الجمعة 29 أيار , 2026 02:27

جيش بلا أفق: التوتر البنيوي في منظومة القرار الإسرائيلي

نتنياهو وزامير

تكشف التطورات الأخيرة عن تصاعد حاد في التوتر بين المستويين السياسي والعسكري في الكيان المؤقت، إذ انتقلت العلاقة بينهما من دائرة التنسيق التقليدي إلى حالة من التباين البنيوي العميق في تقدير المواقف وإدارة الحرب. فبعد أن ظلّ الإجماع الأمني ركيزةً راسخة قامت عليها منظومة القرار الإسرائيلي لعقود، بات هذا الإجماع اليوم يتآكل تدريجياً تحت وطأة حرب ممتدة متعددة الجبهات، أفرزت تحديات غير مسبوقة تعجز عنها المقاربات التقليدية.

يقع في صلب هذا الخلاف سؤال مركزي يتعلق بما يمكن أن تحققه القوة العسكرية فعلياً. فبينما يواصل المستوى السياسي تبنّي خطاب الحسم ونزع سلاح حزب الله، تذهب التقييمات العسكرية إلى التشكيك في واقعية هذه الأهداف وقابليتها للتطبيق. وقد جاهر بذلك اللواء الاحتياط تامير هايمان حين وصف هدف "تفكيك حزب الله" بأنه غاية مستحيلة، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية باتت تُقرّ بأن أولويتها الأولى هي إعادة الجنود إلى بيوتهم بسلام لا تحقيق حسم استراتيجي. وهكذا تحوّل النقاش من خلاف حول الأداء إلى صراع حول تعريف النصر ذاته، في حين تُقرأ الحرب داخل قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية على أنها استنزاف بلا أفق سياسي واضح.

وتتمثل إحدى أشد نقاط التوتر حساسيةً في أزمة القوى البشرية التي باتت تُهدد الجاهزية العملياتية للجيش. فقد أعلن رئيس الأركان إيال زامير صراحةً عن نقص يبلغ نحو اثني عشر ألف جندي، مُطلقاً ما وصفه بـ"عشرة إنذارات" تحذيراً من انهيار القدرة البشرية. وتكمن الفجوة الكبرى في أن المصدر الوحيد القادر على سد هذا النقص هو شريحة الحريديم التي يبلغ عدد المتهربين منها من التجنيد قرابة مئة ألف شخص، غير أن المستوى السياسي يعجز عن إقرار قانون تجنيد فعّال خشية تفكّك الائتلاف الحكومي. وقد أفضى هذا التناقض إلى سجال علني حاد؛ إذ اتهم وزير المالية سموتريتش المؤسسة العسكرية بتوظيف الضرورات الأمنية للترويج لأجندة تقوم على "تقاسم الأعباء بالتساوي"، وهو ما عكس بوضوح مدى اتساع الشرخ بين منطق الحرب ومنطق السياسة.

ولا يقل عن ذلك حدةً التناقض المتفاقم بين التوسع الاستيطاني المتسارع وحدود القدرة العسكرية. فقد صادق الكابينت على إقامة أكثر من مئة مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، في حين يحذر الجيش من أن الانتشار المطلوب لحماية هذه المواقع يتجاوز إمكاناته البشرية في ظل الجبهات المفتوحة. وقد طلب رئيس الأركان تأجيل تنفيذ قرارات التوسع حتى تتوفر الترتيبات الأمنية اللازمة، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، ما كشف أن الحكومة تنظر إلى الحرب بوصفها فرصة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية، فيما يرى الجيش أن تعدد الجبهات يجعله عاجزاً عن تحمّل هذه الأعباء الإضافية.

أما على الجبهة اللبنانية، فتواجه المؤسسة العسكرية أزمة أعمق من مجرد خسائر ميدانية، تتمثل في فقدان الفعالية أمام نمط القتال الذي يفرضه حزب الله. إذ باتت "المحلّقات الانقضاضية" التي يشغّلها الحزب بالألياف البصرية المصدرَ الرئيسي للإصابات في صفوف الجيش، وسط عجز تام عن إيجاد حلول تكنولوجية لمواجهتها. وقد وصف الضابط الاحتياط حانوخ داوبا الواقع الميداني بأنه "إعادة إنتاج" لمرحلة ما قبل الانسحاب من جنوب لبنان عام ألفين، حين تحوّلت القوات إلى "بطّ في حقل رماية"، مضيفاً بلهجة نقدية لاذعة أن الاستمرار في الاعتماد على أسلوبَي التطهير وتدمير المنازل بعد سنوات من القتال يُعدّ "مذمة مهنية ومؤسساتية".

وفي سياق تصاعد هذه التوترات، انتقل الخلاف إلى المواجهة شبه العلنية، متجلياً في ظاهرة بالغة الخطورة تتمثل في تحوّل المؤسسة العسكرية إلى هدف للتحريض السياسي المنظّم. فقد وصفت هتافات المتظاهرين أمام منزل رئيس الأركان زامير بأنه "خائن وعدو إسرائيل"، في حين جاء رد الفعل الحكومي خافتاً أو معدوماً. واستنكر رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت هذا الصمت بعبارات قاطعة معتبراً إياه "دعماً ضمنياً للتشويه"، فيما رأى نفتالي بينيت أن الحكومة تسعى إلى إضعاف المؤسسة العسكرية من خلال ترويجها لقانون التهرب من التجنيد ومهاجمة قيادة الجيش.

خلاصة القول إن ما تشهده المؤسستان السياسية والعسكرية في الكيان المؤقت ليس خلافاً تكتيكياً عابراً، بل أزمة بنيوية تعيد تعريف طبيعة العلاقة بينهما. وإن كانت المعطيات لا تشير حتى الآن إلى قطيعة كاملة، إذ لا يزال الجيش يؤكد التزامه بمبدأ الخضوع للقيادة السياسية، فإن تراجع الإجماع الأمني التاريخي يُنذر بتحولات عميقة في بنية التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، في مرحلة تبدو فيها التناقضات الداخلية أشد تعقيداً من أي وقت مضى.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور