ظنت "إسرائيل" أن قصف الضاحية الجنوبية يمكن أن يمر باعتباره حدثًا "لبنانيًا معزولًا"، وأنه يمكن الاستفراد بجبهة بحرية من دون أثمان إقليمية. لكن الساعات التي تلت الغارة التي وصفها الاحتلال بأنها "رمزية" حملت جوابًا مختلفًا تمامًا. لتنطلق الصواريخ من إيران مستهدفةً مواقع حساسة داخل الأراضي المحتلة، ومعها الفكرة التي بنت عليها "إسرائيل" استراتيجيتها منذ السابع من أكتوبر وعملت جاهدة على تحقيقها وتتمثل في فصل الجبهات عن بعضها وكسر وحدة الساحات بين محور المقاومة. وبدل أن ينجح هذا المشروع، وجدت "إسرائيل" نفسها أمام معادلة معاكسة تجعل الاعتداء على لبنان سببًا لضرب الشمال وإعادة فتح الحرب.
تكمن أهمية هذه المعادلة في أنها ترتبط مباشرة بمفهوم وقف إطلاق النار الذي أعقب الحرب على لبنان. فوفق الرؤية التي يتبناها محور المقاومة، فإن وقف إطلاق النار ليس نصًا يُطبّق على طرف واحد فقط، ولا يجب خرق أي بند من بنوده. ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء إسرائيلي على الأراضي اللبنانية يُعد عمليًا انتهاكًا للاتفاق، ما يفتح الباب أمام ردود مشروعة.
وهنا يظهر أحد أبرز أوجه الإخفاق الإسرائيلي خلال المرحلة الحالية. فمنذ السابع من أكتوبر، سعى الكيان لمنع انتقال تأثير المعارك من جبهة إلى أخرى وعزل كل طرف عن الآخر. وقد استندت هذه الاستراتيجية إلى فرضية أن الضغوط العسكرية والاغتيالات والحصار ستدفع أطراف المحور إلى الانكفاء نحو أولوياتها المحلية والتخلي عن التنسيق المشترك.
وتكتسب المعادلة الإيرانية الأخيرة أهمية إضافية في ضوء التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين. فقد أكد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى أن القوات المسلحة الإيرانية زادت من عناصر قوتها بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى، فيما شدد محسن رضائي على أن مستوى الجاهزية اليوم يفوق ما كان عليه في بداية الحرب، وأن الردود ستستمر حتى يندم العدو على أفعاله. وهي مواقف تعكس قناعة إيرانية بأن المواجهة لم تنتهِ، وأن مرحلة ما بعد الحرب لا تقل أهمية عن الحرب نفسها في تثبيت قواعد الردع الجديدة. ولا مجال بعد لحرية الحركة الإسرائيلية لا سيما في لبنان.
كما أن الإعلان عن استخدام أجيال متطورة من صواريخ "خيبر" في الضربات الأخيرة يحمل بدوره رسالة مزدوجة. فمن جهة، تسعى طهران إلى إظهار أن ترسانتها الصاروخية لم تتأثر بالحرب، بل ما زالت تتطور وتتوسع. ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن صواريخ تصل سرعتها في المرحلة النهائية إلى نحو 9 ماخ يهدف إلى التشكيك بقدرة منظومات الدفاع الإسرائيلية على توفير الحماية الكاملة، خصوصًا في ظل تكرار وصول الصواريخ إلى أهدافها رغم الطبقات الدفاعية المتعددة.
ولم يقتصر أثر هذه المعادلة على الجانب العسكري فحسب، بل امتد إلى الداخل الإسرائيلي نفسه. فوسائل إعلام إسرائيلية تحدثت بعد الرد الإيراني عن واقع أكثر تعقيدًا مما كان قائمًا قبل أشهر، حيث وجدت تل أبيب نفسها أمام تعدد في مصادر التهديد بدل تقليصها. فبعدما رفعت الحكومة الإسرائيلية شعار إزالة الخطر عن الشمال وإبعاد الحرب عن الجبهة الداخلية، باتت الصواريخ الإيرانية واليمنية إلى جانب جبهة لبنان تشكل ضغطًا متزامنًا على منظومة الأمن الإسرائيلية. وهو ما دفع بعض المعلقين الإسرائيليين إلى التساؤل عما إذا كانت السياسات التي انتهجتها حكومة بنيامين نتنياهو قد أدت فعليًا إلى تقليص التهديدات أم إلى توسيعها وإضافة جبهات جديدة إلى المعركة.
والأخطر بالنسبة إلى "إسرائيل" أن الرد الإيراني لم يقتصر على معاقبة الاحتلال على استهداف الضاحية، بل سحب منه القدرة على الانفراد بتحديد توقيت التصعيد وشكله. فطوال الأشهر الماضية حاولت تل أبيب إقناع المنطقة بأنها خرجت من الحرب وهي صاحبة اليد العليا والقادرة على فرض شروطها الأمنية على لبنان والجوار. إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن القدرة على صناعة القواعد لم تعد حكرًا على الاحتلال. فاليوم تجد "إسرائيل" نفسها مضطرة إلى حساب ردود فعل أطراف متعددة قبل الإقدام على أي خطوة، ما يعني أن هامش المبادرة الذي سعت إلى انتزاعه بالقوة العسكرية أصبح أكثر ضيقًا وتعقيدًا.
الكاتب: غرفة التحرير