الخميس 23 نيسان , 2026 05:33

فن التفاوض الذي يفتقده لبنان

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي

حكيَ وسيُحكى عن التفاوض بين السلطة في لبنان والكيان المؤقت في فلسطين المحتلة. مفاوضات استجداها لبنان الرسمي في زمنٍ كانت فيه المقاومة تكتب فصولاً من معادلات الردع، بينما كانت السلطة تفتقد التوازن ووضوح الرؤية. في المقابل، يدخل الكيان المؤقت إلى أي طاولة تفاوض مسلحًا بتاريخ طويل من إدارة الصراع، لا من حله، ومتمرسًا في تحويل اللغة إلى أداة هيمنة، لا وسيلة تفاهم.

منذ عام 1948، لم تكن العلاقة مع هذا الكيان مجرد نزاع حدودي. كانت مسارًا مفتوحًا من الضغوط والاعتداءات ومحاولات فرض الوقائع. ومع ذلك، يذهب لبنان الرسمي إلى التفاوض بأدوات ناقصة، وبفريق لا يعكس دائمًا حساسية الملف ولا تعقيداته. هنا لا نتحدث فقط عن خلل في ميزان القوى، بل عن خلل في فهم معنى التفاوض نفسه.

تكليف شخصية طارئة على العمل الدبلوماسي بهذا الحجم من الملفات ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه. في المقابل، الطرف الآخر يختار من يعرف كيف تُدار المعارك الهادئة: لغةً، وتوقيتًا، وإشارات. الفارق هنا ليس في الأسماء، بل في العقل الذي يقف خلف الطاولة.

بكلام أبسط: لبنان لم يدخل التفاوض وهو يعرف ماذا يريد، بل وهو يحاول أن يكتشف ما الذي يمكنه تحمّله.

المشكلة لا تبدأ عند الطاولة… بل قبلها.

في ملف ترسيم الحدود البحرية مثلًا، احتاج لبنان سنوات ليصل إلى ورقة موحّدة، وبين طرح وخط آخر، وبين تعديل ومراجعة، بدا وكأن الدولة تفاوض نفسها قبل أن تفاوض خصمها. هذه ليست ملاحظة تقنية، بل خلل في بنية القرار.

الدول لا تفاوض بردّات الفعل. تفاوض بعقيدة واضحة: ماذا تريد؟ ما الذي لا يمكن التنازل عنه؟ وما الذي يمكن تدويره؟ في الحالة اللبنانية، هذه الأسئلة غالبًا لا تجد جوابًا واحدًا. كل طرف داخلي يملك تعريفه الخاص للمصلحة، وقراءته الخاصة للخطر، وحتى حساباته الخاصة للربح والخسارة.

وهنا تحديدًا، تتحول أي مفاوضات إلى امتداد للأزمة الداخلية. لا إلى حل لها.

التجربة ليست بعيدة. في مسار أوسلو، تحولت المفاوضات إلى عملية مفتوحة بلا نهاية واضحة. اجتماعات، لجان، تفاصيل… لكن النتيجة الفعلية كانت إدارة الوقت لا حل النزاع. قيل يومها-من داخل التجربة نفسها- إن العملية استمرت لأنها استمرت، لا لأنها كانت تتقدم.

إذا كان هذا حال مفاوضات بين أطراف تملك مؤسسات واضحة، فكيف يكون المشهد في بلد مثل لبنان، حيث القرار نفسه محل تفاوض دائم؟

التفاوض، في جوهره، ليس كلامًا. هو إدارة ضغط.

والضغط لا يُقاس فقط بالسلاح. يُقاس بقدرتك على الاحتمال، بوحدة قرارك، وبما تملكه خارج الطاولة قبل أن تجلس عليها. السؤال الحقيقي في أي تفاوض ليس: ماذا تقول؟ بل: ماذا تفعل إذا فشل التفاوض؟

في الحالة اللبنانية، هذا السؤال غالبًا غائب. أو يُترك في المنطقة الرمادية. أحيانًا يُؤجَّل، وأحيانًا لا يُطرح أصلًا. بينما الطرف الآخر يبني حساباته كلها عليه.

ثم هناك لعبة الوقت.

إطالة المفاوضات، فتح ملفات جانبية، الغرق في التفاصيل… كلها أدوات معروفة. الهدف بسيط: إنهاك الطرف المقابل، دفعه تدريجيًا نحو القبول بما كان يرفضه في البداية. لا شيء عفوي هنا. كل شيء محسوب.

لبنان، في أكثر من محطة، تصرّف وكأن الوقت يعمل لصالحه. وغالبًا، لم يكن كذلك.

ما الذي يحتاجه لبنان فعلًا؟

ليس بيانات أقوى. ولا نبرة أعلى، وإنما:

أولًا: حد أدنى من التوافق الداخلي. لا كشعار، بل كآلية عمل. لا يمكنك أن تفاوض وأنت مختلف مع نفسك على أصل الملف.

ثانيًا: تحديد واضح لما هو غير قابل للتنازل. ليس على الشاشات، بل في غرف القرار. لأن ما يُقال في الإعلام شيء، وما يُحسم في التفاوض شيء آخر.

ثالثًا: إعادة تعريف دور الوسيط. الوسيط ليس حكمًا محايدًا بالضرورة، بل طرفًا له مصالح. تجاهل هذه الحقيقة خطأ مكلف.

رابعًا: بناء فريق تفاوض حقيقي. ليس تمثيليًا. فريق يعرف أين يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يربط ملفًا بآخر. لأن التفاوض ليس خطًا مستقيمًا، بل شبكة مترابطة.

في النهاية، المشكلة ليست أن لبنان يفاوض. المشكلة أنه، في لحظات كثيرة، يفاوض من دون أن يحسم خياره:

هل يريد أن يربح… أم فقط أن لا يخسر كثيرًا؟

هذا ليس فرقًا لغويًا. هذا فرق في طريقة التفكير، بين الذي يذهب إلى التفاوض ليحمي حقوقه، يتصرف بطريقة، والذي يذهب ليخفف خسائره، يتصرف بطريقة أخرى تمامًا.

لبنان، كما يظهر في أكثر من تجربة، لم يحسم هذا السؤال بعد.

وهنا تكمن العقدة:

ليست فقط في قوة الخصم… بل في تردد من يجلس في المقابل. ولهذا، قبل أي جولة تفاوض جديدة، وقبل أي رهان على وسيط أو ظرف، يبقى السؤال الأهم، وربما الأكثر إزعاجًا:

هل يعرف لبنان فعلًا كيف يُفاوض؟


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور