في أعقاب الإعلان عن الاتفاق الأمريكي-الإيراني، يرزح المجتمع السياسي والأمني الإسرائيلي تحت وطأة صدمة حادة، تجلّت في موجة من ردود الفعل المفعمة بالمرارة والشعور بالخذلان العميق. وتكشف قراءة المشهد الإسرائيلي من أقصى اليمين الحاكم إلى صفوف المعارضة، مروراً بالمنصات الإعلامية المختلفة، عن إجماع غير مسبوق على وصف هذا الاتفاق بأنه "إخفاق استراتيجي" و"كارثة أمنية". ويستند هذا الحكم إلى أن الاتفاق أهمل جوهر التهديدات الإيرانية كالملف النووي والصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية، بينما منح طهران في المقابل شرعية دولية مع تخفيف اقتصادي ملموس، دون أي مقابل حقيقي لإسرائيل.
غير أن هذا التوافق في التوصيف لا يلبث أن يتهاوى فور الانتقال إلى تحديد المسؤوليات وبلورة مسارات المواجهة، إذ يتشقق المشهد الإسرائيلي إلى ثلاثة تيارات رئيسية، كلٌّ منها يمثل منطقاً سياسياً مختلفاً ومصالح متعارضة.
المعارضة: فرصة في قلب الكارثة
يرى تيار المعارضة في هذا الاتفاق فرصةً سانحة لتوجيه ضربة قاضية لنتنياهو وشعاره الذي طالما تغنّى به عن "النصر المطلق". يتزعّم هذا الخطاب قائد الأركان الأسبق غادي آيزنكوت الذي أعلن: "استيقظنا على صباح كئيب لا يشبه النصر الموعود"، فيما وصف يائير غولان زعيم حزب الديمقراطيين هذا "الفشل المدوّي" بأن له أباً واحداً هو رئيس الوزراء.
أما أكثر التحليلات تفصيلاً وتشريحاً فجاءت من يائير لابيد زعيم المعارضة، الذي رسم لوحة مفصّلة لأخطاء نتنياهو الاستراتيجية: من بيعه الأمريكيين صورة متفائلة زائفة وفقدان ثقتهم في المنتصف، إلى إخفاقه في إقناعهم بإدراج ملفَّي الصواريخ الباليستية والمنشآت النووية في الاتفاق، مروراً بتجاهله ورقة مضيق هرمز وتداعيات ارتفاع أسعار النفط قبيل انتخابات الكونغرس، وصولاً إلى عجزه عن توظيف علاقاته الخليجية لبناء جبهة مشتركة. خلص لابيد إلى أن نتنياهو "غيّر الشرق الأوسط إلى الأسوأ" بفعل ما وصفه بالإهمال والغطرسة وغياب الفريق المهني الكفؤ. ومع ذلك، يظل هجوم المعارضة ذا طابع توظيفي في جوهره؛ إذ كان كثيرون منهم لو كانوا في سدة الحكم لعجزوا بدورهم عن الصمود أمام ثقل الضغوط الأمريكية.
اليمين المتشدد: السيادة خط أحمر
في المقابل، يتبنى اليمين المتشدد الشريك في الحكومة خطاباً أكثر حدة وبعداً عن الواقعية، يرفض فيه أي التزام بالاتفاق. وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أعلن صراحةً: "لسنا ملتزمين بأي اتفاق؛ نحن دولة مستقلة ذات سيادة وليست جمهورية موز"، مطالباً بتفكيك حزب الله كلياً، ورافضاً الانسحاب من أي أرض نفّذت فيها العمليات العسكرية. ويشاطره وزير المالية سموتريتش هذا التوجه، مؤكداً أن "إسرائيل"م ستواصل "المعركة لإسقاط النظام الإيراني بوسائل إبداعية"، مع إبداء ثقة تبدو أقرب إلى العنتريات منها إلى الاستراتيجية بأن لا أحد من المعارضة كان ليتحمّل عُشر الضغوط التي تواجهها الحكومة اليوم.
المقرّبون من نتنياهو: الغدر من الخارج
أما الفريق الثالث، المحيط بنتنياهو والداعم له، فيسلك مساراً مختلفاً يتمثل في تحميل الخارج المسؤولية. الصحفي المقرب منه ينون مجال انصبّت عليه مشاعر الخيانة بشكل صريح حين كتب: "باعتنا الولايات المتحدة مقابل الأموال القطرية والهدوء"، موجهاً اتهاماته لمستشاري ترامب اليهود كوشنر وويتكوف، ودول الخليج التي وصفها بـ"الجبناء والإمعات". وختم بنبرة تجمع بين الجرح وادّعاء الصمود: "بقينا وحدنا وسننتصر وحدنا". ورغم حدة هذا الخطاب، يُبقي أصحابه على دعمهم المطلق لنتنياهو بوصفه "الرجل المناسب في الزمن المناسب".
الإعلام: صدمة بلا تجميل
ولم يكن الإعلام العبري بعيداً عن هذه الصدمة. مراسل قناة "كان" العبرية لخّص المشهد بعبارات مقتضبة: "لا حل للملف النووي، لا حل للصواريخ، النظام الإيراني لم يسقط". وموقع "إنتلي نيوز" العبري ذهب أبعد من ذلك في التعبير عن الاستياء قائلاً: "خُدعنا وهُزمنا وأُهِنّا". أما مراسل قناة i24 أميشاي شتاين فأشار إلى المفارقة الصارخة في أن حرباً بهذا الحجم "تنتهي بتخفيف عقوبات على مبيعات النفط، وهو ما لم يكن موجوداً أصلاً قبل الحرب، فيما يخرج الأمريكيون بلا شيء: لا أسلحة نووية، لا صواريخ، لا وكلاء".
يكشف هذا المشهد في مجمله أن "إسرائيل" تواجه لحظة مراجعة استراتيجية عسيرة؛ فالاتفاق يُعدّ نقطة تحوّل بصرف النظر عن موقف أي تيار منه. الإجماع على الرفض موجود، لكن الانقسام العميق حول المسؤوليات ومسارات المستقبل يعكس هشاشة بنيوية في المنظومة السياسية الإسرائيلية، وأزمة ثقة متصاعدة بين المؤسسة الحاكمة وحلفائها التقليديين، في مقدمتهم واشنطن التي لطالما شكّلت الرافد الأساسي للقوة الإسرائيلية في المنطقة.
الكاتب: غرفة التحرير