تشكل مسألة التفاوض بين لبنان والكيان الإسرائيلي واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في تاريخ الصراع، إذ ترتبط مباشرة بمفاهيم السيادة، والردع، والخيارات الاستراتيجية للدولة اللبنانية. وقد شهد هذا المسار تحولات متعددة، عكست في جوهرها طبيعة موازين القوى، ومدى قدرة لبنان على توظيف عناصر القوة في مواجهة الضغوط الخارجية، لا سيما الأميركية منها.
برز في الآونة الأخيرة اتجاه نحو التفاوض المباشر مع الكيان، وهو ما اعتُبر تحولاً استراتيجياً يتجاوز الإطار التقليدي للمبادرات العربية، كما يتخطى القيود القانونية والدستورية اللبنانية، فضلاً عن كونه يأتي في سياق تراجع الرهان على فشل الخيار العسكري الإسرائيلي كرافعة تفاوضية. هذا التحول لم يكن معزولاً عن الضغط الأميركي، بل جاء مترافقاً مع توجهات داخلية توصف بالارتهان للخارج، ما أتاح للكيان الإسرائيلي فرصة الخروج من مأزقه العسكري، خصوصاً بعد عجزه عن تحقيق أهدافه في مواجهة المقاومة، سواء لجهة نزع سلاحها أو التقدم البري نحو نهر الليطاني.
في المقابل، ينظر الكيان الإسرائيلي إلى التفاوض كأداة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية، وليس كمسار تقليدي لتسوية النزاعات. فهو يسعى من خلال ما يسمى "التفاوض تحت النار" إلى فرض ترتيبات أمنية تضمن هيمنته جنوب الليطاني، وتعيد تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية بما يؤدي إلى فصل لبنان عن محور المقاومة، وتقليص دور حزب الله كقوة ردع.
يُعرّف التفاوض المباشر بأنه آلية دبلوماسية تقوم على الحوار المباشر بين الأطراف المتنازعة دون وسيط، ويهدف عادة إلى إنهاء النزاعات أو تنظيمها من خلال اتفاقيات هدنة أو سلام. إلا أن هذا النوع من التفاوض، رغم شرعيته القانونية الدولية، يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضرورة توافر توازن نسبي في القوة بين الأطراف، وإلا تحوّل إلى أداة لفرض شروط الطرف الأقوى. كما أنه يحمل مخاطر سياسية، منها تفسيره كاعتراف بالعدو، وزيادة الضغوط الداخلية، واحتمال فشله السريع بسبب التعقيدات المباشرة.
في المقابل، تبرز الوساطة كخيار بديل، حيث يتدخل طرف ثالث لتقريب وجهات النظر وتسهيل التوصل إلى اتفاق. وغالباً ما يُفضّل هذا الخيار في النزاعات المعقدة أو الحساسة سياسياً، لأنه يخفف من الضغوط المباشرة ويمنح الأطراف هامشاً للمناورة. ويندرج ضمن هذا الإطار التفاوض غير المباشر، الذي يسمح بتحقيق تفاهمات عبر وسيط دون لقاء مباشر، ما يجعله مناسباً في حالات عدم الاعتراف السياسي أو وجود ضغوط داخلية.
على الصعيد القانوني، يجرّم لبنان أي شكل من أشكال التواصل مع الكيان الإسرائيلي، استناداً إلى قانون مقاطعة "إسرائيل" لعام 1955، إضافة إلى مواد في قانون العقوبات تعاقب على التخابر والتعاون مع العدو. كما تفرض النصوص الدستورية قيوداً على صلاحيات السلطة التنفيذية في عقد المعاهدات، حيث تتطلب موافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب، ما يجعل أي مسار تفاوضي خاضعاً لضوابط قانونية صارمة.
تاريخياً، شهد لبنان عدة تجارب تفاوض مباشر مع الكيان، كان أبرزها اتفاق هدنة عام 1949، الذي أرسى حالة من الهدوء النسبي لمدة تقارب 18 عاماً، قبل أن يُخرق من قبل "إسرائيل" خلال حرب 1967. وقد أدى هذا الخرق إلى تآكل الثقة بالآليات الدولية، وإضعاف الردع الأممي، وتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة غير مستقرة، فضلاً عن استمرار الاعتداءات واحتلال مناطق مثل مزارع شبعا.
أما اتفاق 17 أيار 1983، الذي جاء بعد اجتياح 1982، فقد شكّل نموذجاً صارخاً على التداعيات السلبية للتفاوض المباشر، إذ تضمن ترتيبات أمنية قيدت السيادة اللبنانية، وكرّست هيمنة أمنية إسرائيلية، وأدخلت لبنان في مسار تطبيعي أثار انقساماً داخلياً حاداً، انتهى بإسقاط الاتفاق وإلغائه.
وفي تسعينيات القرن الماضي، شارك لبنان في مؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن، إلا أن هذه المسارات لم تحقق نتائج ملموسة، لا لجهة انسحاب الاحتلال ولا لضمان الأمن، ما يعكس محدودية فعالية التفاوض المباشر في ظل اختلال موازين القوى.
أما في أبريل 2026، فقد عُقدت جولتان من التفاوض المباشر برعاية أميركية، دون تحقيق أي إنجاز فعلي للبنان، سواء في وقف العدوان أو الانسحاب أو إعادة الإعمار. في المقابل، استفاد الكيان من هذه الجولات لتكريس شروطه، وطرح مطالب تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وإنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني، بل وفرض وقائع ميدانية مثل "الخط الأصفر" الذي يمنع عودة السكان إلى عشرات القرى.
في المقابل، تُظهر تجارب التفاوض غير المباشر نتائج مختلفة جذرياً، حيث استطاع لبنان، مدعوماً بقوة المقاومة، تحقيق مكاسب ملموسة، أبرزها صفقات تبادل الأسرى التي بدأت منذ عام 1991 واستمرت حتى 2008، وصولاً إلى مسارات لاحقة عام 2025. وقد كرّست هذه العمليات معادلة "الأسرى مقابل الأسرى"، وأثبتت قدرة المقاومة على فرض شروطها رغم اختلال موازين القوى.
كما شكّل تفاهم نيسان 1996 محطة مفصلية، إذ وضع قواعد اشتباك حدّت من استهداف المدنيين، وعززت شرعية المقاومة دولياً. أما اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، فقد منح لبنان حقوقاً اقتصادية مهمة، لا سيما في حقل قانا، وجاء نتيجة ضغط ميداني فعّال فرضه حزب الله، ما يؤكد دور القوة في تحقيق المكاسب التفاوضية.
كذلك، لعب القرار 1701 دوراً مهماً في تثبيت وقف الأعمال القتالية بعد حرب 2006، مع الحفاظ على قدرة المقاومة، وتعزيز الردع، وعودة النازحين، رغم الخروقات الإسرائيلية اللاحقة.
وعند المقارنة بين المسارين، يتضح أن التفاوض غير المباشر، المدعوم بعناصر القوة، أدى إلى حماية السيادة، واستعادة الحقوق، وتعزيز الردع، بينما أفضى التفاوض المباشر، في ظل غياب هذه العناصر، إلى نتائج عكسية، شملت تآكل القدرة الدفاعية، وعدم تحقيق الانسحاب، وفتح المجال أمام الضغوط الخارجية.
خلاصة القول، إن التجربة اللبنانية تُظهر بوضوح أن فعالية التفاوض لا ترتبط بنوعه بقدر ما ترتبط بامتلاك أوراق القوة. فحين توفرت هذه الأوراق، كما في حالات التفاوض غير المباشر، استطاع لبنان تحقيق إنجازات استراتيجية، أما في غيابها، فقد تحوّل التفاوض المباشر إلى أداة ضغط وإملاء. ومن هنا، فإن أي مسار تفاوضي مستقبلي يجب أن ينطلق من معادلة القوة والردع، لا من موقع الضعف أو الاستجابة للضغوط الخارجية.
الكاتب: غرفة التحرير