بلغت "إيران الإسلاميّة" ذروة التمسك بسيادتها وهي تقبض على جمر عزّتها بسخاء أعلى هرم قيادتها المجبول بشهداء الطفولة في مدرسة ميناب إبان الشروع بالجولة الثانية من المواجهة المباشرة مع شياطين الأرض، وها هي تتأهّب لصد الجولة الأميركيّة_الإسرائيليّة الثالثة عليها، ليس دفاعًا عن دولتها "أرضًا وشعبًا وسلطة" فحسب، بل لإعادة انتظام الواقع الجيوسياسي في منطقة غرب آسيا، وموازين العلاقات الدولية فيها.
أثبتت "إيران الإسلاميّة" في كافة عقودها رغم تقلّب أجنحتها وديناميّات اجتماعها السياسي الداخلي، أن وجهها المقاوم والداعم للمستضعفين، هو رأسمال ثورتها الأمضى ونبض كرامتها الوطنيّة، تحت قيادة راسخة الموقف، وشعب شديد الصلة بحضارته التي يتهددها "دونالد ترامب" بـ"الإبادة على وجه الأرض".
لم تمارس نفاقًا ثوريًّا ولا براغماتية تجافي عقيدتها، واستندت بمصالحها على الدوام إلى منطلقاتها التأسيسيّة مع حفظ حدودها ومواردها الطبيعية، وبناء اقتدارها، بمثابرة شبابها أصحاب المواهب الإلهيّة في العلم والتكنولوجيا والإبداع في مجالات التقدّم والتنمية.
المفاوضات أم ميدان النار؟
حرصت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة على تظهير التزامها الصادق بالقانون الدولي وبالضوابط الدولية لوكالة الطاقة الذريّة، وأبدت على الدوام تعاونًا مرنًا تحت سقف سيادتها وحقوقها الطبيعيّة. مارست قناعاتها الدبلوماسيّة مع استفادتها القصوى من الوقت لناحية دقة التعامل مع المفاوضات وبشكل موازي لناحية استعدادها للأسوأ مع تغليبها سوء الظن بالعدو الأميركي [Ak1] لانقلاباته السابقة ونكثه الدائم للعهود والمواثيق.
أسندت "طهران" أمد المفاوضات، باقتراحات لا تحمّلها المسؤولية بإفشال مساعي جارتها "إسلام آباد"، مبتكرة الكلام عن المراحل، دون التنازل عن جوهر نقاطها العشر"العقوبات، التعويضات، وقف نهائي للحرب، المسألة النووية، مضيق هرمز،...".
جاءت رسالة السيد مجتبى الخامنئي حول آلية إدارة مضيق هرمز لتبعث الطمأنينة إلى جيرانه من دول الخليج في سبيل مد يد التعاون والأمن والازدهار الاقتصادي، جازمًا، بأنه "أصبح واضحًا أن التواجد الأمريكي في المنطقة هو سبب رئيسي للاضطرابات، ولن تكون له أي فرصة لتأمين المنطقة مجددًا، ففاقد الشيء لا يعطيه.
ثم استتبع الحرس الثوري الإيراني تلك الرسالة، بكشفه عن خريطة جديدة لمضيق هرمز تحت سيطرة القوات المسلحّة لتشتمل على جنوب الخط الواصل بين جبل مبارك في إيران وجنوب الفجيرة في الإمارات العربيّة المتحدة، وغرب الخط الواصل بين رأس جزيرة قشم في إيران وأم القيوين في الإمارات العربيّة المتحدة، وهي خطوة تكشف عن قدرة التحكّم الإيرانيّة من جهة، وعن هشاشة ادعاءات ترامب"ليس لدى إيران بحريّة ولا قوات جوية ولا رادارات ولا قادة"؛ مع تأكيد المتحدّث باسم لجنة الأمن والسياسة الخارجيّة في البرلمان الإيراني "إبراهيم رضائي" بأن "مضيق هرمز لم يغلق بتغريدة لكي يفتح بتغريدة"؛ وعليه سينتهي فتح مضيق هرمز بسيادة إيران ورئاستها للمضيق.
خفض الإنتاج والاستعداد للأسوأ
من جهة أخرى، أعلنت الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة خفض الإنتاج الاستباقي والقدرة التخزينيّة للنفط (أي الحد الأقصى للنفط الخام الذي يمكن لإيران تخزينه في صهاريج برية داخل مصافي التكرير ومستودعات النفط، وفي ناقلات عملاقة راسية تستخدم كتخزين عائم).
إن تقليل الكميّة المستخرجة يوميًّا لتتناسب مع المساحة المتاحة في المخازن هو ضرورة تقنية لتجنب تراكم النفط فيها، يكشف عن وجود تخطيط مركزي في "طهران" كاستجابة منطقيّة لإدارة الحصار الأمريكي طويل الأمد وآثاره، بدلاً من الوصول إلى أزمة امتلاء حادة، ولترتيب عمليات تهريب النفط عبر وسطاء أو سفن مجهولة الهوية، مانعةً من الانهيار الكامل للبنية التحتية النفطية مما قد يضطرها لإيقاف الآبار النفطية فجأة، ما يسبب ضررًا دائمًا ويفقدها القدرة على استئناف الإنتاج لاحقًا.
وهي رسالة لواشنطن بإمكانيّة التعايش مع استمرار الحصار لفترة طويلة، وأن الحل مرهون بإنهاء الحصار، وليس انتظار انهيار إيران أو استسلامها.
الباب مفتوح على الحرب المفروضة
بين دراسة المقترح الإيراني وترك الباب مفتوحًا على الحرب المفروضة، يتأرجح ترامب مقامرًا وهو يتبجّح بامتلاكه كافة الأوراق، مع ترجيح ذهابه إلى الحرب.
إن إبرامه صفقات تسليح بمليارات الدولارات لكل من "إسرائيل" وقطر والإمارات والكويت، واعتداده بقيامه بأعظم مناورة عسكرية في التاريخ بحصار إيران، وإعلانه أن هذا الحشد العسكري في المنطقة مستمر، وإعلان القيادة المركزيّة الأمريكيّة (سنتكوم) عن عزمها نشر طائرات ومدمرات ونحو 15 ألف جندي عند الشروع بـ"مشروع الحرية" بغية إخراج السفن العالقة في مضيق هرمز. كلها وغيرها مؤشرات ترجّح استئناف العمليات القتاليّة.
إن هذا العالم الذي يقع بين فكيّ الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على غرب آسيا، والاشتباك الروسي_الغربي في أوكرانيا، يطرح أسئلة حول كفاءة أمريكا في مواجهة الصين، بينما يندهش البعض من سحبها قواتها من ألمانيا كمؤشر يتجاوز كونه مجرد خطوة عسكريّة تقنية إلى تساؤلات حول التباينات وربما التوترات داخل حلف شمال الأطلسي.
يبدو أن تراجع قدرة الولايات المتحدة الأميركيّة على إدارة النظام الدولي يتعزّز، بينما تبرز استعراضيّة "مجلس السلام" الذي أعلنه ترامب، وكذلك فشل الدعوات المتكررة لتحشيد حلف مضاد لإيران.
لم يعد أمام "ترامب" رفاهية الوقت، وسيتفاجأ بتأهب طهران وحلفائها للرد الإيلامي غير المسبوق في مواجهة جولته العدوانيّة الثالثة بالتحالف مع العدو الإسرائيلي ومن يلتحق بهما؛ إلى الميدان در...