات.
فبعد 107 أيام من المواجهات المباشرة وغير المباشرة، لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها الأساسية، كما لم تنجح "إسرائيل" في فصل الساحات الإقليمية عن بعضها أو منع إيران من توظيف نفوذها الإقليمي في إدارة المواجهة.
وبدلاً من فرض معادلة ردع جديدة، وجدت واشنطن نفسها أمام ضرورة احتواء التداعيات الاقتصادية والعسكرية للحرب، في ظلّ اضطراب أسواق الطاقة العالمية وتعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
من يدفع ثمن الحرب؟
في التاريخ الحديث، تُقاس نتائج الحروب بالسؤال الأهم: من يدفع ثمن التسوية؟
بعد الحرب العالمية الأولى، فُرضت على ألمانيا تعويضات ضخمة بموجب معاهدة فرساي. وبعد انهيار الدولة العثمانية، أُعيد رسم خريطتها السياسية والجغرافية بالكامل. أما في الحروب المعاصرة، فقد تغيّرت أدوات التعويض دون أن يتغيّر جوهرها.
فرفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتمويل إعادة الإعمار، وتقديم الضمانات الأمنية، أصبحت جميعها أشكالاً حديثة للتعويض السياسي والاقتصادي. وبالعودة إلى مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية، تتضح الصورة أكثر.
فالولايات المتحدة تتعهد برفع الحصار البحري، وإنهاء العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، ومنح إعفاءات لصادرات النفط، وتمويل خطة لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار. في المقابل، لا تلتزم إيران سوى بتجميد الوضع القائم في برنامجها النووي خلال فترة التفاوض، وتجديد تأكيدها أنها لن تنتج سلاحاً نووياً.
في لغة اقتصاديات الحروب، يصعب تجاهل هذه المفارقة: الطرف الذي تعرّض للحصار والعقوبات والضغوط العسكرية هو الذي يحصل على الحوافز، بينما الطرف الذي قاد سياسة "الضغوط القصوى" هو الذي يدفع كلفة إنهاء الحرب.
هرمز: الورقة التي غيّرت قواعد اللعبة
كشفت الحرب أنّ مضيق هرمز لم يعد مجرد ممرّ مائي حيوي، بل أصبح أداة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل الحسابات الدولية. فقد أدّى تعطيل الملاحة إلى تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي، ما وضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام معادلة صعبة: استمرار الضغط على إيران يعني استمرار المخاطر الاقتصادية العالمية.
لكنّ الأهم من ذلك أنّ إعادة فتح المضيق لم تأتِ نتيجة رضوخ إيراني، بل جاءت وفق ترتيبات تعترف عملياً بالدور الإيراني في إدارة الأمن البحري في المنطقة. وبموجب البنود المتداولة، تلتزم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري، فيما تتولى إيران إعادة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب.
وهذا التحوّل لا يعكس فقط تفاهم تقني، بل اعترافاً ضمنياً بأنّ استقرار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم بات مرتبطاً مباشرة بالدور الإيراني.
لبنان: سقوط استراتيجية فصل الجبهات
شكّلت الساحة اللبنانية اختباراً حاسماً للاستراتيجية الأمريكية – "الإسرائيلية". فأحد الأهداف المركزية للحرب كان فصل الجبهات الإقليمية، والتعامل مع كلّ ساحة على حدة، بما يمنع تحويل أيّ اعتداء على أحد حلفاء إيران إلى أزمة إقليمية شاملة.
لكنّ التطورات الميدانية والسياسية أظهرت فشل هذه المقاربة. فإدراج لبنان صراحةً ضمن بند وقف الحرب على جميع الجبهات يمثّل اعترافاً واضحاً بترابط الساحات، ويعكس نجاح إيران في فرض معادلة جديدة تقوم على أنّ أمن حلفائها جزء من أمنها الاستراتيجي.
وبذلك، لم يعد لبنان ملفاً منفصلاً عن التفاهمات الإقليمية، بل أصبح جزءاً من أيّ ترتيبات مستقبلية تخصّ الأمن الإقليمي.
من "صفر تخصيب" إلى "الحفاظ على الوضع القائم"
ربما يكمن التحوّل الأكبر في البرنامج النووي الإيراني. ففي بداية المواجهة، كان الخطاب الأمريكي و"الإسرائيلي" يطالب بتفكيك البرنامج النووي الإيراني وإنهاء قدراته بصورة نهائية.
أما اليوم، فإنّ المذكرة تتحدث فقط عن الحفاظ على الوضع القائم خلال فترة التفاوض، مع تأجيل بحث مصير المواد المخصبة والتفاصيل التقنية إلى الاتفاق النهائي.
الفارق بين الموقفين يكشف حجم التراجع في سقف المطالب الأمريكية. فالانتقال من هدف "صفر تخصيب" إلى هدف "إدارة التخصيب" لا يعكس مجرد تعديل تكتيكي، بل إقراراً ضمنياً بأنّ الخيار العسكري لم ينجح في فرض الأهداف السياسية المعلنة.
والأهم من ذلك أنّ المذكرة المتداولة لا تتضمن أيّ إشارة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو إلى شبكة الحلفاء الإقليميين، وهما ملفان شكّلا لسنوات طويلة جوهر الضغوط الأمريكية.
الشرعية الدولية: المكسب الأهم
بعيداً عن الأبعاد الاقتصادية، ربما يكون المكسب الإيراني الأبرز هو ما تنص عليه المذكرة بشأن إقرار الاتفاق النهائي عبر قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي. فهذا البند يمنح إيران أكثر من مجرد رفع للعقوبات؛ إنّه يمنحها اعترافاً دولياً بدورها وموقعها في النظام الإقليمي الجديد.
وفي السياسة الدولية، لا تسعى الدول فقط إلى تحقيق مكاسب ميدانية، بل إلى تحويل هذه المكاسب إلى قواعد قانونية ودبلوماسية يصعب التراجع عنها. وهذا ما يبدو أنّ طهران نجحت في تحقيقه.
ففي النهاية؛ تكون إيران حققت انتصاراً استراتيجياً سياسياً كاملاً، كما أنّ الولايات المتحدة خرجت مهزومة بالمعنى التقليدي للكلمة؛ وذلك لأن واشنطن لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة، وأنّها انتقلت من استراتيجية الإكراه إلى استراتيجية الاحتواء والتفاوض.
حيث أن إيران، فقد نجحت في الحفاظ على برنامجها النووي، وتثبيت معادلة ترابط الجبهات، والحصول على مسار لرفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، وانتزاع اعتراف ضمني بدورها الإقليمي. وفي عالم السياسة الدولية، لا يُقاس الانتصار بمن بدأ الحرب، بل بمن يكتب قواعد ما بعدها.
وبالنظر إلى بنود مذكرة التفاهم المتداولة، تبدو طهران أقرب إلى الطرف الذي نجح في فرض معادلاته، فيما تبدو واشنطن أقرب إلى طرف يسعى إلى الحدّ من خسائره وإدارة تداعيات حرب لم تنتهِ بالنتائج التي أرادها.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]