يشهد الجنوب اللبناني تصعيداً ميدانياً متسارعاً يؤكد الانهيار العملي لما يُعرف بـ"وقف إطلاق النار"، بعدما واصل العدو الإسرائيلي اعتداءاته الجوية والمدفعية ومحاولاته فرض وقائع جديدة على الأرض، بالتوازي مع خطاب سياسي إسرائيلي تصعيدي يعكس أطماعاً توسعية واضحة.
وقد برزت في هذا السياق تصريحات وزير المالية في حكومة الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، التي تحدث فيها عن تغيير حدود الكيان لتشمل أجزاء من لبنان، ما يؤكد أن العدوان لم يعد يقتصر على الجانب العسكري، بل يتصل بمشروع سياسي وأمني أوسع يسعى إلى إعادة رسم معادلات المنطقة بالقوة. في المقابل، أظهرت المقاومة الإسلامية تمسكاً واضحاً بمعادلة الردع والدفاع عن السيادة اللبنانية، مترجمة ذلك بسلسلة عمليات نوعية ومتزامنة عكست مستوى عالياً من الجهوزية والسيطرة الميدانية.
وقد شكل يوم الثلاثاء الخامس من أيار محطة بارزة في مسار المواجهة، بعدما وثقت المقاومة ثمانية عشر بياناً عملياتياً أكدت من خلالها انتقالها إلى مستوى أكثر كثافة ودقة في إدارة الاشتباك. وبدت بلدة البياضة في صدارة المشهد العملياتي، إذ تحولت إلى محور اشتباك رئيسي شهد أعنف الضربات وأكثرها تنوعاً، سواء عبر استهداف دبابات ميركافا، أو تجمعات الجنود والآليات، وصولاً إلى استهداف مروحية إسرائيلية بصاروخ أرض-جو، في تطور يعكس سعياً واضحاً لفرض قيود على حركة الطيران الإسرائيلي المنخفض فوق الجنوب. وتكشف هذه العمليات أن المقاومة اتخذت قراراً بمنع العدو من تثبيت أي موطئ قدم أو إنشاء نقاط ارتكاز ثابتة في هذا المحور الحساس، لما يمثله من أهمية ميدانية واستراتيجية.
في المقابل، أظهرت المعركة الميدانية تطوراً لافتاً في أساليب المقاومة، وخصوصاً في مجال استهداف آليات الهندسة والجرافات العسكرية الإسرائيلية. فقد ركزت العمليات على منع قوات الاحتلال من إقامة تحصينات أو سواتر ترابية أو تدمير البنية التحتية للقرى الجنوبية، عبر ضرب الجرافات والآليات الهندسية بشكل مباشر. والأبرز كان اعتماد تكتيك مركب يقوم على استهداف الجرافة أولاً، ثم ضرب آلية الإنقاذ أو السحب التي تتقدم لانتشالها، كما حدث في محور دير سريان، ما يعكس مستوى متقدماً من الرصد والمتابعة والسيطرة النارية. كذلك، واصلت المقاومة استهداف المواقع الخلفية ومراكز الإسناد الناري، عبر ضرب مربض مدفعية مستحدث في رب ثلاثين باستخدام سرب من المسيّرات الانقضاضية، إلى جانب استهداف موقع بلاط المستحدث، في إشارة واضحة إلى امتلاك المقاومة بنك أهداف محدثاً وقدرات استخبارية فعالة تسمح لها بضرب المواقع فور إنشائها أو تفعيلها.
وعلى الضفة الأخرى، بدا جيش الاحتلال عاجزاً عن تحقيق أي إنجاز ميداني مباشر، فلجأ إلى سياسة الأرض المحروقة عبر تكثيف الغارات الجوية والقصف المدفعي على القرى الجنوبية. وقد طالت الاعتداءات أكثر من عشرين بلدة، واستخدم خلالها العدو قذائف الفوسفور المحرمة دولياً في مناطق مثل كونين وبيت ياحون، في محاولة لإيقاع أكبر قدر ممكن من التدمير والضغط النفسي على البيئة الحاضنة للمقاومة. كما واصل الاحتلال سياسة تفخيخ المنازل وتفجيرها في بلدات مثل حولا وبيوت السياد، في محاولة لإقامة منطقة مدمرة وخالية من السكان قرب الحدود. وتشير المعطيات التي نشرها "مركز علما" الإسرائيلي إلى أن الاحتلال نفذ مئتين وتسعاً وتسعين غارة منذ بدء ما يسمى وقف إطلاق النار في السابع عشر من نيسان، ما يؤكد أن الحديث عن تهدئة فعلية لا يعدو كونه غطاءً سياسياً لاستمرار العدوان.
أما على مستوى الأداء العسكري، فقد أظهرت المقاومة تطوراً لافتاً في استخدام المحلّقات الانقضاضية أو ما يعرف بطائرات FPV، التي تحولت إلى أحد أبرز عناصر التفوق الميداني في المواجهة الحالية. ورغم بساطة هذا السلاح نسبياً مقارنة بالتقنيات العسكرية المعقدة، فإنه أثبت فعالية كبيرة في استهداف الدبابات والتحصينات والأفراد بدقة عالية، ما جعل الاحتلال أمام معضلة حقيقية تتجاوز قدراته التقليدية. وقد تمكنت المقاومة من توظيف هذه المسيّرات كبديل مرن ودقيق للمدفعية والصواريخ الموجهة، خصوصاً في البيئات المعقدة والقريبة، الأمر الذي سمح لها بتحقيق إصابات مباشرة وتقويض أفضلية العدو التكنولوجية. كما أظهرت مرونة تكتيكية واضحة في الانتقال من الدفاع الثابت إلى أسلوب الدفاع المتحرك القائم على الرصد الفوري والاشتباك السريع والمباغت.
في المقابل، تكشف شهادات الإعلاميين والعسكريين الإسرائيليين حجم الأزمة التي يعيشها جيش الاحتلال، سواء على المستوى العملياتي أو النفسي. فقد أقرت إذاعة الجيش الإسرائيلي بسقوط قتلى وجرحى نتيجة هجمات المحلّقات الانقضاضية منذ بدء وقف إطلاق النار، فيما تحدثت صحيفة يديعوت أحرونوت عن لجوء الجنود الإسرائيليين إلى الاحتماء داخل الملاجئ خوفاً من رصدهم واستهدافهم من قبل المقاومة. كما نقل محللون عسكريون إسرائيليون عن مصادر رفيعة أن "إسرائيل" باتت في موقع ضعف أمام سلاح نجح في تجاوز التفوق التكنولوجي للجيش، في اعتراف غير مسبوق بحجم التحول الذي فرضته المقاومة في الميدان. والأكثر دلالة هو ما كشفه بعض ضباط الاحتياط حول تجاهل قيادة الجيش لتحذيرات سابقة من خطر المحلّقات الانقضاضية، حيث جرى التعامل مع تلك التحذيرات باستخفاف قبل أن تتحول إلى كابوس فعلي للقوات البرية.
ويبدو واضحاً أن التخبط لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى المستوى السياسي والاستراتيجي داخل الكيان. فقد تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن معضلة حقيقية تواجه القيادة السياسية والعسكرية، تتمثل في الاختيار بين توسيع الهجمات بشكل أكبر أو سحب القوات من بعض النقاط نتيجة العجز عن مواجهة الطائرات الانتحارية. كما برزت انتقادات من شخصيات عسكرية وسياسية إسرائيلية لطبيعة الاستراتيجية الحالية وارتهانها للمواقف الأميركية، إضافة إلى التحذير من صعوبة تسويق أي "إنجاز" في لبنان أمام الرأي العام الإسرائيلي في ظل الخسائر المتزايدة وانعدام صورة النصر الواضحة.
وبناءً على مجمل المعطيات الميدانية والسياسية، يبدو أن العدو الإسرائيلي يقف أمام مأزق متصاعد في جنوب لبنان. فهو عاجز عن تثبيت قواته البرية أو تأمينها، وفي الوقت نفسه غير قادر على وقف عمليات الاستنزاف الدقيقة التي تنفذها المقاومة ضد جنوده وآلياته. أما المقاومة، فقد أثبتت أنها استعادت زمام المبادرة بشكل كامل، ونجحت في فرض معادلة ردع قائمة على الاستنزاف المستمر ومنع الاحتلال من تحقيق أي تقدم أو تثبيت أي وقائع جديدة.
ومن المرجح أن تستمر المقاومة في تصعيد الاستهداف النقطوي للمواقع والتحصينات والآليات، خصوصاً في المحاور الحساسة مثل البياضة والقنطرة ودير سريان، فيما سيواصل الاحتلال الاعتماد على القصف الجوي والمدفعي من مسافات بعيدة لتعويض عجزه في المواجهة البرية المباشرة. وفي ظل هذا المشهد، يتأكد أن الرهان الإسرائيلي على فرض معادلات سياسية أو ميدانية جديدة بالقوة يواجه سقوطاً تدريجياً أمام واقع ميداني ترسمه المقاومة بالنار والعمليات النوعية اليومية.
الكاتب: غرفة التحرير