الخميس 30 نيسان , 2026 02:39

تكتيك النقاط القاتلة: المقاومة تعيد رسم مشهد المواجهة

جنود الجيش الإسرائيلي

يشير تقييم الوضعية العامة للجبهة اللبنانية ليوم الأربعاء التاسع والعشرين من نيسان ألفين وستة وعشرين إلى تحوّل نوعي في طبيعة المواجهة، حيث نجحت المقاومة الإسلامية في تثبيت معادلة ميدانية جديدة يمكن وصفها بـ"الردع النقطوي"، أي الانتقال من الرد التقليدي إلى إدارة استنزاف دقيقة تستهدف نقاط ضعف العدو بشكل مباشر. هذا التحول لم يأتِ فقط في سياق ردّ على الاعتداءات الإسرائيلية، بل كإعادة صياغة لطبيعة الاشتباك، بحيث تتحول عمليات التدمير التي ينفذها الاحتلال في القرى الحدودية إلى أفخاخ قاتلة تستنزف قواته البشرية وآلياته العسكرية، وتجعله يدفع كلفة مباشرة لكل خطوة ميدانية يقوم بها .

في المقابل، يعكس المشهد الإسرائيلي حالة واضحة من الارتباك والإحباط، سواء على المستوى العسكري أو الإعلامي، نتيجة العجز عن مواجهة سلاح جديد نسبياً تمثل في المُحلّقات الانقضاضية الموجهة بالألياف البصرية. هذا السلاح، الذي يتميز بغياب البصمة الإلكترونية والرادارية، نجح في تعطيل منظومات الرصد والتشويش الإسرائيلية، ما أدى إلى إرباك عميق في بنية القرار العملياتي لدى جيش الاحتلال. وبالتوازي مع هذا الإخفاق، برزت مخاوف إسرائيلية متصاعدة من الانزلاق مجدداً إلى نموذج "الحزام الأمني"، حيث باتت القوات الإسرائيلية محصورة في نطاقات ضيقة وتعمل ضمن بيئة معادية ومكلفة، الأمر الذي دفع القيادة العسكرية إلى سحب وحدات أساسية مثل الفرقة ثمانية وتسعين، بعد أيام فقط من سحب الفرقة مئة واثنين وستين، مع الإبقاء على الفرقة ستة وثلاثين كقوة مناورة وحيدة، في مؤشر واضح على تقليص الطموح العملياتي ومحاولة الحد من الخسائر .

ميدانياً، نفذت المقاومة سلسلة عمليات دقيقة عكست مستوى عالياً من التنسيق والاستخبار، حيث استهدفت خلال فترة زمنية قصيرة عدداً من دبابات "ميركافا" في بلدة القنطرة باستخدام محلّقات انقضاضية، تبعها قصف صاروخي لتجمعات الجنود، وعمليات إضافية طالت آليات وتجمعات أخرى في بلدات متعددة. هذه العمليات لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن نمط واضح من الاستهداف المركّز الذي يهدف إلى ضرب القوة الصلبة للعدو، لا سيما الدروع والتجمعات البشرية، بما يعزز من فعالية الاستنزاف ويؤكد سيطرة المقاومة على مسرح العمليات رغم التفوق الناري الإسرائيلي .

في المقابل، وبدلاً من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، واصل الاحتلال اعتماد سياسة "الأرض المحروقة"، مستهدفاً البنية المدنية من منازل ومؤسسات في عدد كبير من القرى والبلدات الجنوبية. وقد شملت هذه الاعتداءات عمليات تفجير وتفخيخ للمنازل، إضافة إلى غارات جوية مكثفة وقصف مدفعي، في محاولة لتأمين غطاء للوحدات الهندسية العاملة على تدمير القرى. هذا السلوك يعكس انتقال العدو من محاولة تحقيق أهداف عسكرية واضحة إلى اعتماد استراتيجية عقابية تستهدف البيئة الحاضنة للمقاومة، في ظل عجزه عن تحقيق إنجازات ميدانية حقيقية .

أما على مستوى التكتيكات، فقد أظهرت المقاومة قدرة لافتة على الابتكار، حيث اعتمدت بشكل أساسي على المُحلّقات الموجهة بصرياً، التي شكّلت نقطة عمياء في منظومة الدفاع الإسرائيلية. كما طورت تكتيك "الكمائن الجوية"، من خلال إبقاء هذه المُحلّقات في حالة كمون قبل الانقضاض على الأهداف عند رصد أي حركة، ما جعل كل تحرك إسرائيلي محفوفاً بالمخاطر. وإلى جانب ذلك، برز مفهوم "الاستنزاف الموجه"، حيث تم التركيز على أهداف ذات قيمة عالية مثل الدبابات والتجمعات، بما يعكس مستوى متقدماً من العمل الاستخباري والتحكم الميداني .

في المقابل، كشفت ردود فعل العدو عن حالة من التخبط البنيوي، حيث اعترف بعدم جاهزيته لمواجهة هذا النوع من التهديدات، رغم توفر مؤشرات سابقة منذ سنوات. وقد انعكس هذا العجز في التعليمات البدائية التي أعطيت للجنود، مثل مراقبة السماء وإطلاق النار بشكل عشوائي، وهو ما يعكس تراجعاً في فعالية المنظومات التكنولوجية المتقدمة. كما أن لجوء الجيش إلى استخدام وسائل بدائية مثل الذخائر المتشظية أو نصب الشباك المعدنية فوق المواقع، يشير إلى انهيار منظومات الدفاع الجوي في مواجهة هذا التهديد الجديد .

ومن أبرز مظاهر هذا الإخفاق أيضاً، ما يتعلق بعمليات الإخلاء الطبي، حيث اضطرت القيادة إلى تقليص زمن بقاء المروحيات في مناطق الاشتباك، خوفاً من استهدافها، ما يعني عملياً فقدان السيطرة الجوية في الطبقات المنخفضة. هذا الواقع يضع الجنود في حالة نفسية صعبة، إذ يدركون أن عملية إنقاذهم قد تكون محفوفة بالمخاطر أو غير مضمونة، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة عاشها الجيش الإسرائيلي في حروب سابقة.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن المقاومة نجحت في فرض إيقاع المعركة، ليس فقط من خلال العمليات، بل عبر التحكم في مستوى التهديد والضغط النفسي على العدو. في المقابل، يجد الاحتلال نفسه أمام معضلة استراتيجية معقدة؛ فالبقاء في مواقعه الحالية يعني الاستنزاف المستمر، والتقدم نحو العمق يبدو مكلفاً وغير مضمون، في حين أن الانسحاب يحمل في طياته دلالات هزيمة واضحة. وبين هذه الخيارات، يبدو أن العدو سيلجأ إلى تصعيد عمليات التدمير الجوي كوسيلة ضغط، رغم محدودية تأثيرها على المعادلة الميدانية.

في الخلاصة، تعكس هذه التطورات انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة، عنوانها التفوق التكتيكي للمقاومة مقابل التخبط الاستراتيجي للعدو، حيث لم تعد الكلفة العسكرية قابلة للاحتواء بالنسبة للاحتلال، في ظل سلاح بسيط نسبياً لكنه فعال، يفرض معادلات ميدانية معقدة ويعيد تشكيل ميزان الردع في الجنوب اللبناني.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور