الخميس 04 حزيران , 2026 02:45

أزمة مضيق هرمز تضرب جيب المستهلك الأمريكي

أزمة مضيق هرمز وتأثيرها على جيوب الأمريكيين

تحوّلت صدمة الطاقة المتولّدة عن إغلاق مضيق هرمز، من خبر خارجي إلى ضغط داخلي مباشر على ميزانية الأسر الأمريكية. فمصافي ساحل الخليج الأمريكي تعمل عند 97.4% من طاقتها التشغيلية، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ العميلة العسكرية الروسية في أوكرانيا في 2022، فيما يتدفّق المشترون الدوليون على المصافي الأمريكية بعد تحوّلهم عن الخليج الفارسي.

وتشهد مخزونات البنزين والديزل عمليات سحب بمعدّلات تفوق المعدّلات الموسمية. فيما تتصاعد تحذيرات تجار النفط من أن الأسواق المالية لا تُسعّر الواقع الفعلي على الأرض. وأبرز مظاهر هذه الأزمة، ما يحصل من وضع فريد في كاليفورنيا، بعد فقدانها 20% من طاقة التكرير وارتفاع اعتمادها على الاستيراد.

كل هذا فيما ترفض إدارة ترامب فرض ضوابط على التصدير حفاظاً على موقع الولايات المتحدة الأمريكية كمركز ثقل عالمي للطاقة، وتختار امتصاص صدمة الأسعار على المستهلك الداخلي بدلاً من تعريض هذا الموقع للخطر.

مصافي الساحل الخليجي عند ذروة الطاقة

ترفع منطقة التكرير الثالثة (PADD 3) على ساحل الخليج الأمريكي معدّل تشغيل المصافي إلى 97.4%، وهو مستوى يقترب من السقف العملي، ولم تبلغه المصافي الأمريكية إلا بعد العميلة العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022. وقد تجاوز الارتفاع المعدّلات الموسمية المعتادة بنحو شهر كامل، وانعكس على تحوّل خرائط حركة الناقلات من الشرق الأوسط إلى الخليج الأمريكي، وهو ما كشفته إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) في بيانات PADD 3 الأسبوعية.

أما السبب فهو بنيوي. فالمشترون الدوليون في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط ذاته تحوّلوا عن إمدادات هرمز إلى الأسواق الأمريكية، مع طلب متزايد على البنزين ووقود الطائرات (الجِت فيول) من قبل أسواق فقدت إمدادات شركاتها الإقليمية. والنتيجة هي عمل المصافي الأمريكية عند سقفها الفعلي، والفائض المتاح لأي صدمة طلب إضافية شبه معدوم.

تحذير "كارلايل" من "قاع الخزّانات"

وقد حذّر المستشار الأقدم في "مجموعة كارلايل" الاستثمارية جيف كاري، من أن مخزونات النفط الخام والبنزين ووقود التقطير الأمريكية ستبلغ ما سمّاه "قاع الخزّانات" (Tank Bottoms) بحلول الرابع من تموز/يوليو 2026. والمصطلح يشير لا إلى التفريغ التام، بل إلى الحدّ الأدنى التشغيلي المطلوب للحفاظ على ضغوط الأنابيب وتدفّق المنتجات بين الخزّانات والمصافي.

وتبلغ السحوبات الفعلية حسب إدارة معلومات الطاقة: 6.1 مليون برميل من البنزين و4.5 مليون برميل من وقود التقطير في أسبوع 24 نيسان؛ و6.3 مليون برميل بنزين و3.1 مليون برميل تقطير في 10 نيسان/أبريل. أما متوسط الثمانية أسابيع الأخيرة: 3.4 ملايين برميل سحب أسبوعي للبنزين. وشهدت أرقام النفط الخام التجاري تحوّلاً حادّاً: من إضافة 5.5 ملايين برميل في الأسبوع الأخير من آذار إلى سحب 7.9 ملايين برميل في الأسبوع الأخير. أما مؤشّر "أيام الإمداد"، فقد تراجع إلى 24.2 يوماً بحلول 15 أيار.

كاليفورنيا: خسارة مزدوجة في التكرير والاستيراد

تنفرد كاليفورنيا بأزمة طاقة موضعية حادّة. الولاية تستورد نحو 20% من احتياجاتها من البنزين، وقد خسرت في العام الماضي 20% إضافية من طاقتها التكريرية الداخلية بإغلاق مصفاتَي "فيليبس 66" و"فاليرو". ويقدر مجموع الفجوة بـ 40% من الإمدادات التي تواجه ضغطاً مزدوجاً بفعل أزمة هرمز.

وحين أعلنت الشركتان إغلاق مصفاتَيهما، حذّرت ولايات غربية مجاورة من أن قرار حكومة الحاكم الديمقراطي غافن نيوسوم سيُؤثّر على أسعار البنزين الإقليمية بأكملها. الولاية لا يمكن عزل أزمتها عن جيرانها، وبالتالي إدارة ترامب تواجه تأثيراً متشعّباً على غرب الولايات المتحدة لا يقتصر على كاليفورنيا وحدها.

السبر الاستراتيجي عند أدنى مستوياته التاريخية

أعلنت إدارة ترامب الالتزام بسحب 172 مليون برميل من السبر الاستراتيجي للنفط (Strategic Petroleum Reserve)، ما يُهبط بمستواه إلى ما دون الحدّ الذي أُسّس عليه أصلاً في السبعينيات. السحب يتسارع لتعويض الفجوة الناجمة عن إغلاق هرمز ولتلبية طلب المصافي المحلية والمشترين الدوليين، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA).

تحذير المستثمر مارك مالك من "صدمة سعرية مكبوتة"

وفي سياق متّصل، حذّر كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "سيبرت"، مارك مالك، من أن الأسواق ما زالت تعمل ضمن افتراض ضمني بأن مضيق هرمز سيُفتح قريباً وبسلاسة، وأنها تعمل كـ"ممتصّ صدمة" يُخفّض السعر الفعلي للنفط على الأرض. وعند نقطة فتح الفعلي للمضيق، يتوقّع مالك أن ترتفع الأسعار إلى مستوى أعلى من المتوسط السابق بفعل سعي الدول إلى إعادة ملء احتياطاتها.

وثمّة فجوة موثَّقة بين السعر الآجل وسعر التسليم الفوري: في نيسان/أبريل الماضي بلغ سعر تسليم برنت الفوري 180 دولاراً للبرميل، فيما كان السعر الآجل المُعلَن نحو 110 دولارات. هذا الانفصال يكشف أن السوق المالي لا يُسعّر الواقع الفعلي، وأن صدمة سعرية متراكمة تنتظر التفريغ.

ترامب يرفض ضوابط التصدير

أكّدت إدارة ترامب نهاية الأسبوع رفضها فرض ضوابط على تصدير النفط والوقود. الموقف ثابت رغم تصاعد الطلب الدولي على الإمدادات الأمريكية، ورغم أن هذا التصدير ينعكس مباشرةً على أسعار البنزين والديزل في الأسواق الأمريكية.

ويعتمد المنطق الاستراتيجي للإدارة على أن تموقُع الولايات المتحدة كمركز ثقل عالمي جديد لصادرات الطاقة، هو جزء من سياسة خارجية أوسع. وفرض ضوابط التصدير قد يقدّم تخفيفاً قصير الأمد للمستهلك المحلي لكنه يُقوّض الاستراتيجية الكبرى. لذلك قد تلجأ أمريكا الى أدوات أقلّ تكلفة سياسياً متاحة: تمديد إعفاءات منتجات روسيا المُكرَّرة، وزيادة استيراد الخام الفنزويلي عبر تخفيف قبضة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).

مضيق هرمز بات قادراً على التأثير مباشرة في حياة المستهلك الأمريكي

في المحصلة، لم يعد إغلاق مضيق هرمز مجرّد أزمة جيوسياسية بعيدة عن المواطن الأمريكي، بل تحوّل إلى عامل ضغط مباشر على أسعار الوقود والطاقة وسلاسل الإمداد داخل أمريكا نفسها. فمع اقتراب المصافي من حدودها التشغيلية القصوى، وتراجع المخزونات التجارية والاستراتيجية، وازدياد الاعتماد العالمي على الصادرات الأمريكية، تتقلّص هوامش المناورة أمام إدارة ترامب بصورة متسارعة. وبينما تراهن الأسواق على انفراج قريب للأزمة، تشير المؤشرات الفعلية إلى أن أي تأخير إضافي في استعادة تدفّق النفط عبر هرمز قد يدفع الولايات المتحدة إلى مواجهة موجة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار. وهكذا، فإن أحد أهم الشرايين النفطية في العالم بات قادراً على التأثير مباشرة في حياة المستهلك الأمريكي، بما يكشف حجم الترابط بين الأمن الجيوسياسي العالمي والاستقرار الاقتصادي الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور