يواجه الكيان الصهيوني على جبهته الشمالية أزمةً مركّبة تتجاوز حدود الحسابات الميدانية المباشرة، لتعري خللاً بنيوياً في منظومة التقدير والاستشراف. فقبيل اندلاع المواجهة الراهنة، كانت التقديرات الإسرائيلية تصوّر المقاومة في لبنان على أنها "مردوعة"، وأن ضرباتها المتراكمة قد أحدثت تآكلاً حقيقياً في قدراتها الهيكلية والعسكرية. غير أن الوقائع على الأرض جاءت لتقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، وتفرض مشهداً مغايراً تماماً لما رسمته أجهزة الاستخبارات والتحليل الإسرائيلية.
وقد اتضحت هذه الهوّة بجلاء حين دخل لبنان والكيان الإسرائيلي في ما سُمّي سياسياً ودبلوماسياً بـ"الهدنة"، إذ وظّف جيش الاحتلال هذا المسمى غطاءً تكتيكياً للمناورة، مواصلاً عمليات التوغل البري ومحاولات فرض السيطرة على الأرض دون أن يلتزم بضوابط هذا الإطار. بيد أن هذا الاندفاع العسكري اصطدم بجدار صلب من المقاومة، التي أثبتت قدرتها على استنزاف تشكيلات النخبة وتكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، مما حال دون تحقيق أي استقرار ميداني أو حسم سياسي.
أمام هذا الاستعصاء، لجأ قطاع من الإعلاميين والمحللين الإسرائيليين إلى رواية بديلة تُحمّل التقييدات والتحذيرات الأمريكية مسؤولية الإخفاق، ولا سيما الحظر المفروض على استهداف بيروت. وهذه الرواية في جوهرها ليست سوى بروباغندا تهدف إلى التملص من الاعتراف بفشل عقيدة الحسم العسكري، عبر القفز فوق الحقائق الميدانية وتجاهل تكتيكات المقاومة المتجددة كحرب المسيّرات وأساليب حرب العصابات.
أولاً: الانتقاد الحاد للاستراتيجية الدفاعية
يتقاطع المحللون والمسؤولون السابقون حول نقطة مركزية واحدة، مفادها أن الاستجابة الإسرائيلية لتهديدات حزب الله ظلت رهينة إطار دفاعي تكتيكي يستنزف الموارد والروح المعنوية معاً. وتتصاعد المطالبات بضرورة تغيير قواعد الاشتباك عبر نقل المعركة إلى عمق العدو، وتحديداً باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لفرض ردع استراتيجي حقيقي. فقد رأى بعض المحللين أن "إسرائيل" تبدو وكأنها تُجَرّ مرة أخرى إلى إدارة صراع تكتيكي وموضعي يُفقدها القدرة على الحسم، مطالبين بمعادلة صريحة: كل مسيّرة تُطلق تقابلها ضربة فورية في الضاحية. وذهب آخرون من المعاهد الأمنية إلى أن الاغتيالات المركّزة وحدها لن تُحدث الأثر الرادع المطلوب دون تدمير مادي يطال مراكز الثقل السياسي والاجتماعي لحزب الله.
ثانياً: معضلة حرب المسيّرات والاستنزاف البشري
تشكّل الطائرات المسيّرة، ولا سيما تلك الموجهة بالألياف البصرية، إحدى أعقد المعضلات التي يواجهها الجيش الإسرائيلي في لبنان. فوفق تقييمات المؤسسة العسكرية ذاتها، تصل نسبة تقييد هذه الهجمات لحركة القوات إلى 80%، في ظل نقص واضح في الوسائل المضادة داخل الوحدات القتالية. وهذا التهديد المتصاعد لا يزال يُكبّد القوات المنتشرة في لبنان خسائر فادحة، ويُثير تساؤلات جدية حول جدوى الاستمرار في المنطقة الأمنية الجديدة وقدرة الجيش على تحمّل هذا النزيف على المدى البعيد.
ثالثاً: "الهدنة النشطة" والغطاء الأمريكي للعمليات
يكشف اتجاه ثالث في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي عن طبيعة التنسيق الضمني بين تل أبيب وواشنطن. فبينما تُسوَّق "الهدنة" في الفضاء السياسي والدبلوماسي كإطار لوقف الأعمال القتالية، يحظى الجيش الإسرائيلي ميدانياً بضوء أخضر لمواصلة عملياته تحت مسمى "الهدنة النشطة". وقد كُشف عن هذه المعادلة المزدوجة بصراحة لافتة في بعض الكتابات الإسرائيلية، إذ وُصفت بـ"الكذب من أجل السلام"؛ فإعلان تمديد وقف إطلاق النار يعني عملياً منح "إسرائيل" خمسة وأربعين يوماً إضافية لمواصلة عملياتها، ليكون هذا الإعلان بمثابة "الختم الأمريكي" على الطريقة الإسرائيلية في إدارة الصراع.
رابعاً: تحوّل حزب الله وغياب الحل العسكري الشامل
تكشف التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية عن تحول لافت في أسلوب قتال حزب الله، إذ باتت وحداته تعمل ضمن خلايا صغيرة متفرقة تتحرك بمرونة بين قرى الجنوب اللبناني، مستعيضةً عن العمليات المنظمة الكبرى باستثمار الفرص الميدانية الآنية. وتتزايد القناعة لدى الأوساط الأمنية الإسرائيلية بأن الحل العسكري المطلق يبدو بعيد المنال، إذ أقرّت مصادر أمنية رفيعة بأن احتلال جنوب لبنان بالكامل لن يُفضي إلى القضاء على آخر مسيّرة أو آخر صاروخ لحزب الله. بل ذهب بعض المحللين الاستراتيجيين إلى أن السيطرة على كامل الأراضي حتى نهر الليطاني، حتى لو تحققت، لن تُفكك حزب الله ولن توقف النيران المنطلقة من شماله.
تكشف هذه الاتجاهات الأربعة مجتمعةً عن أزمة بنيوية عميقة: فالمقاومة تتكيّف وتبتكر، والجيش يتعثر ويستنزف، والخطاب الإعلامي يبحث عن مبررات خارجية تُجمّل الإخفاق، فيما يتشكك المحللون أنفسهم من جدوى المسار العسكري المحض. وتبدو معادلة الحسم الإسرائيلية أمام اختبار وجودي حقيقي في مواجهة مقاومة أثبتت أنها أكثر عمقاً وصموداً مما قدّرته أجهزة الاستخبارات.
الكاتب: غرفة التحرير