الأربعاء 20 أيار , 2026 03:49

الألياف الضوئية: الورقة الإيرانية الجديدة في معركة السيادة والاقتصاد

الألياف الضوئية

لم يعد ميزان القوة في هذا العالم يُرسم فقط على وقع هدير الطائرات وحركة البوارج، بل بات يُقاس أيضاً بمن يتحكم بتدفق البيانات، وبالشبكات الخفية التي تربط اقتصادات الأرض وأسواقها وعقولها في لحظة واحدة. فكما تحوّل النفط في القرن الماضي إلى أداة نفوذ وهيمنة، تتحول كابلات الألياف الضوئية اليوم إلى "عصب الإمبراطوريات" الحديثة. ومن هنا، تدرك إيران أن معركة السيادة لم تعد تُخاض فوق مياه مضيق هرمز فقط، بل أيضاً في أعماقه، حيث يمر الضوء الحامل لأسرار العالم وبياناته وأسواقه، وحيث تتحول التكنولوجيا إلى قوة جيوسياسية تعادل حاملات الطائرات.

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية القاسية وغيرها من أساليب الضغط الأميركي، أحاطت طهران نفسها بكل ما يتعلق بالتطور التكنولوجي، وحرصت على إيلاء سبل الحفاظ على مقومات البلاد أولوية قصوى في مروحة اهتماماتها.

ورقة إيرانية جديدة.. أهمية التوقيت العالمي

بينما يدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دوامة مراوحة ممجوجة تتأرجح بين التهديد والوعيد، تظهر إيران ورقة جديدة في مضمار إظهار "الذكاء الدبلوماسي"، وذلك في توقيت مهم ومرحلة شديدة الحساسية تمر بها البلاد والمنطقة والعالم.

تتجه إيران إلى أحد الشرايين الخفية في الاقتصاد العالمي: الكابلات البحرية الممتدة تحت الممرات المائية، والتي تنقل الإنترنت وحركة المرور المالية بين أوروبا وآسيا والخليج.

فبينما تنشغل شاشات الأخبار بعدّ براميل النفط التي تعبر المضيق يومياً، تتدفق تحت تلك السفن مليارات البيانات والرموز والأسرار عبر شبكة معقدة من الألياف الضوئية (Fiber Optics). إنها "كابلات الأعماق" التي حوّلت مضيق هرمز من مجرد ممر مائي للطاقة التقليدية إلى أحد أعمدة الاتصالات الرقمية بين الشرق الأقصى والقارة الأوروبية.

ما هي "الألياف الضوئية"؟

الألياف الضوئية (Fiber Optics) هي خيوط مرنة ورفيعة مصنوعة من الزجاج النقي أو البلاستيك، تنقل البيانات بسرعة الضوء عبر نبضات ضوئية، ما يجعلها العمود الفقري لشبكات الاتصالات العالمية والإنترنت فائق السرعة، بفضل قدرتها على تجاوز عيوب الأسلاك النحاسية التقليدية. ويتكون كابل الفايبر من خيوط زجاجية أو بلاستيكية دقيقة جداً، رفيعة كالشعرة البشرية، لكنها قادرة على حمل كم هائل من المعلومات بسرعة تقارب سرعة الضوء.

وتعتمد الفكرة الأساسية على تحويل البيانات الرقمية، مثل الإنترنت والمكالمات والفيديو والصور، إلى نبضات ضوئية يتم إرسالها داخل الكابل. وتبقى هذه النبضات محتجزة داخل قلب الكابل (Core) بفضل ظاهرة الانعكاس الداخلي الكلي، وعند وصولها إلى النهاية تتحول مجدداً إلى بيانات مفهومة للأجهزة الإلكترونية.

الأسلاك الزجاجية الدقيقة.. من التكنولوجيا إلى "الجيوبوليتيك"

لا يمكن قراءة هذه الأسلاك الزجاجية الدقيقة بمعزل عن موازين القوى. فهي ليست مجرد تكنولوجيا، بل "جيوبوليتيك" من نوع آخر. هذه الألياف الدقيقة، المحمية بطبقات من الفولاذ والعوازل، تنقل صفقات البورصة، والرسائل المشفرة بين الدول، والصور، وأبحاث العلماء.

فإذا كان النفط هو دم الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، فإن الضوء المار عبر هرمز يمثل وعي العالم ونخاعه الشوكي في القرن الحادي والعشرين.

وباختصار، وثقة عالية يرفدها الميدان والصمود، تريد الجمهورية الإسلامية فرض رسوم على أكبر شركات التكنولوجيا في العالم مقابل استخدام كابلات الإنترنت الموضوعة تحت سطح البحر في مضيق هرمز.

وكان المتحدث باسم الجيش الإيراني، إبراهيم ذو الفقاري، قد أعلن عبر منصة X الأسبوع الماضي: "سنفرض رسوماً على كابلات الإنترنت".

إيران بين الإرادة الجيوسياسية وفرض الرسوم السيادية

بالتوازي، قالت وسائل إعلام غربية إن خطة طهران لاستخلاص الإيرادات من المضيق ستتطلب من شركات مثل Google وMicrosoft وMeta وAmazon الامتثال للقانون الإيراني، بينما سيُطلب من شركات الكابلات البحرية دفع رسوم ترخيص لمرور الكابلات، مع منح حقوق الإصلاح والصيانة حصرياً للشركات الإيرانية.

وفي يوم الإثنين، قالت وكالة "أنباء فارس" إنه "عند فرض إدارتها على مضيق هرمز، يمكن لإيران أن تعلن إخضاع كابلات الألياف الضوئية المارة عبر المضيق لتراخيص ورسوم سيادية".

وأضافت الوكالة، في تقرير بعنوان "كنز بقيمة 10 تريليونات دولار في قاع مضيق هرمز"، أن جميع كابلات الألياف الضوئية في قاع المضيق ستكون تحت السيادة الإيرانية المطلقة.

ومن نافل القول إن وسائل الإعلام الإيرانية تشير دائماً إلى مصر باعتبارها سابقة في هذا المجال، إذ استفادت القاهرة من الموقع الاستراتيجي لـ "قناة السويس" لاستضافة العديد من الكابلات البحرية التي تربط أوروبا وآسيا، ما يدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً من رسوم العبور والتراخيص.

اتفاقية قانون البحار وشواهد من دول أخرى

تنص المادتان 2 و79 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) على السيادة المطلقة للدولة الساحلية على قاع البحر الإقليمي وباطنه.

وفي هذا السياق، تقول وكالة "فارس": "ليس مرور سفينة؛ إذ يقتصر حق المرور في الاتفاقية على السفن والطائرات فقط، ولا يشمل البنية التحتية الثابتة. لذا، يتطلب كل متر من الكابلات الأجنبية الموجودة في قاع مضيق هرمز تصريحاً إيرانياً، ويخضع للمراقبة، بل وحتى لتحصيل رسوم سيادية إيرانية".

وتعطي الوكالة أمثلة على ذلك، فمصر تجمع ما بين 250 و400 مليون دولار سنوياً من الكابلات التي تمر عبر مسارها البري بنظام رسوم رقمية. كما تفرض سنغافورة رسوماً سنوية للتصاريح، وتمارس إندونيسيا سيادتها من خلال ممرات إلزامية وتكاليف بيروقراطية. أما روسيا فتعتبر المشاركة الإلزامية لشركة مملوكة للدولة شرطاً أساسياً لمرور الكابلات عبر مسار القطب الشمالي.

هرمز.. حيث تلتقي "السيبرانية" بالجغرافيا

ما يثير الدهشة في جغرافية هرمز الرقمية هو هذا التناقض الصارخ:

- فوق السطح: توترات مستمرة، مناورات عسكرية، وزوارق سريعة تترصد.

- في الأعماق: هدوء مطبق تسري فيه البيانات بأمان، لتربط بين ضفتين قد تختلفان في السياسة، لكنهما تلتقيان في حتمية الاتصال.

فالدول المطلة على هذا المضيق تدرك تماماً أن أي اهتزاز في هذه الشبكات الحيوية يعني "سكتة دماغية" رقمية لبلدان بأكملها. لذلك تحولت مياه هرمز إلى حقل حماية غير معلن؛ فالجميع بحاجة إلى هذا الضوء، والجميع يخشى العتمة.

هرمز.. من الرمال والمياه إلى السحاب

عندما نتأمل المشهد، نجد أن الألياف الضوئية في منطقة هرمز أعادت صياغة مفهوم "القوة". فلم يعد النفوذ يقاس فقط بعدد المدافع المنصوبة على الجبال، بل بعدد "محطات هبوط الكابلات" (Landing Stations) التي تستضيفها الشواطئ.

فعلى سبيل المثال، تحولت بعض الدول، بفضل موقعها الاستراتيجي عند مدخل المضيق، إلى مراكز عالمية لربط الكابلات البحرية، مستغلة الاستقرار السياسي لتكون بمثابة "مقسم عالمي" يربط القارات.

في النهاية؛ إنها مفارقة العصر، فمن قلب الرمال القاحلة التي ارتبطت لعقود بالنفط والصراعات الجيوسياسية، تولد اليوم أكثر تقنيات العالم تعقيداً وحساسية. فمن رمل السيليكا البسيط يُصنع ذلك الزجاج النقي الذي يحمل الضوء، لينقل في أعماق البحار بيانات العالم وأسواقه وأسراره بسرعة تكاد تلامس حدود الخيال.

وربما تخفت يوماً ضوضاء ناقلات النفط والأساطيل العسكرية، وربما تتبدل خرائط الطاقة التقليدية، لكن الكابلات الراقدة في قاع هرمز ستبقى الشريان الخفي الذي يربط العالم بعضه ببعض. هناك، في الأعماق الصامتة، تُكتب يومياً رواية جديدة عن عالمٍ قد يختلف سياسياً ويتصارع عسكرياً، لكنه يبقى عاجزاً عن الانفصال رقمياً.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور