لم تعد المعركة الدائرة على حدود جنوب لبنان تُختزل بعدد الصواريخ أو حجم النيران المتبادلة، بل بقدرة كل طرف على فرض قواعد اشتباك جديدة تُربك حسابات خصمه. وفي هذا السياق، برزت المسيّرات الانقضاضية الموجّهة بالألياف الضوئية والمزوّدة بأنظمة الرؤية الليلية والاستشعار الحراري كأحد أكثر التطورات تأثيراً في مسار المواجهة، بعدما نجحت في كشف نقاط ضعف غير متوقعة داخل المنظومة العسكرية "الإسرائيلية"، وفتحت فصلاً جديداً من الصراع عنوانه تآكل فعالية التفوق التكنولوجي أمام أدوات أكثر مرونة وأقل كلفة.
ثورة تقنية تتجاوز الحرب الإلكترونية
تكمن خصوصية هذه المسيّرات في طريقة عملها المختلفة عن معظم الطائرات غير المأهولة المعروفة. فبدلاً من الاعتماد على الاتصال اللاسلكي التقليدي بين المشغل والطائرة، تستخدم هذه المنظومة كابلاً من الألياف الضوئية يتم سحبه تدريجياً أثناء الطيران، ما يؤمن قناة اتصال فيزيائية مباشرة وآمنة بين المشغل والمسيّرة.
هذا الاتصال السلكي يلغي عملياً الحاجة إلى أي بث راديوي، وبالتالي يحرم أنظمة الحرب الإلكترونية من الهدف الذي صممت للتعامل معه؛ فلا توجد إشارات يمكن اعتراضها، ولا ترددات يمكن التشويش عليها، ولا قنوات اتصال يمكن اختراقها أو تضليلها. ولهذا اعترفت وسائل إعلام إسرائيلية بأن جزءاً مهماً من منظومات التشويش المنتشرة على الجبهة الشمالية فقد فعاليته أمام هذا النوع من الطائرات.
وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على سلوك القوات "الإسرائيلية" في الميدان؛ فبعدما كانت تعتمد على المظلة الإلكترونية لحمايتها من الطائرات المسيّرة، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى إجراءات دفاعية بدائية، من بينها إطلاق النار المباشر على الأهداف الجوية منخفضة الارتفاع أو استخدام الشباك فوق الآليات والمواقع العسكرية، في مشهد يعكس حجم المأزق الذي فرضته هذه التكنولوجيا الجديدة.
ثلاثية الشبحية: عندما يصبح الهدف غير مرئي
لا تقتصر خطورة هذه المسيّرات على تجاوز التشويش الإلكتروني فقط، بل تتجسد في ما يمكن وصفه بـ"ثلاثية الشبحية" التي تجعل اكتشافها واعتراضها مهمة شديدة التعقيد.
الطبقة الأولى تتمثل في الشبحية الإلكترونية؛ فغياب أي انبعاث لاسلكي يجعل المسيّرة غير مرئية لأنظمة كشف الترددات والحرب الإلكترونية؛ أما الطبقة الثانية فهي الشبحية الرادارية الناتجة عن استخدام مواد خفيفة مثل الألياف الزجاجية وألياف الكربون، وهي مواد تقلل البصمة الرادارية إلى مستويات تجعل رصدها صعباً حتى عبر الرادارات المتطورة.
أما الطبقة الثالثة فتتمثل في الشبحية الحرارية؛ فالمحركات الكهربائية الصغيرة لا تنتج حرارة كبيرة مقارنة بالمحركات التقليدية، كما أن المواد المستخدمة في تصنيع الهيكل تحد من تسرب الحرارة إلى الخارج. ونتيجة لذلك تصبح المسيّرة هدفاً بالغ الصعوبة بالنسبة لأنظمة الرصد الحراري التي تعتمد عليها العديد من وسائل الدفاع الجوي الحديثة.
وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في منصة واحدة صغيرة الحجم وقادرة على الطيران على ارتفاعات منخفضة جداً، فإنها تنتج هدفاً يصعب اكتشافه مسبقاً أو تعقبه أو اعتراضه قبل وصوله إلى هدفه.
سقوط ميزة الليل
لكن التطور الأخطر لا يكمن في الألياف الضوئية وحدها، بل في دمجها مع تقنيات الرؤية الليلية والاستشعار الحراري؛ فهذه الإضافة نقلت المسيّرات من مرحلة تجاوز الدفاعات الإلكترونية إلى مرحلة السيطرة على المجال الليلي نفسه.
لعقود طويلة شكّل الليل أحد أهم عناصر المناورة العسكرية؛ وكانت الوحدات القتالية تعتمد على الظلام لتنفيذ عمليات الانتقال وإعادة التموضع والإمداد والانسحاب. إلا أن دخول الكاميرات الحرارية إلى المسيّرات الانقضاضية غيّر هذه القاعدة بالكامل.
فالكاميرات الحرارية لا تحتاج إلى الضوء كي ترى، بل تعتمد على رصد الحرارة المنبعثة من الأجسام الحية والمحركات والآليات. وهذا يعني أن الجندي المختبئ في خيمة أو غرفة أو خلف ساتر ترابي لم يعد مختفياً فعلياً، بل يظهر على شاشة المشغّل كبقعة حرارية واضحة يمكن تتبعها واستهدافها.
وقد أقرت وسائل إعلام إسرائيلية بهذا التحول، حيث تحدثت القناة 13 عن أن المحلقات باتت تعمل بوسائل رؤية ليلية تجعل ساعات الظلام غير آمنة للجنود. كما أشارت تقارير عسكرية إلى أن نجاح المسيّرات في تنفيذ إصابات ليلية دقيقة للمرة الأولى أثار حالة من القلق داخل الوحدات المنتشرة في جنوب لبنان. كما تتزايد المخاوف داخل المؤسسة العسكرية من إدخال كاميرات حرارية وأنظمة رصد متطورة إلى هذه الطائرات، بما يسمح لها بتعقب البصمات الحرارية للأفراد والمركبات بدقة عالية حتى في ظروف الرؤية الصعبة، وهو ما يوسّع هامش المناورة الهجومية ويمنح المشغلين قدرة أكبر على اختيار الأهداف وتوقيت الضربات.
هذا التحول لم يعد فقط تقدير عسكري داخلي، بل أصبح مادة نقاش دولي بعدما خصص المندوب "الإسرائيلي" جزءاً من مداخلته في مجلس الأمن للحديث عن مسيّرات حزب الله، عارضاً نموذجاً منها داخل القاعة ومشدداً على قدرتها على الظهور المفاجئ فوق القوات "الإسرائيلية" واستهدافها بفعالية. وفي السياق نفسه، اعتبرت تقارير إعلامية غربية و"إسرائيلية" أن هذه الطائرات نجحت في تقويض أجزاء من الاستراتيجية "الإسرائيلية" في لبنان، فيما تحدثت مصادر عسكرية عن "منحنى تعلم متصاعد" لدى حزب الله انعكس تحسناً ملحوظاً في دقة التوجيه والاقتراب من الأهداف مقارنة بالمراحل الأولى من المواجهات. كما أقرّت وسائل إعلام "إسرائيلية" بأن القوات تواجه اليوم واقعاً جديداً يتمثل بسقوط قتلى وإصابات بشكل شبه يومي نتيجة هذا النوع من الهجمات.
وفي مواجهة هذا التحدي، اضطر جيش الاحتلال إلى تعديل سلوكه العملياتي عبر تعزيز وسائل الاعتراض والدفاع الجوي، وتقليص استخدام الآليات الثقيلة التي تحولت إلى أهداف مفضلة للمسيّرات، إضافة إلى تغيير مسارات الحركة والإمداد بشكل مستمر لتفادي الرصد والاستهداف. إلا أن هذه الإجراءات لم تبدد القلق المتزايد داخل الأوساط العسكرية وبين عائلات الجنود، خاصة مع تكرار حوادث الاستهداف وسقوط المزيد من القتلى والجرحى، وآخرها إعلان جيش الاحتلال إصابة ثمانية جنود في حادثين منفصلين نتيجة هجمات بمسيّرات انقضاضية مفخخة. وبينما يواصل خبراء الأمن "الإسرائيليون" البحث عن حلول تقنية تشمل التشويش الإلكتروني ووسائل اعتراض جديدة، تبدو المسيّرات الانقضاضية وقد نجحت في فرض معادلة ميدانية جديدة عنوانها أن السماء نفسها باتت ساحة تهديد دائمة للقوات "الإسرائيلية"، حتى في الساعات التي كانت تُعد سابقاً الأكثر أمناً.
من تعقب الأهداف إلى تحليل البصمات الحرارية
لا تقتصر قدرات الاستشعار الحراري الحديثة على اكتشاف الأهداف فحسب، بل تتجاوز ذلك نحو تحليل أنماط الحركة والبصمات الجسدية.
فالتطور التقني الحالي يسمح بتتبع التغيرات الحرارية الناتجة عن حركة الأفراد والمركبات، وتمييز الأهداف العسكرية عن البيئة المحيطة بها. كما يمكن لأنظمة المعالجة الرقمية الحديثة دمج الصور الحرارية مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتصنيفها وملاحقتها بشكل أكثر دقة.
وهذا يعني أن المعركة الليلية لم تعد معركة رؤية وإخفاء كما كانت في السابق، بل أصبحت معركة بصمات حرارية؛ فالهدف لا يُكتشف لأنه مرئي، بل لأنه دافئ. وهذه الحقيقة أسقطت جانباً مهماً من فلسفة التمويه العسكري التقليدية التي اعتمدت على الاختباء في الظلام أو خلف الدخان أو ضمن الغطاء النباتي.
كما أقر جيش الاحتلال بأنه يحقق في نجاح هذه المسيرات في تنفيذ هجمات ليلية دقيقة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قواته بشكل شبه يومي، وسط حالة من الذهول داخل الوحدات المقاتلة من قدرتها على العمل بفعالية بعد غروب الشمس.
استهداف العصب العصبي للجيش
الأهمية العملياتية لهذه المسيّرات لا تتوقف عند استهداف الجنود والآليات؛ فالتقارير العسكرية تشير إلى أنها أصبحت تُستخدم لضرب الأهداف الأكثر حساسية في المنظومة العسكرية، بما في ذلك وسائل الرصد والإنذار المبكر وأجهزة الاتصالات وشبكات القيادة والسيطرة.
هذا التحول يعني أن المسيّرات لم تعد تهاجم القوة العسكرية فقط، بل تهاجم قدرة هذه القوة على الرؤية والتنسيق واتخاذ القرار. وبهذا المعنى تصبح المعركة معركة ضد "العصب العصبي" للجيش نفسه.
وقد انعكس ذلك في القلق الإسرائيلي المتزايد من استهداف أجهزة الرصد والتشويش وحتى وسائل الإخلاء الطبي، الأمر الذي يضاعف التأثير العملياتي والنفسي لهذه الهجمات.
منحنى تعلم متصاعد
تعترف مصادر عسكرية "إسرائيلية" بأن حزب الله أظهر خلال الفترة الأخيرة منحنى تعلم متسارعاً في تشغيل هذا النوع من المسيّرات. فالمقارنة بين الأداء الحالي والأداء في المراحل الأولى من المواجهة تكشف تطوراً واضحاً في دقة التوجيه واختيار الأهداف وتوقيت الهجمات.
ولم يعد الأمر يقتصر على تنفيذ ضربات متفرقة، بل بات جزءاً من نمط عملياتي متكامل يهدف إلى استنزاف القوات "الإسرائيلية" وإجبارها على تعديل سلوكها الميداني بصورة مستمرة.
ولهذا السبب عمد جيش الاحتلال إلى تقليص استخدام الآليات الثقيلة في بعض المناطق، وسحب ثلاث فرق من أصل خمسه في جنوب لبنان، وتغيير مسارات الحركة والإمداد بشكل متكرر، وتوسيع الاعتماد على وسائل الاعتراض والدفاع الجوي قصيرة المدى.
أزمة عقيدة لا أزمة سلاح
تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة لـ"إسرائيل" في أن التحدي الذي تفرضه هذه المسيّرات يتجاوز الجانب التقني. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإيجاد وسيلة جديدة للاعتراض فقط، بل تتعلق بإعادة تقييم فلسفة عسكرية كاملة قامت على افتراض أن التفوق التكنولوجي يضمن السيطرة على ميدان المعركة.
اليوم تواجه المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" واقعاً مختلفاً، حيث تنجح وسائل منخفضة الكلفة في فرض خسائر على قوات تمتلك أكثر المنظومات تطوراً في المنطقة. كما أن الجمع بين الألياف الضوئية والرؤية الليلية والاستشعار الحراري أوجد سلاحاً قادراً على تجاوز معظم نقاط القوة التي اعتمدت عليها إسرائيل خلال العقود الماضية.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مسيرات الألياف الضوئية الليلية باعتبارها فقط تطوير تقني في عالم الطائرات غير المأهولة؛ فهذه المنظومة تمثل تحولاً أعمق في طبيعة الحرب نفسها. إنها تجمع بين بساطة الوسيلة وفعالية الأداء، وتمزج بين تكتيكات حرب العصابات التقليدية وأحدث تقنيات الرصد والتوجيه، لتنتج نموذجاً جديداً من حروب الاستنزاف الذكية.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]