الإثنين 27 نيسان , 2026 03:59

"إسرائيل" تعيد رسم غزة بالدم والحصار وسط صمت دولي ثقيل

جنود الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة

يشهد قطاع غزة في المرحلة الراهنة تصعيداً ميدانياً متدرجاً يعكس تحوّلاً واضحاً في سلوك الاحتلال الإسرائيلي، من الالتزام الشكلي باتفاق وقف إطلاق النار إلى إدارة حالة اشتباك منخفض الشدة ولكن عالي التأثير. هذا التحول لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد ليشمل أدوات اقتصادية واجتماعية وأمنية، بما يشير إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع داخل القطاع بصورة منهجية.

فعلى المستوى الميداني، تكشف الوقائع المتلاحقة عن نمط عملياتي يعتمد على الضربات الموضعية والتوغلات المحدودة، بالتوازي مع استهداف مباشر للبنية المدنية والأمنية. وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت وتيرة هذه العمليات، حيث نُفذت سلسلة من الاغتيالات عبر الطائرات المسيّرة مما أدى إلى استشهاد أكثر من 30  مواطنًا، واستُهدفت مواقع مدنية وأمنية في مناطق متفرقة، من خانيونس إلى بيت لاهيا، مروراً بحيّ النصر والشيخ رضوان. ويعكس هذا النمط حرصاً على إبقاء مستوى التصعيد دون عتبة الحرب الشاملة، مع تحقيق أكبر قدر من الضغط الميداني والنفسي.

في السياق ذاته، تترافق هذه العمليات مع سياسة نارية مستمرة في المناطق الشمالية والشرقية من القطاع، لا سيما في محيط بيت لاهيا ومخيم جباليا وحيّ الزيتون. ويؤدي هذا الواقع إلى خلق بيئة طاردة للسكان، حيث تتحول عمليات القنص وإطلاق النار العشوائي إلى أداة يومية لدفع الأهالي نحو النزوح مجدداً، بما يعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار السكاني.

أما التطور الأكثر دلالة، فيتمثل في إعادة ترسيم ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، عبر توسيعه ميدانياً والتوغل في مناطق جديدة شرق دير البلح وخان يونس. هذه الخطوة تعكس توجهاً عملياً لإعادة تعريف الحدود الفعلية للسيطرة داخل القطاع، بما يتجاوز ما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار، ويؤسس لواقع جغرافي جديد يُفرض بالقوة.

في المقابل، يتضح أن هذا المسار لا يجري بصورة عشوائية، بل يرتبط برؤية أوسع تستهدف إعادة تشكيل موازين القوة داخل غزة. ويمكن رصد ثلاثة مسارات رئيسة في هذا الإطار:

أولاً، المسار الاقتصادي، حيث تم تقليص تدفق المساعدات والبضائع إلى مستويات أدنى بكثير من المتفق عليه، إلى جانب منع إدخال سلع ذات طابع إيرادي، ما أدى إلى إضعاف القدرة المالية للجهات الحاكمة في القطاع. كما يتقاطع ذلك مع الضغوط المفروضة على عمل المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها وكالة "الأونروا"، بما يحدّ من قدرتها على القيام بدورها الإغاثي.

ثانياً، المسار الاجتماعي، الذي يتجلى في استمرار استهداف المدنيين، وما يرافقه من تداعيات إنسانية مباشرة، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة. ويؤدي هذا الواقع إلى خلق حالة من الضغط المجتمعي الداخلي، قد تنعكس على طبيعة العلاقة بين السكان والجهات القائمة على إدارة القطاع.

ثالثاً، المسار الأمني، حيث يتم استهداف الأجهزة الأمنية بشكل متكرر، سواء عبر قصف مقارها أو ملاحقة عناصرها. ويهدف ذلك إلى تقويض قدرتها على ضبط الوضع الداخلي، وفتح المجال أمام مظاهر الفوضى، بما ينعكس سلباً على الاستقرار العام.

ضمن هذا الإطار، يمكن القول إن ما يجري يتجاوز كونه خرقاً متكرراً لاتفاق وقف إطلاق النار، ليصل إلى مستوى إعادة تعريف هذا الاتفاق عملياً. فبدلاً من الانتقال إلى مراحل تنفيذية لاحقة، يجري تفريغ الاتفاق من مضمونه تدريجياً، مع الحفاظ على غطائه الشكلي.

في الوقت ذاته، يلفت الانتباه غياب ردود فعل دولية فاعلة إزاء هذه التطورات، حيث يقتصر الموقف الدولي في معظمه على المتابعة دون تدخل ملموس. ويمكن تفسير ذلك جزئياً بانشغال الأطراف الدولية بملفات إقليمية أخرى، ما أتاح هامشاً أوسع للتحرك "الإسرائيلي" دون ضغوط حقيقية.

في المحصلة، تعكس المعطيات الحالية انتقالاً من حالة "وقف النار" بوصفها إطاراً لاحتواء التصعيد، إلى "إدارة النار" كأداة لإعادة تشكيل الواقع الميداني والسياسي في قطاع غزة. وهو تحول يطرح تساؤلات مفتوحة حول مستقبل هذا المسار، وإمكانية استمراره في ظل غياب توازن ضاغط يعيد ضبط إيقاعه.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور