في ذكرى تأسيس حرس الثورة الإسلامية، يجدر الحديث عن واحدة من أكثر مؤسساته التصاقًا بالمجتمع «الباسيج». فهذه القوة التي وُلدت من رحم الثورة عام 1979 دلت على تحوّل بنيوي في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في إيران. وفي قلب هذا التحول، برز «البسيج» كأكثر المؤسسات التصاقًا بالناس، كترجمة عملية لفكرة “الشعب المقاوم” القادر على حماية نفسه وصون خياراته. فمنذ ولادتها عام 1979، شكل البسيج حالة تعبئة مفتوحة، تتداخل فيها الأبعاد العقائدية والاجتماعية والأمنية، لتنتج نموذجًا فريدًا ساهم في خدمة الشعب والبناء الداخلي للمجتمع الإيراني في آنٍ معًا.
قوات «البسيج» تمثل ركيزة في استراتيجية “الدفاع الشامل” التي تبنّتها الجمهورية الإسلامية في مواجهة المشاريع الاستبدادية للعدو. وقد تجلّى هذا الدور بوضوح خلال الحرب المفروضة مع العراق (1980–1988)، حيث شكّلت قوات «البسيج» عمقًا بشريًا حاسمًا ساهم في تثبيت الجبهات وساعد على تقوية مفاصل الدولة الفتية تحت وطأة الدعم الدولي الواسع للنظام العراقي آنذاك. لم يكن حضورها آنذاك مجرد مشاركة عابرة، بل حملت معها منطقًا جديدًا في القتال قائمًا على الإرادة والعقيدة، ما أربك الحسابات التقليدية لأذرع العدو وقواته.
ومع تحوّل التهديدات بعد عام 2003 نحو أشكال أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع تصاعد الحضور العسكري الأميركي في المنطقة، أعادت إيران إنتاج مفهوم “التعبئة” بوصفه خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد. هنا، تعزّز دور «البسيج» كقوة مرنة قادرة على التكيّف مع أنماط الحرب غير المتكافئة، سواء عبر الانتشار السريع، أو دعم العمليات الدفاعية، أو تأمين الجبهة الداخلية. ولم يعد دورها محصورًا في المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتد إلى بناء بيئة داخلية متماسكة، قادرة على الصمود في وجه الضغوط المركّبة، من العقوبات الاقتصادية إلى الحرب النفسية والإعلامية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل «البسيج» عن مفهوم “الردع الشعبي” الذي بات أحد أعمدة محور المقاومة في المنطقة. فالتجربة الإيرانية، عبر «البسيج»، قدّمت نموذجًا يُحتذى في تحويل المجتمع إلى عنصر فاعل في معادلة الردع، وأن يكون لكل فرد دور مؤثر لا سيما في المراحل الحساسة. وهذا ما انعكس لاحقًا في تجارب قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، حيث تداخل البعد الشعبي مع العسكري، ليصعب على الأعداء تحقيق أهدافهم عبر الحروب والدمار أو الضغوط السياسية.
وخلافًا للصورة النمطية التي تحاول بعض المنصات الإعلامية الغربية تكريسها، لم تُختزل قوات «البسيج» في أدوار ضيقة، بل لعبت دورًا محوريًا في خدمة المجتمع الإيراني، خصوصًا في لحظات الأزمات. ففي الكوارث الطبيعية، من فيضانات وزلازل، كانت وحدات «البسيج» من أوائل القوى التي حضرت إلى الميدان، منقذةً ومساندة، عبر إجلاء العائلات، وتأمين المأوى، والمشاركة في إعادة إعمار ما تهدّم. هذا الحضور عكس فلسفة قائمة على اعتبار “الخدمة” جزءًا لا يتجزأ من مفهوم المقاومة.
كما برز دور «البسيج» في مواجهة تداعيات العقوبات الاقتصادية التي استهدفت المجتمع الإيراني بشكل مباشر. فإلى جانب الأدوار الأمنية، ساهمت «البسيج» في تنظيم مبادرات دعم للفئات الأكثر تضررًا، وتعزيز شبكات التكافل المحلي، ما ساعد على امتصاص جزء من الصدمات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، تحوّلت التعبئة إلى عملية متعددة الأبعاد، تشمل الاقتصاد والاجتماع والثقافة، وليس فقط الجانب العسكري.
ولا يمكن إغفال البعد الثقافي والفكري الذي تؤديه «البسيج»، خصوصًا في أوساط الشباب والطلاب. إذ تعمل على ترسيخ مفاهيم الهوية والاستقلال، ومواجهة محاولات “الاختراق الناعم” التي تستهدف البنية القيمية للمجتمع الإيراني. ومن خلال حضورها في الجامعات والمدارس، تسعى «البسيج» إلى إنتاج وعيٍ جمعي يرى في الاستقلال السياسي والاقتصادي شرطًا أساسيًا للكرامة الوطنية، في مواجهة نماذج الهيمنة الغربية.
إن قراءة تجربة «البسيج» تكشف أنها حالة مجتمعية متكاملة، استطاعت أن تدمج بين متطلبات الأمن والتنمية، وبين منطق الدولة وروح الثورة. وفي زمن تتكثّف فيه أدوات الضغط على دول محور المقاومة، تبدو هذه التجربة نموذجًا لقدرة الشعوب على تنظيم نفسها، وتحويل التهديدات إلى فرص لتعزيز الصمود الداخلي.
في المحصلة، تمثّل «البسيج» أحد أبرز تجليات فكرة أن القوة لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من عتاد، بل بما تملكه من مجتمعات واعية ومنخرطة في معركة الدفاع عن خياراتها. وبين الحرب والسلم، تثبت «البسيج» أن التعبئة، حين تتجذر في الناس، تتحول إلى قوة يصعب كسرها أو تجاوزها.