شهدت الساحة اللبنانية خلال الساعات الأخيرة تطورات متسارعة على المستويات العسكرية والإعلامية والسياسية، عكست استمرار التوتر الميداني في الجنوب، وتصاعد السجالات الداخلية، في ظل واقع أمني هش رغم الحديث عن وقف إطلاق نار.
على المستوى العسكري، واصلت المقاومة في لبنان عملياتها ردًا على خروقات جيش الاحتلال الإسرائيلي لوقف إطلاق النار المزعوم، محققة إصابات مؤكدة في صفوفه. وقد برز استخدام المسيّرات الانقضاضية كعنصر أساسي في هذه العمليات، حيث تحوّلت إلى ما يشبه الكابوس بالنسبة لقيادة العدو، نظرًا لدقتها وصعوبة التصدي لها. وفي هذا السياق، استهدفت المقاومة تجمعات لآليات وجنود جيش الاحتلال في بلدة البياضة مرتين، الأولى بواسطة مسيّرة انقضاضية والثانية بقذائف المدفعية، كما استهدفت البلدة نفسها مجددًا عبر استهداف كاميرا مراقبة حديثة في مقر قيادي باستخدام محلّقة انقضاضية، إضافة إلى استهداف آلية “نميرا” تقل طاقمًا قياديًا عبر مسيّرة مماثلة.
وامتدت العمليات إلى بلدة القنطرة، حيث جرى استهداف تجمعات لجنود وآليات الاحتلال مرتين باستخدام الأسلحة الصاروخية، فضلًا عن استهداف محيط مدرسة بلدة حولا بصلية صاروخية. كما قصفت المقاومة تجمعات لجنود الاحتلال في بلدة الناقورة عبر سرب من المسيّرات الانقضاضية على دفعتين، في تصعيد واضح في وتيرة ونوعية العمليات. كذلك، تم استهداف موقع "بلاط" المستحدث في جنوب لبنان بقذائف المدفعية، إلى جانب قصف مقر قيادي لجيش الاحتلال في بلدة البياضة بصلية صاروخية.
في المقابل، عكست وسائل إعلام العدو حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد أفادت القناة 14 العبرية بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عقد اجتماعًا أمنيًا عاجلًا لبحث خطر المسيّرات المتفجرة التابعة لحزب الله، مع تركيز خاص على المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، التي تتمتع بمناعة عالية ضد التشويش الإلكتروني. وأشارت إلى أن هذا النوع من السلاح كان مسؤولًا عن هجمات دامية ضد قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، وأن الخبراء سيعرضون خلال النقاش صعوبة إيجاد استجابة تكنولوجية شاملة لهذا التهديد، حيث تعتمد الإجراءات الحالية بشكل أساسي على وسائل دفاع سلبية كالشبكات والحواجز، وهي حلول غير محصنة بالكامل وفق توصيف الجيش نفسه.
بدورها، نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن مصدر أمني رفيع إقراره بحالة الحرج التي يشعر بها الجيش الإسرائيلي نتيجة عجزه في مواجهة تهديد المسيّرات في جنوب لبنان. وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة في حكومة العدو تسجيل عشر إصابات في صفوف الجيش يوم السبت في الثاني من أيار 2026، ليرتفع إجمالي الإصابات التي دخلت المستشفيات منذ اندلاع الحرب إلى 8574 إصابة، فيما بلغ عدد الإصابات المسجلة في مستشفيات الجبهة الشمالية وحدها، أي بعد وقف إطلاق النار مع إيران في الثامن من نيسان، 673 إصابة.
أما على صعيد الاعتداءات على المدنيين، فرغم إعلان وقف إطلاق النار، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على المناطق اللبنانية، لا سيما في الجنوب، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا. ووفق المعطيات، فقد قُتل 324 مدنيًا منذ 17 نيسان وحتى الأول من أيار، في ظل اتهامات بتغطية رسمية لهذه العمليات تحت عنوان "العمليات الاستباقية". كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع إجمالي عدد الشهداء إلى 2679، بينهم 186 طفلًا و260 امرأة و103 من المسعفين والأطباء، إضافة إلى 8229 جريحًا، ما يعكس حجم الكلفة الإنسانية المتفاقمة.
سياسيًا، تواصلت تداعيات الفيديو الذي بثته قناة "أل بي سي" عبر منصة "إكس"، والذي أثار موجة من التوتر الطائفي بعد اعتباره مسيئًا لمقدسات وشخصيات دينية. ورغم طلب النيابة العامة التمييزية حذف الفيديو، استمر عدد من الناشطين والإعلاميين المحسوبين على ما يوصف بالحلف الأميركي في لبنان في إعادة نشره والترويج لمحتواه، ما زاد من حدة الاحتقان. وفي هذا الإطار، أصدرت العلاقات الإعلامية في حزب الله بيانًا انتقدت فيه إصرار صحيفة "النهار" على مواصلة ما وصفته بالنهج التحريضي، معتبرة أن الاتهامات المنشورة تتجاهل مواقف الحزب المعلنة الرافضة لأي إساءة دينية أو رمزية، وتندرج في إطار تأجيج التوترات الداخلية. ودعا البيان الحكومة ووزارة الإعلام والأجهزة القضائية والأمنية إلى تحمل مسؤولياتها ووضع حد لهذه التجاوزات.
وفي سياق داخلي متصل، استغلت بعض الوسائل الإعلامية حادثة إطلاق نار في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال تشييع شهداء، للإيحاء بوجود توتر بين الأهالي والجيش اللبناني. إلا أن الوقائع، بحسب بيان الجيش، تشير إلى أن إطلاق النار استدعى تدخل الجيش لضبط الأمن، حيث نفذت وحداته عمليات دهم وتسيير دوريات وإقامة حواجز، وتم توقيف أحد مطلقي النار وضبط أسلحة وذخائر، دون تسجيل أي عرقلة لعمله. ويُشار إلى أن حادثة مشابهة وقعت في عين سعادة خلال تشييع عناصر من القوات اللبنانية، حيث شهدت إطلاق نار كثيفًا دون أن تلقى الإدانة نفسها، في وقت يؤكد حزب الله سعيه لضبط هذه الظاهرة في مناطقه.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات واقعًا مركبًا يجمع بين تصعيد ميداني مستمر، وأزمة داخلية سياسية وإعلامية، في ظل غياب أفق واضح للتهدئة الشاملة.
الكاتب: غرفة التحرير