يستعرض هذا المقال الذي نشره موقع "مؤسسه مطالعات وپژوهشهای سیاسی" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، بعض المحطات التاريخية في علاقة السلطات الحاكمة في الإمارات الوثيقة مع الكيان المؤقت. فهي لم تبدأ فعلياً بعد توقيع اتفاقات أبراهام التطبيعية أواخر العام 2020، بل منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما أشارت إليه السفيرة الأميركية السابقة في الإمارات باربرا ليف، حين تحدثت في مذكرة صادرة عن معهد السلام الأميركي (USIP) عن قِدم التعاون الإماراتي مع إسرائيل، موضحة أنه منذ ذلك الوقت، كان الإسرائيليون يزورون دبي بجوازات سفر أجنبية أو يلتقون برجال أعمال إماراتيين في دول ثالثة.
وعليه في ظلّ ما تمر به المنطقة من عدوان صهيوأمريكي ضد إيران وجبهة المقاومة، لا يجب فصل هذا الأمر، عن مسار التعاون التاريخي ما بين الإمارات وكيان الاحتلال الإسرائيلي، كما تُحاول بعض وسائل الإعلام العربية والأجنبية والكتّاب والإعلاميين الذين يدورون في فلك الإمارات تصويره.
النص المترجم:
بعد اغتيال سيف بن سعيد غباش (نائب وزير خارجية الإمارات) في مطار أبو ظبي، الذي وقع في 25 تشرين الأول/أكتوبر 1977 أثناء توديع عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري آنذاك)، بدأت لدى الشيخ زايد موجة من التخويف من الفلسطينيين.
وفي اليوم التالي لهذه العملية الغامضة التي حملت بصمات واضحة للاستخبارات البعثية، تحدث الشيخ راشد (حاكم دبي) في لقاء خاص وودي مع مسؤولين من نظام الشاه ضد الفلسطينيين، مؤكداً أن الشيخ زايد "شديد الخوف"، ومعرباً عن ثقته بأن أثر هذا الاغتيال سيدفع حاكم الإمارات إلى الابتعاد النهائي عن الفلسطينيين.
وربما كان هذا التخويف من الفلسطينيين بعد عملية اغتيال مشبوهة تمهيداً لما أشارت إليه باربرا ليف (السفيرة الأميركية السابقة في الإمارات)، حين تحدثت في مذكرة صادرة عن معهد السلام الأميركي (USIP) عن قِدم التعاون الإماراتي مع إسرائيل، موضحة أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي كان الإسرائيليون يزورون دبي بجوازات سفر أجنبية أو يلتقون برجال أعمال إماراتيين في دول ثالثة.
وفي السنوات التي تشير إليها باربرا ليف، كانت الإمارات تتبنى رسمياً مواقف شبيهة بالمواقف العربية التقليدية، حتى إن مندوبها في الجمعية العامة للأمم المتحدة دعا في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1984 إلى "طرد إسرائيل من ميثاق الأمم المتحدة". إلا أنه في الخطاب نفسه أبدى دعمه للقرار 38/58C الذي دعا إلى عقد مؤتمر سلام للشرق الأوسط.
وخلال تلك المرحلة، كانت الإمارات تتهم إيران بشراء السلاح من إسرائيل، إلى درجة أن الإمام الخميني، في 3 أيلول/سبتمبر 1981، ردّ على رسالة تعزية بعث بها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمناسبة استشهاد رجائي وباهنر، معرباً عن أمله في أن تشكل هذه الجرائم التي ترتكب يومياً في إيران دليلاً يدحض اتهام الجمهورية الإسلامية بشراء السلاح من إسرائيل.
غير أن خلفية هذه الاتهامات لم تكن مرتبطة بمواجهة إسرائيل، بل إن الإمارات وقفت إلى جانب صدام حسين طوال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وكان هدفها إضعاف صورة إيران في نظر المسلمين. وبعد سنوات، قال صدام حسين: "إن وزير النفط الإماراتي جاءني برسالة من الشيخ زايد بن سلطان، مفادها أن الإيرانيين قدموا إلى العرب بنوايا شريرة، وأن عربستان (خوزستان) تاريخياً تعود إلى العراق، ويمكنكم استعادتها، وسندعمكم في ذلك".
لكن صدام لم يكن شريكاً موثوقاً بالنسبة إليهم. فعندما حاول قبل غزو الكويت التوصل إلى مصالحة مع إيران، طلب منها في رسالة إما الدعم أو الصمت، وصرّح فيها بوضوح أن العراق سيصبح له 800 كيلومتر من الحدود المشتركة في الخليج الفارسي، في إشارة إلى خطته لاحتلال الإمارات أيضاً، إلى جانب الكويت، وهو ما لم يتحقق بسبب الرفض الإيراني.
وفي المقابل، كانت الخطوط الخلفية والمفاوضات غير الرسمية بين الإمارات وإسرائيل تسير بعكس الخطاب المعلن تماماً، خصوصاً بعد فشل اللقاء الأول بين الأمير فهد (ولي العهد السعودي آنذاك) وألكسندر هيغ (وزير الخارجية الأميركي) بشأن صفقة طائرات الأواكس، ما دفع الإمارات إلى الاقتداء بالسعودية في فتح قنوات تفاوض غير رسمية مع إسرائيل.
وقد جرت هذه اللقاءات بسرية شديدة وحذر كبير خشية ردود الفعل العربية. وشكل عام 1994 نقطة تحول أساسية في هذا المسار. فبحسب تقرير مطول نشرته مجلة "نيويوركر" في حزيران/يونيو 2018، عُقد أول لقاء رسمي وسري بين مسؤولين إسرائيليين وإماراتيين في مكتب خاص بواشنطن عقب توقيع اتفاق أوسلو.
فقد التقى جيريمي يساخاروف، الذي كان عضواً في فرق التفاوض مع مصر حول اتفاقات التطبيع خلال الثمانينيات، وعمل لاحقاً مبعوثاً خاصاً لإسرائيل للشؤون السياسية والاستراتيجية في واشنطن، مع جمال السويدي (رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية الإماراتي). وتمحور اللقاء حول قلق الإمارات من استخدام إسرائيل حق النقض ضد بيع مقاتلات F-16 الأميركية لأبو ظبي، وهو ما انتهى بتمهيد الطريق أمام حصول الإمارات على هذه الطائرات. وبحسب يساخاروف، فقد أظهرت المحادثات سريعاً أن الطرفين يمتلكان "الكثير من الأفكار والمصالح المشتركة".
ومنذ منتصف التسعينيات، تسارعت العلاقات بين الجانبين وتحولت إلى تعاون أمني واستخباراتي واسع النطاق. حتى إن محمد بن زايد آل نهيان (ولي عهد أبو ظبي آنذاك) قال خلال لقائه وفوداً يهودية أميركية: "أستطيع أن أتخيل نفسي في الخنادق إلى جانب إسرائيل في مواجهة إيران".
وبلغ هذا التقارب الأمني درجة دفعت مائير داغان، رئيس الموساد آنذاك، إلى اقتراح بيع طائرات مسيّرة للإمارات مقابل التعاون ضد إيران.
وخلال هذه المرحلة، لم تُبدِ إسرائيل أي مراعاة لصورة الإمارات أو مصالحها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اغتيال محمود المبحوح، أحد قادة حماس العسكريين، في أحد فنادق دبي في كانون الثاني/يناير 2010. وقد أظهرت التحقيقات أن فريق الاغتيال استخدم جوازات سفر إسرائيلية مزورة. وطالبت الإمارات حينها بالحصول على طائرات مسيرة مسلحة كتعويض، إلا أن إسرائيل رفضت الطلب خشية الموقف الأميركي.
ومع ذلك، لم تتردد الإمارات في مواصلة التعاون مع الإسرائيليين، حتى قبل التطبيع الرسمي عام 2020، إذ شهدت العلاقات تعاوناً تقنياً واسعاً. ففي عام 2007 وقّعت شركة إسرائيلية عقداً بقيمة 6 مليارات دولار لإنشاء نظام المراقبة الذكي Falcon Eye في أبو ظبي. كما تعاونت شركة NSO الإسرائيلية، المطورة لبرنامج "بيغاسوس"، مع الإمارات منذ عام 2013.
وفي نهاية المطاف، وقّعت الإمارات العربية المتحدة في 13 آب/أغسطس 2020 اتفاق سلام مع الكيان الصهيوني، لتصبح بعد مصر عام 1979 والأردن عام 1994 ثالث دولة عربية توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، في خطوة تجاوزت مجرد "الخيانة السياسية" التقليدية، وحولت الطرفين إلى حليفين استراتيجيين.
المصدر: مؤسسه مطالعات وپژوهشهای سیاسی
الكاتب: غرفة التحرير