في اللحظات المفصلية من التاريخ، لا تكمن أهمية الأحداث في نتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل في قدرتها على إعادة تعريف موازين القوة، وكشف حدود الهيمنة، وتحطيم الأساطير التي تحاول الإمبراطوريات بناءها حول نفسها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى عيد المقاومة والتحرير في لبنان باعتباره مجرد ذكرى وطنية مرتبطة بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، بل باعتباره حدثاً تاريخياً مستمراً، ما تزال ارتداداته السياسية والاستراتيجية تتفاعل حتى اليوم، وربما بصورة أكثر عمقاً وخطورة في عام 2026.
ففي عام 2000، كان العالم يعيش ذروة الأحادية القطبية الأميركية. الاتحاد السوفياتي انهار قبل سنوات قليلة، والولايات المتحدة كانت تتصرف بوصفها القوة التي لا تُهزم، والقادرة على إعادة تشكيل العالم وفق مصالحها. في تلك اللحظة تحديداً، جاء الانسحاب "الإسرائيلي" من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة ليشكل أول تصدع حقيقي في صورة "الهيمنة المطلقة" التي حاولت واشنطن و"تل أبيب" تكريسها في الشرق الأوسط.
لم يكن الحدث فقط انسحاب عسكري. لقد كان انهياراً لنموذج كامل من السيطرة. فـ"إسرائيل"، التي قُدمت لعقود باعتبارها الذراع العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة، اضطرت إلى الانسحاب من دون اتفاق سلام، ومن دون ضمانات، ومن دون تحقيق أهدافها السياسية. وهذا تحديداً ما جعل تجربة التحرير اللبنانية حدثاً بالغ الخطورة بالنسبة للمنظومة الأميركية _"الإسرائيلية"، لأنها أثبتت أن التفوق العسكري لا يكفي دائماً لإخضاع الشعوب، وأن القوة قد تتحول إلى عبء عندما تواجه إرادة سياسية وتنظيماً قادراً على خوض حرب استنزاف طويلة النفس.
اليوم، وبعد ستة وعشرين عاماً على التحرير، يعود الجنوب اللبناني ليحتل موقعاً مركزياً في الصراع الإقليمي، ولكن ضمن سياق أكثر تعقيداً واتساعاً. فالحرب الدائرة منذ عام 2023 لم تعد مجرد مواجهة حدودية بين حزب الله و"إسرائيل"، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع يتعلق بمستقبل المنطقة نفسها: هل ستنجح "إسرائيل" في فرض نموذج الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط، أم أن محور المقاومة سيتمكن من منع هذا التحول؟
هذا السؤال يفسر إلى حد بعيد طبيعة الحرب الحالية. فمنذ بداية التصعيد الأخير، سادت في الأوساط "الإسرائيلية" والغربية قناعة بأن حزب الله دخل مرحلة تراجع استراتيجي. وقد بُني هذا التقدير على جملة من المعطيات: الضربات العسكرية التي تلقاها الحزب، التغيرات الإقليمية، "سقوط النظام السوري"، الضغط الاقتصادي الهائل على لبنان، ومحاولات إعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية بما يضعف شرعية المقاومة.
بناءً على هذه القراءة، اعتقدت "إسرائيل" أن الظروف باتت مؤاتية لإعادة إنتاج نموذج "الشريط الحدودي"، ولكن هذه المرة بصيغة أكثر عنفاً واستدامة، تقوم على الاحتلال المباشر، وتهجير السكان، وتحويل الجنوب إلى منطقة معزولة تخضع للهيمنة العسكرية "الإسرائيلية".
غير أن المشكلة الجوهرية التي تواجهها القوى الإمبراطورية دائماً تكمن في أنها تقع أسيرة أوهام القوة. فهي تفترض أن امتلاك التكنولوجيا والتفوق العسكري يمنحها القدرة على التحكم بالمجتمعات وإخضاعها. لكن التاريخ يُظهر باستمرار أن المجتمعات الواقعة تحت الاحتلال تطور أشكالاً جديدة من المقاومة كلما اعتقد المحتل أنه اقترب من الحسم.
وهذا تحديداً ما حدث في الجنوب اللبناني. فالعمليات التي نفذتها المقاومة خلال الأشهر الماضية، خصوصاً باستخدام الطائرات المسيّرة و"المسيرات الانقضاضية" والأساليب القتالية الجديدة، لم تكن فقط عمليات تكتيكية محدودة، بل كانت تهدف إلى إعادة إدخال "عامل الكلفة" إلى الحسابات "الإسرائيلية". وهذه نقطة جوهرية غالباً ما تتجاهلها التحليلات التقليدية للحروب.
في الحروب اللامتماثلة، لا يحتاج الطرف "الأضعف" إلى تحقيق نصر عسكري شامل. يكفيه أن يمنع الطرف "الأقوى" من تحويل تفوقه العسكري إلى واقع سياسي دائم. وهذا ما يجعل حرب الاستنزاف أداة شديدة الفعالية في مواجهة مشاريع الهيمنة.
خلال احتلال الجنوب في الثمانينيات والتسعينيات، لعبت العبوات الناسفة دوراً مركزياً في إنهاك الجيش الإسرائيلي وتحويل وجوده العسكري إلى عبء داخلي متزايد. أما اليوم، فإن المسيّرات الانقضاضية تؤدي وظيفة مشابهة، ولكن ضمن بيئة تكنولوجية وإعلامية مختلفة بالكامل. فالمقاومة لا تكتفي بإيقاع الخسائر، بل تعمل أيضاً على توثيقها ونشرها، ما يحرم المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" من القدرة على التحكم بالرواية الإعلامية وإخفاء حجم الاستنزاف الحقيقي.
وهنا تحديداً تكمن الأزمة "الإسرائيلية" الحالية. فالمشكلة ليست في الخسائر العسكرية وحدها، بل في التآكل التدريجي لصورة الردع. فالدولة التي بنت شرعيتها الإقليمية على فكرة "الجيش الذي لا يُقهر"، تجد نفسها مرة أخرى أمام خصم قادر على تعطيل أهدافها الاستراتيجية، حتى لو لم يمتلك تفوقاً عسكرياً تقليدياً.
ولهذا السبب، لا يمكن فهم الحرب في جنوب لبنان بمعزل عن المفاوضات الإقليمية والدولية الجارية. فلبنان لم يعد فقط ساحة جانبية، بل تحول إلى عنصر مؤثر في إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط. إن قدرة المقاومة على منع "إسرائيل" من تحقيق حسم واضح تعني عملياً تقييد المشروع "الإسرائيلي" الأوسع، القائم على فرض واقع إقليمي جديد بالقوة العسكرية.
وفي هذا السياق، تصبح العمليات العسكرية في الجنوب جزءاً من معادلة تفاوضية أكبر تشمل إيران والولايات المتحدة وترتيبات الإقليم بأكمله. فكلما ارتفعت كلفة الحرب بالنسبة لـ"إسرائيل"، تراجعت قدرتها على فرض شروطها السياسية، وتقلص هامش المناورة أمام المشروع الأميركي في المنطقة.
لكن ما يجعل هذه اللحظة أكثر حساسية ليس الجانب العسكري فقط، بل المعركة الموازية الدائرة على الوعي والذاكرة.
ففي كل تجربة تحرر تاريخية، تحاول القوى المهيمنة إعادة كتابة الرواية بطريقة تُفرغ المقاومة من معناها. وهذا ما يحدث اليوم في لبنان. هناك محاولة منظمة لإقناع اللبنانيين بأن المقاومة لم تعد تمثل مشروعاً للتحرر، بل عبئاً يجب التخلص منه. ويجري التركيز بصورة مكثفة على "كلفة المقاومة"، مع تجاهل حقيقة أساسية: أن الاحتلال نفسه هو المصدر الرئيسي للعنف والدمار.
هذا المنطق ليس جديداً. لقد استُخدم في كل التجارب الاستعمارية تقريباً. ففي فرنسا، وُصفت المقاومة ضد النازية بالإرهاب والخيانة. وفي الجزائر، اعتُبر المقاومون مجرد "مخرّبين"، وفي فلسطين، ما تزال اللغة نفسها تُستخدم حتى اليوم لتجريم أي شكل من أشكال المقاومة، حتي المتعاطفين مع غزة في الدول الغربية يصنفون بالأرهاب ومعاداة "السامية".
الهدف من هذا الخطاب واضح: تحويل الضحية إلى متهم، وإعادة تعريف الاستسلام باعتباره "عقلانية سياسية". لكن المشكلة في هذا الطرح أنه يتجاهل سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث عندما تستسلم الشعوب لمشاريع الهيمنة؟ هل يؤدي ذلك فعلاً إلى الاستقرار والازدهار، أم إلى تكريس السيطرة الدائمة والتبعية السياسية؟
التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن القوى المهيمنة لا تتوقف عند حدود معينة عندما لا تواجه مقاومة فعلية. وهذا ما يفسر الإصرار "الإسرائيلي" المتزايد على إعادة تشكيل المنطقة بالقوة منذ 7 أكتوبر، ومحاولة فرض نموذج جديد يقوم على إخضاع كل مراكز الرفض في الشرق الأوسط.
من هنا، يكتسب عيد المقاومة والتحرير في عام 2026 معنى يتجاوز البعد اللبناني الضيق، إنه لم يعد فقط احتفال بذكرى تحرير أرض محتلة، بل تحول إلى رمز لصراع أوسع يتعلق بمستقبل المنطقة: هل تبقى الشعوب قادرة على مقاومة مشاريع السيطرة، أم أن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة جديدة من الهيمنة المطلقة؟
لهذا السبب، تبدو المعركة الحقيقية اليوم معركة على المعنى بقدر ما هي معركة على الأرض؛ فإلغاء رمزية التحرير يعني عملياً إلغاء فكرة أن المقاومة قادرة على إنتاج تغيير تاريخي، أما التمسك بهذه الذكرى، فهو تأكيد أن ما حدث عام 2000 لم يكن حادثة هامشية، بل لحظة كشفت حدود القوة "الإسرائيلية" والأميركية، وفتحت الباب أمام احتمال تاريخي ما يزال قائماً حتى اليوم: أن الهيمنة ليست قدراً، وأن الشعوب، مهما بدا ميزان القوى مختلاً، قادرة على فرض معادلات جديدة عندما تمتلك الإرادة والتنظيم والقدرة على الصمود.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]