الثلاثاء 26 أيار , 2026 03:55

بعد فشل الحسم مع إيران… ترامب يعود إلى بوابة التطبيع

اتفاقات "أبراهام" بين الإمارات والاحتلال

لم تنتهِ الحرب مع إيران كما أرادها دونالد ترامب: لا انهيار للنظام الإيراني، ولا استسلام سياسي، ولا ولادة لشرق أوسط جديد بفعل النار الأميركية. فبعد أشهر من التصعيد، وجدت واشنطن نفسها أمام مشهد مختلف تمامًا؛ إيران ما زالت قادرة على الضغط بورقتها الرابحة عبر مضيق هرمز ، والحلفاء الخليجيون يعيشون قلقًا متزايدًا من تداعيات الحرب، فيما تحوّل “النصر السريع” الذي بشّر به ترامب إلى حرب استنزاف سياسية واقتصادية وعسكرية. عند هذه النقطة تحديدًا، عاد الرئيس الأميركي إلى الورقة التي يجيد تسويقها: التطبيع.
لكن العودة إلى “اتفاقيات أبراهام” هذه المرة لا تبدو مشروعًا نابعًا من قوة، بل محاولة لإعادة تدوير التعثر العسكري إلى إنجاز سياسي. فترامب، الذي دخل الحرب تحت عنوان “إخضاع إيران”، يحاول اليوم إعادة تقديم نفسه كصانع سلام يعيد رسم المنطقة عبر التحالفات والاتفاقات بدل الحروب المفتوحة.
صحيفة “وول ستريت جورنال” كشفت أن ترامب يسعى لتحويل أي تفاهم محدود مع إيران حول وقف النار وفتح مضيق هرمز إلى “قصة نجاح إقليمية” أوسع، عبر دفع السعودية وقطر ومصر وتركيا والأردن وباكستان نحو مسار التطبيع مع “إسرائيل”. ووفق الصحيفة، فإن هذا الطرح جاء بعدما تصاعدت المخاوف داخل الحزب الجمهوري من أن يبدو ترامب وكأنه تراجع أمام إيران بعد حرب لم تحقق أهدافها الحاسمة.
أما CNN فرأت أن ترامب يحاول القفز فوق واقع إقليمي جديد تشكل بعد الحرب، معتبرة أن فكرة توسيع اتفاقيات أبراهام، بل وحتى الحديث عن احتمال انضمام إيران إليها مستقبلًا، تبدو أقرب إلى “الخيال السياسي”. فالشبكة اعتبرت أن الإدارة الأميركية تتصرف وكأن المنطقة ما زالت تعيش ظروف عام 2020، بينما الحقيقة أن حرب غزة والتصعيد مع إيران ولبنان غيّرت البيئة السياسية والشعبية بالكامل.
في العمق، يكشف هذا التحول حجم المأزق الأميركي. فالحرب التي كان يُفترض أن تُضعف إيران انتهت إلى تثبيت حقيقة معاكسة؛ لا يمكن تجاوز طهران في أي معادلة تخص أمن المنطقة أو الطاقة أو الملاحة البحرية. حتى المفاوضات المطروحة اليوم لا تقوم على استسلام إيراني، بل على تفاهمات تشمل "إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الحصار الأميركي والعقوبات"، وهو ما أثار غضب الجمهوريين المتشددين الذين رأوا في أي اتفاق شبيهًا بالعودة غير المباشرة إلى الاتفاق النووي الذي مزقه ترامب بنفسه في ولايته الأولى.
لهذا، بدا التطبيع بالنسبة لترامب أشبه بمحاولة تعويض سياسي. فهو يحتاج إلى إنجاز يستطيع تسويقه داخليًا بعدما اهتزت صورة “الرئيس الحاسم” الذي وعد بحسم سريع للحرب. ومن هنا، عاد للحديث عن “الشرق الأوسط الجديد” واتفاقيات أبراهام بوصفها المخرج الذي يمنح الحرب معنى سياسيًا بعد تعثرها ميدانيًا.
لكن هذه المقاربة تبدو محكومة بالفشل منذ بدايتها.
أولًا، لأن البيئة الشعبية والسياسية العربية تبدلت جذريًا بعد حرب غزة. فـ”إسرائيل” التي حاولت واشنطن تسويقها سابقًا كشريك اقتصادي وأمني، باتت اليوم تُنظر إليها في المنطقة كعامل فوضى وتصعيد مستمر، خصوصًا بعد الحرب على غزة والحرب في لبنان والاعتداءات المستمرة في الضفة الغربية.
ثانيًا، لأن دول الخليج نفسها لم تعد ترى الأولوية في التطبيع، بل في احتواء الانفجار الإقليمي. فالحرب الأخيرة أظهرت أن أي مواجهة واسعة مع إيران ستضع هذه الدول مباشرة في دائرة الاستهداف، وهو ما دفع العديد من العواصم الخليجية إلى التفكير بمنطق التهدئة لا التحالفات الاستفزازية.
حتى السعودية، التي تعتبر الجائزة الكبرى في مشروع التطبيع الأميركي، أعادت التأكيد أن أي اتفاق مع “إسرائيل” يبقى مشروطًا بمسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو شرط يبدو أبعد من أي وقت مضى مع حكومة نتنياهو الحالية.
أما قطر، فقد نقلت الصحف الأميركية عن مسؤولين فيها أن الدوحة لا تملك أي خطط للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام حاليًا، وأن أي انفتاح على “إسرائيل” سيبقى مرتبطًا بحل القضية الفلسطينية.
والأهم من ذلك أن الحرب نفسها أضعفت صورة النفوذ الأميركي في المنطقة. فبدل أن تخرج واشنطن بمشهد الهيمنة المطلقة، ظهرت عاجزة عن فرض حسم عسكري أو سياسي كامل، فيما بدت إيران قادرة على الصمود وفرض شروط تفاوضية معقدة. ولهذا، تبدو محاولة ترامب اليوم وكأنها محاولة للهروب من نتائج الحرب عبر صناعة مخرج جديد أقل كلفة.
لكن المشكلة أن الشرق الأوسط بعد حرب إيران لم يعد يشبه الشرق الأوسط الذي وُلدت فيه اتفاقيات أبراهام قبل سنوات. فالحرب عمّقت الشكوك تجاه واشنطن و”إسرائيل”، وجعلت فكرة التطبيع الشامل تبدو أبعد من أي وقت مضى.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور