كشفت الحرب الأخيرة على إيران عن تحول مهم في طريقة تقييم القوة العسكرية في الشرق الأوسط. فبعد عقود ارتبط فيها التفوق العسكري بامتلاك الأنظمة الأكثر تطوراً والأعلى كلفة، بدأت معادلات جديدة تفرض نفسها على صناع القرار. ويمتد هذا التحول إلى العقائد العسكرية والاستراتيجيات الدفاعية للدول الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها السعودية.
الفكرة الأساسية التي تبرز في النقاشات الدائرة حول مشروع الطائرة المسيّرة السعودية "سكاي واسب" تتمثل في أن الرياض باتت تنظر بجدية إلى النموذج الذي طورته إيران خلال السنوات الماضية. الحديث هنا يتعلق بقراءة عملية لنتائج الصراعات الحديثة وما كشفته من فعالية الأدوات منخفضة التكلفة في استنزاف الخصوم وإرباك منظوماتهم الدفاعية.
على مدى سنوات طويلة استندت العقيدة العسكرية السعودية إلى الاستثمار المكثف في أحدث التقنيات الغربية. الطائرات المقاتلة المتقدمة، وأنظمة الدفاع الجوي الحديثة، وشبكات القيادة والسيطرة المتطورة شكلت ركائز أساسية في بناء القوة العسكرية للمملكة. في المقابل، سارت إيران في اتجاه مختلف فرضته ظروف العقوبات والعزلة الدولية. ومع محدودية القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا الغربية المتقدمة، ركزت طهران على تطوير صواريخ وطائرات مسيّرة قابلة للإنتاج بأعداد كبيرة وبتكاليف محدودة نسبياً.
في حين أظهرت الحرب الأخيرة أن هذا الخيار تحول إلى أداة استراتيجية قادرة على خلق معادلات جديدة في ميدان الصراع. فحتى عندما تتمكن الدفاعات الجوية من إسقاط نسبة كبيرة من الطائرات المسيّرة، تبقى المشكلة الأساسية في الكلفة غير المتكافئة بين الهجوم والدفاع. إذ تستطيع دولة ما إطلاق أسراب من الطائرات منخفضة السعر، بينما يضطر الطرف المقابل إلى استخدام وسائل اعتراض مرتفعة الكلفة لحماية منشآته الحيوية وأجوائه.
هذه المعادلة دفعت العديد من الدول إلى إعادة التفكير في مفهوم الردع التقليدي. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بقدرة الجيوش على امتلاك الأسلحة الأكثر تقدماً، وإنما أيضاً بقدرتها على إنتاج وسائل ضغط مستدامة وقابلة للاستخدام المكثف عند الحاجة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم مشروع "سكاي واسب" باعتباره جزءاً من مراجعة أوسع للأولويات العسكرية السعودية.
اللافت في هذا التحول أنه يتزامن مع توجه سعودي متسارع نحو توطين الصناعات الدفاعية. فالمملكة تسعى منذ سنوات إلى تقليص اعتمادها على الاستيراد الخارجي وبناء قاعدة صناعية قادرة على تلبية جزء متزايد من احتياجاتها العسكرية. لذلك تكتسب الطائرة المسيّرة الجديدة أهمية تتجاوز مواصفاتها التقنية، لأنها تمثل نموذجاً لاتجاه استراتيجي يربط بين الأمن القومي والتنمية الصناعية والأهداف الاقتصادية المرتبطة برؤية 2030.
هناك بعد آخر لا يقل أهمية يتعلق بطبيعة البيئة الأمنية الإقليمية. فالشرق الأوسط يدخل مرحلة تتراجع فيها الفواصل التقليدية بين القوى الكبرى والقوى المتوسطة من حيث القدرة على التأثير العسكري. انتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والتقنيات منخفضة الكلفة يتيح لعدد أكبر من اللاعبين امتلاك أدوات ردع وهجوم كانت حكراً على الدول ذات الميزانيات العسكرية الضخمة. وهذا التطور يدفع دول الخليج إلى توسيع خياراتها العسكرية وعدم الاكتفاء بمنظومات الدفاع التقليدية.
كما يعكس هذا المسار تراجع الرهان المطلق على المظلة الأمنية الخارجية. فالتقلبات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية دفعت عدداً من العواصم الخليجية إلى تعزيز قدراتها الذاتية تحسباً لأي تغييرات في أولويات القوى الدولية أو مستويات انخراطها العسكري في المنطقة. ومن هذا المنظور تصبح الصناعات الدفاعية المحلية جزءاً من استراتيجية الاستقلال النسبي في المجال الأمني.
الأهمية الحقيقية لهذا التحول تكمن في أنه يمثل اعترافاً ضمنياً بتغير طبيعة الحروب الحديثة. فالتجربة الإيرانية، بغض النظر عن المواقف السياسية منها، نجحت في فرض نفسها كموضوع للدراسة والتقييم من جانب خصومها. وعندما تبدأ دولة بحجم السعودية في تبني بعض الأدوات التي أثبتت فعاليتها لدى منافس إقليمي، فإن ذلك يعكس إدراكاً بأن ميزان القوة في القرن الحادي والعشرين لم يعد يخضع حصراً لمنطق التفوق التكنولوجي، وإنما يتأثر أيضاً بعوامل الكلفة والمرونة والقدرة على الإنتاج الكمي والاستنزاف طويل الأمد.
بالتالي، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من المنافسة العسكرية، مرحلة تتجاور فيها الطائرات الشبحية ومنظومات الدفاع المتطورة مع أسراب الطائرات المسيّرة الرخيصة والتي استثمرتها إيران في حروبها اضافة لمحور المقاومة بشكل لافت، استطاعت خلاله ارساء معادلات يصعب تجاوزها. وهي معادلة قد تعيد رسم مفاهيم الردع والتوازن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
الكاتب: غرفة التحرير