تعثرت الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان بعدما فشل جيش الاحتلال الإسرائيلي في حسم المعركة، فيما برزت طائرات حزب الله المسيّرة كسلاح أربك الإسرائيلي وأفقده المبادرة. بحسب مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويعتبر المقال أن الضغوط الأميركية، وخاصة من ترامب، منعت "إسرائيل" من توسيع الحرب واستهداف بيروت كما ترغب، ما وضع نتنياهو بين الحاجة إلى إنجاز عسكري ومتطلبات التهدئة الأميركية.
ويخلص المقال إلى أن "إسرائيل" تواجه اليوم حالة جمود ميداني، حيث تبدو أهدافها الأصلية بعيدة المنال، بينما يظهر حزب الله أكثر قدرة على الاستنزاف والصمود مقارنة ببداية الحرب.
النص المترجم
حملة إسرائيلية بدأت بآمال كبيرة انتهت إلى حالة من الجمود، فيما بدا حزب الله أكثر قدرة مما كان عليه عند اندلاع الحرب.
عندما هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوم الاثنين بقصف ضاحية بيروت الجنوبية، لم يكن ذلك مجرد تهديد بتوسيع الحرب المستمرة منذ ثلاثة أشهر ضد حزب الله المدعوم من إيران، بل كان أيضًا اعترافًا ضمنيًا بأن الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه المواجهة لا تحقق أهدافها.
وعندما تراجعت "إسرائيل" عن التهديد بعد ساعات قليلة، كشف ذلك حجم المأزق الذي وجدت نفسها فيه؛ فهي عالقة بين الضغوط الداخلية المطالبة بضرب حزب الله بقوة أكبر، وبين الضغوط الأميركية الرامية إلى الحد من العمليات العسكرية في لبنان.
كانت الخطة الإسرائيلية تقوم على السيطرة على أراضٍ داخل لبنان وتحويلها إلى منطقة عازلة تدفع حزب الله إلى ما وراء مدى الصواريخ المضادة للدروع التي لطالما استخدمها لاستهداف عشرات آلاف المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة.
لكن "إسرائيل" لم تكن مستعدة للاستخدام الواسع من قبل حزب الله لطائرات "المنظور الشخصي" الانتحارية (FPV)، وهي طائرات تُوجَّه عبر كابلات ألياف ضوئية تمتد لمسافات طويلة ولا تتأثر بوسائل التشويش الإلكتروني.
ورغم أن هذه الطائرات لم تقتل جنودًا إسرائيليين بالأعداد التي قتلت بها "إسرائيل" مقاتلي حزب الله والمدنيين اللبنانيين، إلا أنها واصلت استهداف الجنود والقادة الإسرائيليين بشكل متزايد داخل لبنان وحتى داخل "إسرائيل" نفسها.
وقد وثّق حزب الله هذه الهجمات عبر مقاطع فيديو نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين وإصابة عشرة آخرين في هجمات مماثلة يوم الاثنين فقط.
وهكذا، فإن المواجهة التي دخلتها "إسرائيل" في آذار/مارس بثقة كبيرة، معتقدة أنها ستسحق حزب الله الضعيف والمتضرر من الحرب، تحولت إلى وضع مختلف تمامًا. فقد أصبحت أقرب إلى حالة جمود عسكري، يظهر فيها حزب الله أكثر قدرة مما كان عليه عند بداية الحرب، بينما يبدو جنود الجيش الإسرائيلي عاجزين بشكل لافت في بعض الأحيان.
وقالت أورنا مزراحي، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ورئيسة برنامج لبنان في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: "كانت هناك استراتيجية... أو بالأحرى كانت هناك استراتيجية. لكن الطائرات المسيّرة أحدثت ارتباكًا لأنها جاءت كمفاجأة. الجيش الإسرائيلي لم يتوقع أن تكون سلاحًا بهذه الخطورة. في إسرائيل كانوا ينظرون إليها على أنها مجرد لعبة."
لكن المسيّرات ليست التحدي الوحيد الذي تواجهه "إسرائيل" في لبنان.
فهناك أيضًا معضلة سياسية لا تقل تعقيدًا، تتمثل في كيفية تلبية المطالب الداخلية المتزايدة بضرب حزب الله بقوة لإزالة تهديده، دون الاصطدام بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبالنسبة لنتنياهو، الذي يستعد لخوض انتخابات خلال أشهر قليلة، فإن خوض حملته الانتخابية على أساس إنجازاته الأمنية يبدو أمرًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل استمرار نزوح آلاف المستوطنين من شمال فلسطين المحتلة أو اضطرارهم إلى العيش قرب الملاجئ.
وقال مايكل كوبلو، المحلل في منتدى السياسات الإسرائيلية: "هذا ليس استراتيجية حقيقية، بل ضرورة سياسية تبحث عن استراتيجية."
في الواقع، بدأت "إسرائيل" هذه الجولة من الحرب بشعارات كبيرة وتعهدات بتغيير الوضع في لبنان "مرة وإلى الأبد"، كما قال نتنياهو. لكنها تخلت سريعًا عن هذه الأهداف بعدما أدركت أن تحقيقها قد يتطلب احتلال لبنان بأكمله.
ثم خفّضت سقف أهدافها أكثر في نيسان/أبريل، بعدما تحرك ترامب لإنهاء الحرب مع إيران وضغط على "إسرائيل" لتقييد عملياتها ضد حلفاء طهران في لبنان، بما في ذلك منع قصف بيروت عمليًا.
ومنذ ذلك الحين، وبعد إنشاء منطقة عازلة واسعة وتهجير مئات آلاف المدنيين، بات الجيش الإسرائيلي يكتفي إلى حد كبير بمهاجمة ما يصفه بالبنية التحتية العسكرية التابعة لحزب الله.
ويرى محللون أن مجرد الاحتفاظ بمنطقة عازلة داخل لبنان يحمل مشكلات كثيرة.
فقد قال الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عساف أوريون إن "إسرائيل تبدو وكأنها تنسى الدروس التي تعلمتها خلال احتلالها للبنان بين عامي 1982 و2000". وأوضح أن "إسرائيل" أقامت حينها "منطقة أمنية" داخل الجنوب اللبناني بحجة حماية مستوطناتها، لكنها انتهت بالبقاء هناك 18 عامًا بدل 48 ساعة كما وعدت.
وأضاف: "البقاء في مواقع ثابتة داخل لبنان يتعارض مع معظم الدروس التي تعلمناها بين 1982 و2000. فهو يمنح حزب الله الذريعة التي يحتاجها ويعيد إحياء فكرة المقاومة. كما أن القوات الثابتة تصبح أهدافًا واضحة للهجمات."
ولهذا السبب، يطالب مسؤولون عسكريون وسياسيون إسرائيليون باستئناف حملة جوية واسعة ضد مواقع حزب الله في بيروت ومناطق أخرى من لبنان.
ويفسر ذلك أيضًا رغبة "إسرائيل" في فصل الساحة اللبنانية عن المفاوضات الأميركية الإيرانية.
وتقول شيرا إفرون، الباحثة في مؤسسة "RAND": "كثير من الإسرائيليين يعتقدون أننا نقاتل ويدنا مقيدة خلف ظهورنا بسبب القيود الأميركية. ويقولون إنه لو سُمح لنا بضرب قلب بيروت لكان حزب الله تحت ضغط أكبر."
من جهتها، اعتبرت ساريت زهافي، رئيسة مركز ألما للأبحاث، أن القيود الأميركية تساعد حزب الله على المدى الطويل. وقالت: "إذا اكتفيت بالعمل ضمن حدود معينة ولم تستهدف قلب حزب الله في بيروت أو طرق التهريب ومصانع السلاح في البقاع، فستبقى عالقًا في لعبة القط والفأر. لن تنهي الحرب بهذه الطريقة."
لكن هناك رأيًا معاكسًا؛ فشيرا إفرون ترى أن اتفاقًا أميركيًا إيرانيًا يتضمن وقفًا حقيقيًا لإطلاق النار في لبنان قد يكون أفضل ل"إسرائيل من استمرار الوضع الحالي". وقالت إن الجنود الإسرائيليين أصبحوا أشبه بـ"بط جالس" يسهل اصطياده، بينما يلوح خطر احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان.
المصدر: نيويورك تايمز
الكاتب: ديفيد هالفينغر