الخميس 21 أيار , 2026 03:32

الصين وروسيا: شراكة استراتيجية أم بداية لنهاية الأحادية الأميركية؟

شي جين بينغ وبوتين

لم تعد العلاقة بين الصين وروسيا مجرّد تقارب سياسي هامشي فرضته ظروف دولية مؤقتة، ولا يمكن اختزالها في إطار التعاون الاقتصادي أو التنسيق الدبلوماسي التقليدي. ما يجري بين بكين وموسكو اليوم يبدو أقرب إلى إعادة صياغة تدريجية لمفهوم "علاقات القوى الكبرى" في النظام الدولي، وإلى محاولة متكاملة لبناء توازن عالمي جديد في مواجهة مرحلة طويلة من الهيمنة الأميركية الأحادية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي.

من بكين يبدأ التحول في ميزان القوة العالمي

وفي هذا السياق، تأتي الزيارة الخامسة والعشرون للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين منذ عام 2000، لتؤكد أن العلاقة بين البلدين تجاوزت منذ سنوات حدود البراغماتية السياسية المؤقتة، ودخلت مرحلة الشراكة الاستراتيجية العميقة التي تقوم على إدراك مشترك لطبيعة التحولات الدولية المقبلة، ولمستقبل النظام العالمي الذي يتشكل ببطء، ولكن بثبات.

اللافت في توقيت الزيارة أنّها جاءت بعد أيام قليلة فقط من مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العاصمة الصينية، وكأنّ بكين أرادت أن تبعث برسالة مزدوجة إلى العالم: الصين قادرة على إدارة علاقاتها مع واشنطن من جهة، وتعميق شراكتها مع موسكو من جهة أخرى، من دون أن تقع في فخ الاصطفافات الحادة أو الانزلاق إلى منطق الحرب الباردة التقليدية.

الصين بين إدارة التناقضات وكسر منطق المحاور

هذا السلوك يعكس جوهر الرؤية الصينية الجديدة للعلاقات الدولية؛ رؤية تقوم على إدارة التناقضات لا تفجيرها، وعلى بناء التوازنات لا صناعة المحاور المغلقة. فالصين تدرك أنّ موقعها كقوة عالمية صاعدة لا يمرّ عبر المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة فقط، بل عبر إعادة تشكيل البيئة الدولية بطريقة تجعل الأحادية الأميركية أقل قدرة على التحكم بمسارات السياسة والاقتصاد العالميين.

ولهذا، فإنّ العلاقة مع روسيا تكتسب بالنسبة إلى بكين أهمية استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. فروسيا ليست فقط قوة نووية كبرى أو شريكاً اقتصادياً مهماً، بل تمثل بالنسبة إلى الصين عمقاً استراتيجياً هائلاً في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة، وشريكاً قادراً على المساهمة في تفكيك منظومة الهيمنة الغربية التي سيطرت على العالم طوال العقود الثلاثة الماضية.

أما موسكو، فهي تنظر إلى الصين باعتبارها الشريك الأكثر أهمية في مرحلة إعادة التموضع الروسي شرقاً، خاصة بعد الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية الواسعة التي استهدفت الاقتصاد الروسي والنظام المالي الروسي. وقد أدرك الكرملين مبكراً أنّ القدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الغربية تتطلب بناء شراكات استراتيجية بديلة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضاً على المستوى الجيوسياسي والتكنولوجي والمالي.

"التنسيق" بدل "التحالف"… ولادة نموذج جديد للقوى الكبرى

ومن هنا يمكن فهم التحول الكبير الذي شهدته العلاقات بين البلدين منذ عام 2019، حين تم رفع مستوى العلاقة إلى "شراكة استراتيجية شاملة للتنسيق في العصر الجديد". فاختيار مفهوم "التنسيق" لم يكن تفصيلاً لغوياً هامشياً، بل تعبيراً دقيقاً عن طبيعة العلاقة الجديدة التي تقوم على مواءمة المواقف والرؤى في القضايا الدولية الكبرى، من دون الوصول إلى صيغة التحالف العسكري التقليدي.

بمعنى آخر، تسعى بكين وموسكو إلى تقديم نموذج مختلف للعلاقات بين القوى الكبرى؛ نموذج لا يقوم على الهيمنة أو التبعية أو فرض الإرادات، بل على المصالح المتبادلة واحترام الخصوصيات السياسية والسيادية لكل طرف. ولهذا تكرر الصين دائماً أنّ علاقتها مع روسيا "لا تستهدف طرفاً ثالثاً"، في محاولة لتقديم هذا التقارب باعتباره نموذجاً بديلاً عن التحالفات الغربية التقليدية.

لماذا تخشى واشنطن التقارب الروسي الصيني؟

لكن، عملياً، لا يمكن فصل هذا التقارب عن التحولات الكبرى في ميزان القوة العالمي. فالتنسيق الروسي الصيني، سواء في مجلس الأمن أو في منظمة شنغهاي للتعاون أو مجموعة بريكس أو حتى في الملفات الاقتصادية والمالية، يسهم تدريجياً في تقليص قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بإدارة النظام الدولي.

وهنا تحديداً تكمن حساسية هذه العلاقة بالنسبة إلى واشنطن. فالمشكلة الأميركية لا تتعلق فقط بصعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية، بل بقدرة الصين على بناء شبكة شراكات دولية واسعة تُضعف فعالية النظام الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.

الحرب على هيمنة الدولار تبدأ من الشرق

والأخطر من ذلك بالنسبة إلى الغرب، أنّ هذا التقارب لم يعد محصوراً في الملفات السياسية والأمنية، بل تمدّد إلى المجال الاقتصادي والمالي بشكل متسارع. فحجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 227 مليار دولار عام 2025، مع توسع التعاون في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة والممرات البحرية القطبية.

الأهم أنّ موسكو وبكين تمضيان بسرعة نحو تقليص الاعتماد على الدولار في التبادلات التجارية، عبر استخدام الروبل واليوان في التسويات المالية الثنائية. وهذه الخطوة تحمل أبعاداً استراتيجية عميقة، لأنّها تمثل تحدياً مباشراً لواحد من أهم مصادر النفوذ الأميركي العالمي: السيطرة على النظام المالي الدولي وهيمنة الدولار على التجارة العالمية.

صحيح أنّ الحديث عن نهاية وشيكة للدولار ما يزال مبالغاً فيه، لكنّ الاتجاه العام يشير بوضوح إلى أنّ العالم بدأ يدخل تدريجياً مرحلة "تفكيك الأحادية المالية"، خاصة مع تزايد استخدام العملات المحلية في التبادلات بين القوى الصاعدة.

وفي موازاة ذلك، تعمل الصين وروسيا على تعزيز البعد الحضاري والثقافي للعلاقة بينهما، إدراكاً منهما أنّ الصراعات الدولية لم تعد تقتصر على الاقتصاد والسلاح فقط، بل تشمل أيضاً النفوذ الثقافي وصناعة السرديات العالمية. ولهذا شهدت السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في التبادل الثقافي والتعليمي والسياحي بين البلدين، مع ارتفاع أعداد الطلاب والسياح وبرامج التعاون الأكاديمي.

لكن، رغم كل هذا التقارب، فإنّ العلاقة بين الصين وروسيا لا تخلو من التعقيدات. فهناك تفاوت واضح في القوة الاقتصادية بين الطرفين، كما أنّ لكل منهما حساباته الخاصة ومصالحه الوطنية المستقلة. الصين لا تريد الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب بسبب روسيا، وروسيا تدرك في المقابل أنّ تحوّلها إلى شريك تابع لبكين يحمل مخاطر استراتيجية طويلة المدى.

هل بدأ فعلاً عصر ما بعد الأحادية الأميركية؟

ومع ذلك، فإنّ ما يجمع الطرفين اليوم يبدو أكبر بكثير مما يفرقهما. فكلاهما يرى أنّ النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لم يعد قادراً على الاستمرار بصيغته الحالية، وكلاهما يسعى إلى بناء نظام عالمي أكثر تعددية، وأقل خضوعاً للهيمنة الغربية.

ولهذا، فإنّ السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الشراكة الصينية الروسية ستستمر، بل إلى أيّ مدى يمكن لهذا التقارب أن يسرّع التحول نحو عالم ما بعد الأحادية الأميركية.

حتى الآن، لا يبدو أنّ بكين وموسكو تسعيان إلى إسقاط النظام الدولي القائم بالكامل، بل إلى إعادة توازنه وإعادة توزيع القوة داخله. لكنّ التاريخ يُظهر دائماً أنّ التحولات الكبرى تبدأ تدريجياً، ثم تتراكم حتى تتحول إلى واقع جديد.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو الزيارة الخامسة والعشرون لبوتين إلى الصين أكثر من مجرد حدث دبلوماسي؛ إنّها مؤشر إضافي على أنّ العالم يدخل بالفعل مرحلة إعادة تشكيل كبرى، عنوانها الأبرز: تراجع الاحتكار الأميركي للقوة، وصعود نظام دولي أكثر تعقيداً وتعددية.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور