الثلاثاء 05 أيار , 2026 04:07

من طهران إلى أنقرة: خرائط الصراع الإقليمي بين الطاقة والجغرافيا السياسية

اردوغان ونتنياهو

شهدت منطقة غرب آسيا تحولات متسارعة منذ عملية السابع من تشرين الأول 2023 التي نفذتها حركة حماس، حيث شكّلت هذه العملية نقطة انعطاف أساسية سرّعت من وتيرة المشروع الأميركي–الصهيوني في المنطقة. فقد كشفت أحداث غزة وما تلاها من مواقف وتصريحات أميركية، لا سيما من قبل الرئيس جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، عن حقيقة الانحياز البنيوي في السياسة الأميركية لصالح "إسرائيل". ولم تعد هذه الحقيقة قابلة للتأويل، بل تم التعبير عنها بشكل صريح، سواء من خلال تأكيد بايدن أن وجود إسرائيل ضرورة استراتيجية، أو من خلال تصريحات بلينكن التي عكست تماهياً هوياتياً وسياسياً مع المشروع الصهيوني. هذا الواقع أسقط رهانات عدد من الدول العربية والإسلامية التي كانت تعوّل على إمكانية التأثير في القرار الأميركي أو تعديل اتجاهاته.

في هذا السياق، برز المسار الذي اتخذته الحرب في فلسطين ولبنان، إلى جانب الساحة السورية، كمؤشر واضح على سعي المشروع الصهيو–أميركي إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يعزز مركزية "إسرائيل" كقوة محورية في غرب آسيا، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي. ومن هنا، لا يمكن فهم التصعيد الإسرائيلي ضد تركيا بمعزل عن هذا الإطار الأوسع، خاصة في ظل التنافس الحاد على موارد الطاقة في شرق المتوسط.

تواجه تركيا، في هذا الإطار، مشروعاً إقصائياً يستهدف دورها الجيوطاقوي، يتمثل في ترتيبات إقليمية جديدة لإدارة ثروات البحر المتوسط من الغاز، ضمن ما يعرف بمنتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، الذي يضم دولاً عدة أبرزها مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، مع استبعاد واضح لتركيا. وقد جاء هذا الاستبعاد في سياق محاولة إعادة رسم خريطة الطاقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية–الأوروبية، لا سيما عبر مشروع خط أنابيب EastMed الذي يهدف إلى نقل الغاز من فلسطين المحتلة عبر قبرص واليونان وصولاً إلى أوروبا.

في مواجهة هذا المشروع، سعت تركيا إلى تحصين موقعها من خلال توقيع اتفاقية بحرية مع ليبيا، بما يسمح لها بفرض حضورها في معادلات الطاقة في المتوسط. غير أن هذا الصراع الطاقوي لا يقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل يشكّل مدخلاً أساسياً لفهم التوتر المتصاعد بين أنقرة وتل أبيب، حيث تسعى الأخيرة إلى إضعاف الدور التركي وإزاحته من معادلات الربط الطاقوي بين آسيا وأوروبا، في إطار رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى جعل إسرائيل مركزاً رئيسياً لنقل الطاقة، وهو مشروع له جذور تاريخية تعود إلى ما قبل قيام الكيان، حين كان ميناء حيفا يُستخدم كمحطة أساسية لنقل نفط العراق إلى أوروبا.

وتدرك تركيا أن موقعها الجغرافي ودورها الحيوي في خطوط الطاقة يجعل من الصعب تجاوزها دون صدامات كبرى قد تصل إلى حد المواجهة المفتوحة. فهي تمتلك حقوقاً في البحر المتوسط، وتتشابك مصالحها مع كل من سوريا وقبرص، كما أن أي محاولة لإضعافها تصب في مصلحة المشروع الإسرائيلي. ومن هنا، تتضح أهمية الساحات السورية واللبنانية، وكذلك الموقف من الحرب على إيران، ضمن الرؤية التركية التي ترى نفسها في مواجهة عدو مشترك مع هذه الأطراف.

في سياق الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي اندلعت في 28 شباط 2026، برزت محاولات صهيو–أميركية لاستخدام أوراق ضغط متعددة، كان أبرزها الورقة الكردية، إلى جانب الساحة السورية. ففيما يتعلق بالورقة الكردية، وعلى الرغم من التفاهمات التي جرت في كانون الثاني 2026 بشأن وضع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فإن تركيا تابعت بقلق إعلان تحالف يضم خمسة أحزاب كردية إيرانية معارضة، في خطوة تشير إلى وجود دعم خارجي، لا سيما من قبل الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بهدف إثارة اضطرابات داخل إيران. وقد ترافقت هذه التحركات مع تصعيد في الخطاب الإسرائيلي، وصل إلى حد التهديد المباشر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إطار تصور صهيو–أميركي بأن إيران قد أُنهكت وأن الدور المقبل قد يكون موجهاً نحو تركيا.

أما في الساحة السورية، فقد لعبت تركيا دوراً محورياً في التحولات التي شهدتها البلاد، خاصة بعد الإطاحة بالنظام السابق في 8 كانون الأول 2024، وصعود الرئيس أحمد الشرع، الذي اعتبره دونالد ترامب إنجازاً يُحسب لأردوغان. غير أن هذا الدور التركي يتقاطع مع مشروع إسرائيلي يسعى إلى تفكيك سوريا وإضعافها، وهو ما تجلّى في استهداف بنيتها التحتية واحتلال أجزاء من أراضيها، وصولاً إلى جبل الشيخ، تحت ذرائع متعددة، منها حماية الأقليات.

ورغم التصريحات الرسمية السورية التي تؤكد انتهاء مرحلة الحرب الداخلية، فقد شهدت الساحة الإعلامية نشاطاً مكثفاً لترويج أخبار عن حشود عسكرية سورية على الحدود اللبنانية، في سياق يوحي بإمكانية اندلاع مواجهة مع حزب الله. وقد اعتمدت هذه الحملات على مصادر غير موثوقة ومنصات التواصل الاجتماعي، ما ساهم في خلق حالة من التوتر والتشويش، ودفع بعض الأوساط إلى تبني مواقف متسرعة تخدم في نهاية المطاف المشروع الإسرائيلي القائم على تفجير الساحات الداخلية.

تشير هذه المعطيات إلى أن الورقتين الكردية والسورية شكّلتا رهاناً أساسياً في الاستراتيجية الصهيو–أميركية، حيث تهدف الأولى إلى زعزعة الاستقرار داخل إيران، وربما تمهيد الطريق لإعادة رسم خريطة المنطقة عبر مشروع كردستان الكبرى، التي قد تمتد على حساب أراضي إيران وتركيا والعراق. أما الورقة الثانية، فتستهدف الساحة اللبنانية من خلال إثارة نزاعات طائفية تؤدي إلى استنزاف قوى المقاومة، وخلق فراغ جغرافي يسمح لإسرائيل بالتوسع نحو الساحل اللبناني، في إطار رؤية تاريخية تمتد من الليطاني إلى الأولي، وتستلزم إضعاف البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمعين اللبناني والسوري.

في ضوء ذلك، تدرك تركيا خطورة هذه التحديات، وتسعى إلى احتواء تداعياتها من خلال تحركات دبلوماسية وأمنية مكثفة، تهدف إلى منع تحول هذه الأوراق إلى أدوات استنزاف ضدها. ويبرز في هذا السياق عدد من التوصيات الاستراتيجية، أبرزها تعزيز التنسيق مع دول الجوار، خاصة العراق وإيران، بما يشكل عمقاً استراتيجياً قادراً على مواجهة التحديات المشتركة. كما يُطرح خيار بناء محور إقليمي يضم تركيا والعراق وإيران، بهدف منع تقسيم المنطقة والتصدي للمشاريع الانفصالية.

إلى جانب ذلك، تبرز أهمية العمل المشترك لضمان استقرار سوريا ولبنان، من خلال سياسات تعزز مناعتهما الداخلية وتمنع انزلاقهما نحو الفوضى. كما يُوصى بالاستفادة من الوجود الروسي في المنطقة، مع السعي إلى تعديل سياساته بما يتلاءم مع التوازنات الجديدة، خاصة في ظل دوره السابق في تسهيل بعض التحركات الإسرائيلية في سوريا.

وأخيراً، يُشدد على ضرورة دعم سوريا اقتصادياً، بما يساهم في معالجة أزماتها التنموية والمعيشية، ويحول دون سقوطها في فخ التطرف، الذي يستفيد من بيئات الفقر والجهل والتهميش، ويُستخدم كأداة لتفكيك الدول من الداخل. وبذلك، يتضح أن الصراع الدائر في المنطقة يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية، ليصبح صراعاً مركباً على النفوذ والطاقة والجغرافيا السياسية، في ظل سعي حثيث لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالح القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور