اتسم المشهد الميداني يوم أمس بتكريس المقاومة الإسلامية لمعادلة "الكيّ الميداني" تجاه القوات الإسرائيلية، عبر إيقاع آلياتها المدرّعة ومشاتها في كمائن مركّبة وهجمات نوعية. وأظهرت المقاومة قدرة على التحكّم بمسرح العمليات، ففرضت على العدو التراجع والانكفاء في عدة محاور أبرزها محور حدّاثا. في المقابل بدا العدو فاقداً لزمام المبادرة البرية ومنتقلاً إلى دفاع سلبي، فسارع إلى تقليص وجود آلياته الثقيلة بعدما تحوّلت إلى هدف سهل، ولجأ إلى تدمير القرى (تفخيخ متكرّر في أحياء طرفية بدبين) واستخدام سلاح الجو بصورة عشوائية لتعويض عجزه التكتيكي على الأرض. والمحصّلة أنّ المقاومة تدير حرب استنزاف دقيقة وعميقة ومؤلمة للعدو، وتمسك بزمام المبادرة على امتداد مسرح العمليات.
ثانياً: المشهد العملياتي
نفّذت المقاومة ثلاث عشرة عملية نوعية تركّزت في ثلاثة قطاعات، بما يعكس إدارة نيرانية لامركزية وفعّالة:
- قطاع حداثا – البالوع: ضغط نيراني متواصل (نحو خمس ساعات) أجبر القوة على الانسحاب، تُوّج بنصب عبوة ناسفة لآليات الانسحاب.
- قطاع زوطر الشرقية: سلسلة هجمات بمسيّرات "أبابيل" الانقضاضية استهدفت ناقلات "الناميرا" ودبابات "الميركافا"، محقّقة أربع إصابات قاتلة خلال نحو ساعتين.
- قطاع البياضة: استنزاف متواصل للتجمّعات والمقارّ، مع إصابة دبابتي ميركافا بصواريخ موجّهة.
أمّا النشاط الجوي الإسرائيلي فتركّز قصفه - الحربي والمسيّر والمدفعي - على أقضية النبطية (زوطر، الشقيف، كفرتبنيت) وبنت جبيل (حداثا، الطيري، كفرا) وصور (دير قانون، البياضة، المنصوري)، بطابع تدميري وأحزمة نارية وتدخّل مسيّر مكثّف. وعلى محور حداثا – رشاف فشل الطيران في تأمين تقدّم القوات وانحصر دوره في تغطية الانسحاب الإجباري بعد كمين العبوة الناسفة فجراً، فيما صعّد العدو غاراته على قرى النبطية (تول، حبوش، حاروف، جبشيت) في محاولة يومية لضرب جوار منطقة القتال في زوطر ويحمر.
ثالثاً: تكتيكات الطرفين
تكتيكات المقاومة: أظهرت تطوّراً في إدارة النيران عبر "الضربة المزدوجة"، إذ تضرب الآلية الأولى بمسيّرة لتحقيق إصابات قاتلة ثم تنتظر وصول فرق الإنقاذ والقيادة لتنقضّ عليها بمسيّرات إضافية، إلى جانب تكيّف تقني عبر تذخير المحلّقات برؤوس قادرة على اختراق الدروع المعقّدة مثل الناميرا والميركافا 4.
تكتيكات العدو: دفع أثماناً باهظة لبروتوكولات الإنقاذ والإخلاء التي باتت متوقّعة ومكشوفة للمقاومة، ولجأ إلى سياسة "الأرض المحروقة" لتغطية الهزائم والانسحابات بدلاً من الاقتحام، واضطرّ إلى سحب عدد كبير من آلياته الثقيلة وتقليص حضورها خشية اصطياد المسيّرات لها.
رابعاً: المعضلة العسكرية الأبرز
تتمثّل المعضلة الكبرى في "سقوط حصانة الدروع" أمام المسيّرات الانقضاضية الموجّهة؛ فقد تحوّلت ناقلة "الناميرا" - الأكثر تحصيناً في جيش العدو - ودبابة "الميركافا 4" إلى توابيت متحرّكة. والعجز عن حماية القوات البرية المتقدّمة، سواء بالدروع أو بأنظمة التشويش، مع عجز جوي عن وقف تدفّق أسراب المحلّقات، جعل بقاء القوات في مناطق التوغّل أشبه بالانتحار التكتيكي.
خامساً: شهادات من الجانب الإسرائيلي
سادت الأوساط العسكرية والإعلامية الإسرائيلية حالة إحباط واعتراف بالإخفاق على ثلاثة مستويات. على المستوى التقني، أقرّت إذاعة الجيش بأنّ المقاومة تسبقها بخطوة في سباق تطوير المسيّرات، ووصفتها القناة الثانية عشرة بالتهديد الأكبر والأكثر رعباً للمقاتلين. وعلى مستوى صدمة الدروع، أبدت "معاريف" قلقاً من إدخال مسيّرات برؤوس تخترق أعتى الدروع (هياكل الميركافا 4 والناميرا) ومن استغلال ضوء القمر لتجاوز الرصد. أمّا على مستوى الردع، فنُقل عن رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك قوله إنّ أهداف الحرب لم تتحقّق وإنّ الجيش "يغرق في وهم"، فيما أشارت قناة "كان" إلى أنّ المقاومة هي من ترسم "المعادلة" وتفرضها، واعترفت "يديعوت أحرونوت" باضطرار الجيش لتقليص آلياته هرباً من المسيّرات.
سادساً: الخلاصة والتقدير العام
يمثّل الثاني من حزيران نقطة فارقة في مسار المواجهة البرية؛ إذ تمكّنت المقاومة من إجهاض فاعلية سلاح المدرعات شبه كلياً، وفرضت معادلة "التدمير بالمحلّقات الانقضاضية الدقيقة". وقد دخل العدو مرحلة "الاستنزاف القاتل" واستهلاك القوات (مقتل ضباط وجنود وإصابة قادة كتائب)، وبات يفتقد لرؤية عملياتية واضحة، ما يدفع مستواه العسكري إلى المطالبة الصريحة بإنهاء الحرب والبحث عن تسوية هرباً من تحوّل جنوب لبنان إلى مقبرة لدروعه وجنوده، في وقت تثبت فيه المقاومة أنّها أقوى عسكرياً وتكتيكياً ممّا كانت عليه في بداية الحرب.
قراءة في إبقاء الفرقتين 91 و36
يمثّل إبقاء العدو الفرقتين 91 (الإقليمية الدفاعية) و36 (المدرّعة الهجومية) ضمن شريط بطول نحو مئة كيلومتر وعمق يتراوح بين خمسة وثمانية كيلومترات "البيئة المثالية" لحرب عصابات واستنزاف قاتل. فالتمدّد على مساحة شاسعة بكثافة منخفضة يفرض خطوطاً دفاعية رخوة ويترك بين النقاط المحصّنة "ممرّات ميتة" خارج السيطرة الفعلية، فيما تُجبَر الفرقة 36 على التحوّل من قوة مناورة هجومية إلى "حراسة ثابتة" تتخندق فيها الدبابات. والتضاريس الوعرة (وادي الحجير، السلوقي، مرتفعات اللبونة والخيام) تحدّ من التفوّق الجوي ومن مناورة الدروع، وتعيد إنتاج مشهد "المنطقة الأمنية" قبل عام 2000 لكن بقدرات استطلاع وصواريخ دقيقة وقوات خاصة. ويتوقّع أن تدير المقاومة استنزافاً عبر أربعة مسارات:
- خطوط الإمداد: تحويل طرق التموين الممتدة من الحدود إلى الداخل مسرحاً دائماً للعبوات والكمائن واصطياد الآليات اللوجستية.
- المواقع الثابتة: إخضاعها لطرق نيراني مبرمج بالهاون والصواريخ والمسيّرات لحرمان الجنود من الراحة وتعمية أجهزة المراقبة.
- اصطياد الدروع: ضرب الميركافا المتخندقة في نقاط ضعفها من مسافات تتجاوز خمسة كيلومترات، أي خارج نطاق رؤيتها.
- ما خلف الخطوط: توغّلات ليلية وإغارات خاطفة وأسراب مسيّرات تكتيكية يصعب اعتراضها لقصر المسافة والزمن.
ونخلص إلى أنّ هذا التموضّع يحوّل "الحزام الأمني" المفترض إلى "حزام استنزاف ومصيدة" يقصّر عمر الاحتلال ويعجّل بانسحابه.
الكاتب: غرفة التحرير