لم تعد المسألة في "إسرائيل" مجرّد انزلاق أخلاقي هامشي أو سلوك شعبوي صادم يخرج عن سياق "ما يسمى بـ"الدولة الحديثة" أمام الغرب، بل باتت الكراهية نفسها تُدار بوصفها سياسة عامة، تُنتَج وتُسوَّق وتُستَثمر. المشهد الذي ظهر فيه إيتمار بن غفير وهو يحتفل بعيد ميلاده الخمسين بكعكة تتوسطها مشنقة، ليس تفصيلاً بروتوكولياً مثيراً للجدل، بل لحظة كاشفة لمرحلة كاملة من التحول في بنية الخطاب "الإسرائيلي"، حيث ينتقل العنف من الميدان إلى الوعي، ومن الأداة إلى الهوية.
وفي هذا السياق، لا تبدو حادثة الاعتداء على راهبة في القدس، وما يتكرر من بصق على الكنائس وما حدث في جنوب لبنان من تفجير وهدم وتخريب في الكنائس، أحداثاً معزولة أو سلوكيات فردية طارئة، بل امتداداً طبيعياً لهذا الانزلاق البنيوي في الوعي والخطاب. فحين يخرج إيتمار بن غفير أو من يمثّل هذا التيار ليبرّر هذه الأفعال باعتبارها جزءاً من "العقيدة"، فنحن لا نكون أمام تديّن، بل أمام قراءة مؤدلجة ومشوّهة تُفرغ الدين من أي بعد إنساني. هنا يتكشف وجه تطرف لا يرى الإنسان أصلاً، ولا يعترف به كقيمة، وبالتالي لا يمكن أن يكون معنياً بأي حديث عن "حرية الدين" أو "حماية العبادة". فالمشكلة لم تعد في انتهاك هذه القيم، بل في إنكارها من الأساس، وتحويل الاعتداء عليها إلى سلوك مبرّر، بل ومقبول ضمن بيئة سياسية وثقافية تتغذّى على الإقصاء والكراهية.
من الرمز إلى العقيدة: حين يصبح الموت زينة احتفالية
في الظاهر، تبدو "كعكة المشنقة" فعلاً مستفزاً، قابلاً للتأويل ضمن إطار المبالغة أو الاستفزاز السياسي. لكن في العمق، هي أكثر من ذلك بكثير. هي تكثيف بصري لفكرة يجري العمل على ترسيخها منذ سنوات: تحويل العنف من فعل اضطراري إلى قيمة مُحتفى بها. حين تُستخدم المشنقة، بوصفها رمزاً للإعدام، في مناسبة احتفالية، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بالأسرى الفلسطينيين، بل بإعادة تعريف العلاقة مع "الآخر" باعتبارها علاقة قائمة على الإلغاء.
اللافت أن العبارة المكتوبة على الكعكة—"أحياناً تتحقق الأحلام"—ليست فقط سخرية سوداء، بل إعلان صريح عن تطبيع فكرة الإعدام، وتحويلها من نقاش قانوني إلى رغبة جماعية قابلة للاحتفال. هنا، يتحول الرمز إلى عقيدة، وتتحول العقيدة إلى برنامج سياسي.
الكراهية كبديل عن الإنجاز
في سياق سياسي يعاني من أزمات مركّبة—حروب غير محسومة، انقسامات داخلية، وتراجع في القدرة على فرض الوقائع—يبدو أن الائتلاف الحاكم، بقيادة بنيامين نتنياهو، وجد في الكراهية مادة سياسية بديلة عن الإنجاز.
عندما تغيب "صورة النصر" من الجبهات، يتم تعويضها بصورة رمزية داخلية: مشنقة على كعكة، خطاب عن الإعدام، وتحريض متصاعد. هذه ليست صدفة، بل آلية تعويض. فالنظام السياسي الذي يعجز عن إنتاج إنجازات قابلة للتسويق، يلجأ إلى إنتاج أعداء داخليين وخارجيين، ويعيد شحن المجتمع بخطاب الخوف والكراهية.
ففي الداخل "الإسرائيلي"، يتجاوز عدد ضحايا الجريمة في المجتمع العربي 100 قتيل سنوياً، مع تصاعد ملحوظ في عنف الشباب وانهيار الإحساس بالأمن. ومع ذلك، تُصرف الطاقة السياسية والإعلامية نحو قضايا رمزية مثل "إعدام الأسرى"، بما يعكس إعادة توجيه متعمّدة للاهتمام العام.
تفكك المعايير: من الدولة إلى القبيلة السياسية
الانتقادات التي صدرت من داخل المجتمع "الإسرائيلي" نفسه، بما فيها مقارنات مع رموز دعائية نازية، تكشف عن مستوى القلق من هذا الانحدار. لكن الأهم من الانتقادات هو ما تكشفه من حقيقة أعمق: لم يعد هناك إجماع على منظومة قيم مشتركة.
حين يحضر كبار ضباط الشرطة حفلاً كهذا، ويُفضّلون التقاط الصور مع الوزير على أداء واجباتهم، فإننا لا نكون أمام خلل إداري، بل أمام تفكك في مفهوم الدولة نفسه. تتحول المؤسسات إلى أدوات ولاء، وتُستبدل المهنية بالتملّق، وتُعاد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس الانتماء لا القانون.
تطبيع القسوة: من الاستثناء إلى القاعدة
الخطر الحقيقي في هذا المشهد لا يكمن في صدمته، بل في قابليته للتكرار. فالتجربة الإنسانية تُظهر أن العنف حين يُعرض بوصفه استثناءً، يثير الرفض، لكنه حين يُعاد إنتاجه في سياقات يومية—احتفالات، خطابات، رموز—يتحول تدريجياً إلى أمر اعتيادي.
في الحالة "الإسرائيلية"، يبدو أن هناك مساراً واضحاً لتطبيع القسوة:
- استخدام لغة الإبادة في الخطاب السياسي
- تحويل رموز الموت إلى أدوات تعبير شعبوي
- نقل النقاش من "هل يجب؟" إلى "متى وكيف؟"
هذا المسار لا يستهدف الفلسطينيين فقط، بل يعيد تشكيل المجتمع "الإسرائيلي" نفسه، عبر تعميم منطق الإقصاء ليشمل كل من لا ينتمي إلى هذه المنظومة الأيديولوجية، سواء كان علمانياً أو حتى من التيارات الدينية المختلفة.
اقتصاد الكراهية: كيف تُدار الأزمة داخلياً؟
في ظل غياب أفق سياسي واضح، تتحول الكراهية إلى مورد سياسي قابل للاستثمار. يتم إنتاجها عبر الإعلام، وتغذيتها عبر التشريعات، وتسويقها عبر الرموز. وهنا، تصبح "كعكة المشنقة" جزءاً من اقتصاد أوسع، يقوم على تحويل التوتر إلى رأسمال سياسي.
هذا ما يفسر الإصرار على إبقاء قضايا مثل إعدام الأسرى في صدارة المشهد، رغم عدم قابليتها للتطبيق العملي في المدى المنظور. الهدف ليس التنفيذ، بل الاستهلاك الداخلي. إنها سياسة تُدار بالعاطفة لا بالنتائج، وبالتحريض لا بالحلول.
ما يكشفه هذا المشهد، في جوهره، هو انتقال "إسرائيل" من إدارة الصراع إلى التماهي معه. لم يعد العنف أداة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبح هو الهدف بحد ذاته، أو على الأقل اللغة التي تُدار بها السياسة.
"كعكة المشنقة" ليست حادثة هامشية، بل عنوان لمرحلة تُعاد فيها صياغة القيم العامة على أساس الإقصاء والعداء. وهي، في الوقت نفسه، مؤشر على أزمة أعمق: نظام سياسي يفتقد إلى القدرة على إنتاج المعنى، فيلجأ إلى إنتاج الكراهية. في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال: لماذا حدث ذلك؟ بل: إلى أي مدى يمكن أن يذهب هذا المسار، قبل أن ينفجر في وجه أصحابه؟
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]