مؤخراً يظهر ترامب في حالة تردد واضحة بشأن العودة إلى حرب شاملة مع إيران، رغم تهديداته المتكررة، ما يكشف عن حاجة إدارته إلى اتفاق أكثر من رغبتها في التصعيد. بحسب مقال نشره موقع "CNN" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويشير إلى أن واشنطن "تمنح طهران هامشًا واسعًا" عبر تمديد المهل والتقليل من أهمية الهجمات الإيرانية للحفاظ على وقف إطلاق النار الهش.
ويرى الكاتب أن إيران تستفيد من هذا التردد الأميركي، فيما يبدو ترامب عالقًا بين الاعتراف بفشل المفاوضات والخشية من الانزلاق إلى حرب مكلفة وطويلة مرة جديدة.
النص المترجم
ربما كانت اللحظة الأكثر غرابة خلال الحرب المستمرة منذ أشهر مع إيران، حين أصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتصف نيسان/أبريل على أن طهران "وافقت على كل شيء" كان قد طالب به.
لكن ذلك لم يتحقق بالطبع، ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن هذه التفاهمات كانت موجودة — ولو بشكل أولي — في أي مكان خارج ذهن ترامب نفسه. فكل المؤشرات الأخرى، حتى بعد مرور أسابيع، لا تزال تؤكد أن الفجوة بين الطرفين كبيرة.
تصرف ترامب وكأنه قادر على فرض الاتفاق بالإرادة السياسية وحدها، لكنه بدلاً من ذلك كشف للجميع، بما فيهم إيران، مدى تعطشه للتوصل إلى صفقة.
ولم تكن تلك المرة الأولى، ولا الأخيرة.
فخلال الأسابيع الأخيرة، بدا ترامب مترددًا بشكل لافت في العودة إلى القتال إذا لم تمنحه إيران ما يريده. وقد دخل هو وإدارته في تناقضات متكررة لتبرير منح طهران المزيد من الوقت والهامش للمناورة.
ورغم أن هذا النهج قد يهدّئ الأسواق أحيانًا. فالعودة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة تنطوي على مخاطر إطالة أمد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود، واحتمال تعريض أرواح الأميركيين للخطر، فضلًا عن استنزاف مخزونات الأسلحة الأميركية المتراجعة أصلًا.
ولا يعني ذلك أن ترامب لن يهاجم إيران مجددًا في نهاية المطاف. فقد أعلن الاثنين من المكتب البيضاوي أن وقف إطلاق النار الممتد منذ شهر بات "على أجهزة الإنعاش". وقد يقتنع لاحقًا بأن طهران تماطله وأن توجيه ضربات جديدة أصبح ضروريًا. لكن الواضح أنه منح إيران مساحة واسعة بشكل استثنائي.
أبرز ما يعكس هذا الواقع هو تكرار ترامب تحديد مهل زمنية لإيران من أجل القبول باتفاق "وإلا"، ثم تراجعه في كل مرة رغم عدم استجابة طهران. وقد حدث ذلك خمس مرات خلال شهر واحد، بين 21 آذار/مارس و21 نيسان/أبريل.
وفي معظم الأحيان، كان ترامب يبرر تمديد المهل بأن الاتفاق بات "وشيكًا". لكن في المرة الخامسة، لم يكلّف نفسه حتى عناء هذا الادعاء، بل أعلن صراحة أنه لا توجد مهلة أصلًا.
حتى بداية وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 7 نيسان/أبريل كشفت عن رغبة ملحّة لدى ترامب لإنهاء الضربات العسكرية. فالطرفان لم يتفقا حتى على بعض البنود الأساسية للهدنة، مثل ما إذا كانت تشمل الضربات الإسرائيلية في لبنان. ومع تهديد إيران بالانسحاب، سارعت إدارة ترامب إلى معالجة هذه الثغرات، ما أوحى بأن الاتفاق جرى ترتيبه بشكل متسرع ومرتجل لتفادي تنفيذ تهديدات ترامب الكارثية.
وفي 19 نيسان/أبريل، ألمح ترامب إلى أن الولايات المتحدة سترسل وفدًا جديدًا إلى باكستان للتفاوض، رغم أن إيران لم تكن قد وافقت علنًا على محادثات السلام. وبعد يومين فقط، في 21 نيسان/أبريل، أُلغي إرسال الوفد الأميركي.
ومع ذلك، مدّد ترامب وقف إطلاق النار في اليوم نفسه، رغم أنه كان قد وصف سابقًا احتمال تمديده بأنه "غير مرجح للغاية". ثم جاءت تطورات الأسبوع الماضي. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأميركية الثلاثاء أن سلسلة من "الاستفزازات الإيرانية" — من بينها استهداف سفن أميركية كانت ترافق الملاحة في مضيق هرمز، والهجوم على الإمارات — لا ترقى إلى "عتبة" خرق وقف إطلاق النار.
كما ألمح وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى أن تلك الحوادث ليست جزءًا من الحرب أصلًا، واعتبر أن عمليات مرافقة السفن في المضيق، التي أطلق عليها ترامب اسم "مشروع الحرية"، تمثل عملية منفصلة. ودعا إيران إلى "التصرف بحكمة" خلال فترة الهدنة.
وكان ذلك مشهدًا لافتًا؛ إذ بدا كبار المسؤولين العسكريين الأميركيين وكأنهم يقولون إن بعض الهجمات الإيرانية على الولايات المتحدة يمكن التغاضي عنها، في محاولة للحفاظ على صورة الهدنة القائمة.
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أنهى ترامب "مشروع الحرية"، رغم أن هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أمضوا اليوم بأكمله في الدفاع عن أهمية المشروع.
وتكرر المشهد نفسه يوم الخميس. فعلى الرغم من تبادل جديد لإطلاق النار مع إيران، شنّت خلاله الولايات المتحدة ضربات على منشآت عسكرية قالت إنها مسؤولة عن الهجمات في المضيق، وصف ترامب ما جرى بأنه "مجرد صفعة خفيفة"، مضيفًا: "وقف إطلاق النار مستمر، وما زال قائمًا".
لكن بعد أكثر من شهر على بدء الهدنة، لا يوجد ما يدل على أنها تهيّئ فعليًا لبيئة تسمح بالتوصل إلى اتفاق. بل يبدو أنها منحت الطرفين — اللذين لا يرغبان حاليًا في القتال — ذريعة لتجنّب المواجهة.
غير أن ذلك يخدم إيران أكثر، إذ أظهرت استعدادها لتحمّل صراع طويل الأمد. أما بالنسبة لإدارة ترامب، فإن هذا المشهد يهدد بإظهارها وكأنها تُستدرج عمدًا إلى المماطلة، بينما تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه من مستنقع محتمل.
وكان ترامب قد ردّ الأحد على أحدث مقترح إيراني بوصفه بأنه "غير مقبول إطلاقًا". وقد حظيت هذه الرسالة باهتمام واسع، لكن منشورًا آخر ربما يكشف أكثر عن طريقة تفكير ترامب. ففي وقت سابق من يوم الأحد، كتب منشورًا كاملًا على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه إن إيران أمضت 47 عامًا "تماطلنا وتبقينا في حالة انتظار".
وبدا وكأنه بدأ يدرك أن إيران ليست مهتمة أصلًا بإبرام اتفاق على الأقل ليس بالشروط التي يريدها ترامب. وربما بدأ الرجل الذي أمضى شهرين وهو يؤكد أن إيران متعطشة للصفقة، يدرك أن الطرف الآخر ليس كذلك. لكن إدراك ذلك شيء، ومعرفة كيفية التعامل معه شيء آخر تمامًا. ويبدو أن ترامب لم ينتهِ بعد من منح إيران المزيد من الوقت والمساحة.
فقد قال الاثنين، وقبل لحظات من وصفه وقف إطلاق النار بأنه "على أجهزة الإنعاش" وشبّهه بمريض لا يملك سوى فرصة 1% للبقاء، إنه لا يزال يفضّل الحل الدبلوماسي.
المصدر: CNN
الكاتب: آرون بليك