شهدت الجبهة اللبنانية يوم الأحد 31 أيار/مايو 2026 تصعيداً ملحوظاً في وتيرة المواجهات الميدانية بين المقاومة وقوات الاحتلال الإسرائيلي، في ظل استمرار محاولات العدو تثبيت موطئ قدم في بعض المناطق الحدودية، مقابل تكثيف المقاومة لعمليات الاستنزاف واستهداف القوات المتوغلة وآلياظزتها العسكرية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المقاومة واصلت فرض معادلة الاستنزاف التكتيكي على قوات الاحتلال، معتمدة على مزيج من العمليات البرية والصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة الانقضاضية، في حين لجأ العدو إلى تكثيف غاراته الجوية وقصفه المدفعي على القرى والبلدات الجنوبية، في محاولة لتأمين قواته البرية وقطع خطوط الإمداد وإحداث ضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة.
ميدانياً، نفذت المقاومة إحدى وعشرين عملية عسكرية توزعت بين استهداف تجمعات الجنود والآليات العسكرية والقواعد والمواقع المستحدثة، إلى جانب قصف أهداف في عمق الأراضي المحتلة. وبرز خلال هذه العمليات التركيز على استهداف المدرعات الإسرائيلية الثقيلة، حيث تعرضت دبابات ميركافا وآليات نميرا لعدة ضربات مباشرة في محوري البياضة ودبل، ما يعكس استمرار فاعلية الأسلحة الموجهة والطائرات الانقضاضية في مواجهة القوات البرية المتقدمة.
كما شكلت منطقة قلعة الشقيف محوراً أساسياً للمواجهات خلال اليوم. فبعد محاولة قوات الاحتلال استثمار السيطرة على المنطقة بوصفها إنجازاً معنوياً وإعلامياً، بادرت المقاومة إلى تنفيذ سلسلة من العمليات المركزة ضد القوات والآليات المنتشرة في محيط القلعة. وشملت الهجمات استهداف آليات قيادية من نوع هامر، وتجمعات للجنود، وقوة متحصنة داخل أحد المنازل، إضافة إلى ضرب تجهيزات عسكرية ورادارات تشويش، ما أدى إلى تحويل الموقع إلى ساحة استنزاف مستمرة وأفقد الاحتلال القدرة على استثمار وجوده فيه سياسياً أو عسكرياً.
وفي موازاة الاشتباك الميداني، استمرت المقاومة في استهداف مواقع وبنى تحتية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصولاً إلى مناطق شمال حيفا والكريوت وصفد وطبريا ونهاريا وبيت هيلل، في إطار سياسة الضغط المتواصل على الجبهة الداخلية الإسرائيلية ومنع تحقيق حالة من الاستقرار الأمني خلف خطوط القتال.
في المقابل، اعتمد الاحتلال على قوة نارية كبيرة لتأمين تحركاته البرية. وسجلت الساحة اللبنانية خلال اليوم نحو تسع وتسعين غارة جوية، تركز القسم الأكبر منها في أقضية النبطية وصور وبنت جبيل. كما شهدت الأجواء اللبنانية نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة، حيث سُجل مئات الخروقات الجوية وعشرات الطلعات الاستطلاعية والهجومية، في مؤشر واضح على سعي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لتعويض النقص الاستخباري عبر المراقبة الجوية المستمرة.
وتعرضت العديد من البلدات الجنوبية لقصف مدفعي وجوي متواصل، لا سيما دبين وكفرتبنيت ودير الزهراني ومجدل زون والنبطية، إضافة إلى مناطق أخرى في عمق الجنوب. وتزامن ذلك مع محاولات إسرائيلية لتثبيت نقاط ارتكاز في البياضة ودبل ومارون الراس وقلعة الشقيف ودبين، إلا أن هذه المحاولات واجهت مقاومة كثيفة وضغطاً نارياً متواصلاً حدّ من قدرة القوات المتوغلة على المناورة أو التمركز المستقر.
ومن أبرز التطورات التي ميزت أداء المقاومة خلال هذا اليوم الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة الانقضاضية المزودة بقدرات رؤية ليلية. وقد أتاح هذا التطور للمقاومة مواصلة عملياتها خلال ساعات الليل بالفعالية نفسها التي تعمل بها نهاراً، الأمر الذي حرم قوات الاحتلال من الاستفادة من عامل الظلام في إعادة الانتشار والتحرك وإعادة التموضع.
ويشير هذا التطور إلى انتقال المقاومة إلى مرحلة أكثر تقدماً من عمليات الاستهداف المستدام للقوات المتحصنة، حيث باتت مواقع الاحتلال مكشوفة للمتابعة والاستهداف على مدار الساعة، ما يضاعف الضغط النفسي والعملياتي على الجنود والقادة الميدانيين.
في المقابل، أظهرت المعارك أن الاحتلال لا يزال يعتمد على تكتيك التقدم تحت غطاء جوي كثيف، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في حماية قواته بمجرد تثبيت مواقعها أو تمركزها. كما أن الاعتماد المفرط على القوة الجوية لم ينجح في منع الكمائن المضادة للدروع أو إحباط هجمات المسيّرات الانقضاضية، بل غالباً ما جاء التدخل الجوي بعد وقوع الخسائر بهدف تأمين عمليات الإخلاء وسحب الآليات المتضررة.
وعلى المستوى المعنوي، أثارت السيطرة الإسرائيلية على قلعة الشقيف انتقادات داخل الأوساط الإعلامية والعسكرية الإسرائيلية نفسها، إذ اعتبر عدد من المعلقين والخبراء أن ما جرى يندرج في إطار البحث عن صورة دعائية أكثر منه إنجازاً عسكرياً حقيقياً، خصوصاً بعدما تحولت المنطقة إلى هدف دائم لهجمات المقاومة. كما برزت مخاوف إسرائيلية متزايدة من تأثير الطائرات الانقضاضية المزودة بتقنيات الرؤية الليلية، والتي اعتُبرت تحدياً جديداً يهدد حرية حركة القوات البرية خلال ساعات الليل.
وبصورة عامة، يمكن القول إن أحداث هذا اليوم عكست استمرار المأزق الذي تواجهه القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني. فعلى الرغم من كثافة القصف الجوي وحجم النشاط العسكري الكبير، لم تتمكن قوات الاحتلال من تحقيق إنجاز ميداني مستقر أو فرض وقائع جديدة على الأرض. في المقابل، نجحت المقاومة في الحفاظ على وتيرة عملياتها، واستمرت في استهداف القوات المتوغلة ومواقعها العسكرية، مع مواصلة الضغط على عمق الكيان الإسرائيلي عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتشير المؤشرات الميدانية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التصعيد، مع استمرار الاحتلال في الاعتماد على القصف الجوي المكثف لتعويض تعثره البري، مقابل توجه المقاومة إلى توسيع استخدام الطائرات الانقضاضية والكمائن الموجهة ضد القوات والآليات الإسرائيلية، بما يرسخ معادلة الاستنزاف ويحول مناطق التوغل إلى ساحات استنزاف مفتوحة.
الكاتب: غرفة التحرير