يعتبر هذا المقال، الذي نشرته مجلة "نيوزويك – Newsweek" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، انه بعد ما يقارب 3 أشهر على العدوان الصهيوأمريكي ضد إيران، ونحو 5 أسابيع منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار على الجمهورية الإسلامية في إيران، تبدو طهران المتحدّية بعيدة عن إظهار أي مؤشرات على التراجع أمام تهديدات البيت الأبيض النارية. ويرى المقال بأن الصراع يظهر تفوق إيران الاستراتيجي على أمريكا، وأنه يعزّز من تماسك القيادة في الجمهورية الإسلامية، وأن المسؤولين الإيرانيين أحكموا صفوفهم للحفاظ على حزمة كبيرة من الشروط لإنهاء الحرب وفق شروطهم الخاصة، فيما يعاني ترامب في المقابل من تحديات متزايدة في جبهته الداخلية.
النص المترجم:
بعد ما يقارب 3 أشهر على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، ونحو 5 أسابيع منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار على الجمهورية الإسلامية، تبدو طهران المتحدّية بعيدة عن إظهار أي مؤشرات على التراجع أمام تهديدات البيت الأبيض النارية.
بل على العكس، يبدو أن الصراع حتى الآن يعزّز من تماسك القيادة الإيرانية. فعلى الرغم من خسارة المرشد الأعلى، ومقتل عدد من القادة وصنّاع القرار الأساسيين، وتدمير جزء كبير من القوة النارية الإيرانية، فإن المسؤولين الإيرانيين وضعوا إلى حدّ بعيد خلافاتهم الداخلية جانباً، وأحكموا صفوفهم للحفاظ على حزمة كبيرة من الشروط لإنهاء الحرب وفق شروطهم الخاصة.
إنها مخاطرة مكلفة. لكن الكلفة بالنسبة للبيت الأبيض والمنطقة والعالم تتراكم أيضاً.
وقالت باربرا سلافين، الباحثة البارزة في مركز ستيمسون والمحاضِرة في جامعة جورج واشنطن، لمجلة نيوزويك: "من الواضح أن إيران استعدّت لهذه الحرب، وحتى الآن تفوّقت استراتيجياً على إدارة ترامب. لقد أحكمت سيطرتها على مضيق هرمز وهاجمت جيرانها في الخليج الفارسي، وخاصة الإمارات، ما فاقم الانقسامات داخل مجلس التعاون الخليجي ونقل تداعيات الأزمة إلى المستهلكين حول العالم."
وأضافت سلافين: "لقد وزّعت إيران منظومات القيادة والسيطرة، وأدارت ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة بحذر، بحيث تبقى قادرة على إيلام خصومها والتحكم بالمضيق. وبما أن النظام يعتبر الحرب مسألة وجودية، فإنه سيواصل تحمّل التكاليف الاقتصادية الداخلية المتصاعدة، على افتراض أنه قادر على الصمود لفترة أطول من ترامب."
التمسك بالموقف
أحدث دليل على رفض إيران التراجع ظهر يوم الإثنين. فبعد سلسلة جديدة من تهديدات ترامب بشن عمليات عسكرية متواصلة ضد الجمهورية الإسلامية، عاد الرئيس الأمريكي وأجّل العملية، مشيراً إلى مناشدات تلقاها من قادة السعودية والإمارات وقطر.
وقال ترامب إن قادة مجلس التعاون الخليجي أقنعوه بأن "اتفاقاً سيتم التوصل إليه"، يضمن عدم امتلاك إيران لسلاح نووي أبداً. وكانت السلطات الإيرانية قد نفت دائماً سعيها إلى امتلاك مثل هذه القدرات رغم تقدم برنامجها في تخصيب اليورانيوم.
وفي الوقت نفسه، حذّر ترامب من أنه أصدر أوامره للقوات الأمريكية "بالاستعداد لتنفيذ هجوم شامل وواسع النطاق ضد إيران في أي لحظة، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مقبول."
ومع ذلك، لا يبدو أن التصعيد الكلامي الجديد يدفع إيران نحو الاستسلام.
فقد تعهّد كبار المسؤولين العسكريين الذين نجوا من الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، ومن بينهم اللواء علي عبد اللهي، قائد مقر "خاتم الأنبياء" المركزي، والعميد محمد أكرمي نيا، المتحدث باسم الجيش الإيراني، بالرد على أي تصعيد أمريكي بالمثل.
كما أظهر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وهما أبرز المفاوضين الإيرانيين، موقفاً مماثلاً على طاولة التفاوض، التي لا تزال شاغرة منذ فشل المحادثات التي استضافتها باكستان الشهر الماضي.
ولا تزال مطالب طهران المرتفعة قائمة، وتشمل انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، ودفع تعويضات عن أضرار الحرب، ووقف الأعمال العدائية في الجبهات الأخرى، ولا سيما الحرب الإسرائيلية ضد حليف إيران، حزب الله في لبنان.
كما بدأت إيران يوم الإثنين بإضفاء طابع رسمي على رغبتها في فرض سيطرة دائمة على مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً سابقاً، عبر إنشاء هيئة جديدة لتحصيل الرسوم.
ورغم استفادة طهران من اضطرابات الأسواق العالمية، أشارت سلافين إلى أن الاستراتيجية الإيرانية "قاسية للغاية على الإيرانيين". فالاقتصاد المتداعي أصلاً يواصل الانهيار، وظروف المعيشة تراجعت بشدة، فيما وضعت الأجهزة الأمنية التابعة للحرس الثوري الإسلامي في حالة استنفار قصوى.
وفي المقابل، لا ترى سلافين مؤشرات تُذكر على الانقسامات الداخلية التي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تأملان أن تمهّد لتغيير النظام.
وقالت: "لم نشهد انشقاقات على مستوى رفيع، وبصراحة لا يوجد زعيم معارض واضح يمكن الانشقاق لصالحه. كما أن أي اضطرابات داخلية ستكون أشبه بالانتحار في ظل القمع العنيف الذي واجهه المحتجون في يناير، بما في ذلك أعداد قياسية من الإعدامات".
الجبهة الداخلية
فيما تبقى إيران متيقظة لرصد أي اضطرابات داخلية، يواجه دونالد ترامب تحديات متزايدة داخل الولايات المتحدة. فقد شكّل وصف الرئيس الأمريكي للتغطية الإعلامية الأمريكية للحرب بأنها "خائنة" الأسبوع الماضي أحدث تجلٍّ لإحباطه المتنامي من غياب التأييد الشعبي للحرب.
وأظهر استطلاع أجرته صحيفتا "نيويورك تايمز" و"سيينا"، نُشر يوم الإثنين، أن 64 بالمئة من المستطلعة آراؤهم يعارضون قرار الذهاب إلى الحرب مع إيران، وهي نسبة تتوافق تقريباً مع عدة استطلاعات حديثة أخرى حول القضية نفسها. كما أظهر الاستطلاع ذاته أن نسبة التأييد لترامب هبطت إلى 37 بالمئة فقط، وهو أدنى مستوى له خلال ولايته الثانية.
وقال بول بيلار، وهو مسؤول مخضرم سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ويعمل حالياً باحثاً غير مقيم في معهد كوينسي وزميلاً بارزاً غير مقيم في مركز الدراسات الأمنية بجامعة جورجتاون، لمجلة نيوزويك: "يرى قادة النظام الإيراني بلا شك أن استراتيجيتهم ناجحة، من حيث إنهم ما زالوا في السلطة من دون أي تهديد جدي لحكمهم، رغم تعرضهم لضربات عسكرية واقتصادية من قوة عظمى معادية."
وأضاف بيلار: "النتيجة النهائية للمواجهة الحالية، التي يبدو أن كلاً من النظام الإيراني وإدارة ترامب يعتقدان أنه قادر فيها على الصمود أكثر من الآخر رغم كلفة الجمود الحالي، لا تزال غير محسومة."
وتابع: "لكن الحكام الإيرانيين يمتلكون أفضلية تتمثل في أن ما هو على المحك بالنسبة لهم، أي بقاؤهم السياسي، أكبر بكثير مما هو عليه بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي لديهم دافع أكبر لتحمّل الألم. كما أنهم يطالعون التقارير نفسها التي نقرأها نحن حول الصعوبات السياسية والاقتصادية الداخلية التي يواجهها ترامب بسبب الحرب."
ولا يمكن التقليل بسهولة من شأن هذه الصعوبات، خصوصاً مع تقدير محللين أن الصراع قد يترك تداعيات دائمة على تجارة النفط والغاز تستمر لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب. كما أن الاضطرابات الناتجة عن الحرب لم تسهم في تعزيز تأييد حتى الحلفاء التقليديين لقرار الولايات المتحدة.
وبالنظر إلى التداعيات حتى الآن، توقّع بيلار أن "تُسجَّل هذه الحرب في التاريخ على الأرجح باعتبارها خطأً فادحاً من ترامب"، مشيراً إلى أنها قد تدفع طهران ومرشدها الأعلى الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، نجل آية الله علي خامنئي الذي قُتل خلال الحرب، إلى السعي نحو امتلاك القدرات التي كانت إيران تنفي علناً رغبتها فيها.
وقال بيلار: "لا تزال إيران بعيدة عن امتلاك سلاح نووي، وبحسب ما نعرفه حتى الآن فإنها لم تتخذ قراراً ببناء واحد."
وأضاف: "لكن أكثر ما قد يدفع أي نظام إلى الاقتناع بأنه بحاجة إلى ردع نووي هو أن يكون ضحية عدوان خارجي، كما حدث لإيران هذا العام على يد الولايات المتحدة وإسرائيل."
المصدر: نيوزويك – Newsweek
الكاتب: غرفة التحرير