بعد أكثر من خمسة عشر شهرًا من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان، دخلت المواجهة الإقليمية مرحلة مفصلية أعادت رسم موازين القوى في المنطقة. فمع توسّع الحرب لتشمل إيران بصورة مباشرة، وجدت المقاومة في لبنان نفسها أمام ثلاثة خيارات: خوض الحرب قبل إيران، أو بالتوازي معها، أو بعدها. وقد شكّل خيار المواجهة المتزامنة نقطة التحول الأساسية، إذ تزامن صمود الجبهة اللبنانية مع دخول إيران بثقلها العسكري والسياسي، ما أفضى في النهاية إلى فرض وقف إطلاق النار على لبنان ضمن تسوية أوسع فرضتها التطورات الميدانية.
في هذا السياق، طبّقت طهران للمرة الأولى بصورة واضحة مفهوم "وحدة المسار التفاوضي"، أي الربط بين أي تفاوض يتعلق بالحرب عليها وبين مصير الجبهة اللبنانية. فإيران اعتبرت أن أي اتفاق لا يشمل لبنان يفتقد إلى القيمة العملية والسياسية، وأن أمن الساحات المتحالفة معها مترابط ولا يمكن التعامل معه بمنطق التجزئة. هذا التحول وضع الولايات المتحدة و"إسرائيل" أمام معادلة جديدة، عنوانها أن إنهاء الحرب مع إيران يمرّ حتمًا عبر وقف العدوان على لبنان.
أحد أبرز عناصر الضغط الإيرانية تمثل في مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى الورقة الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة. فقد اعتمدت طهران سياسة "الإدارة الذكية" للمضيق، معلنة أنه سيبقى مفتوحًا فقط أمام السفن غير المرتبطة بأعدائها. هذا الإجراء أدى إلى اضطراب واسع في حركة الملاحة العالمية وتراجع كبير في تدفق الطاقة، ما جعل الأسواق الدولية أمام خطر حقيقي. وفي المقابل، لم تنجح محاولات واشنطن في فرض حصار مضاد أو إعادة فتح الممر بالقوة، خصوصًا مع امتناع القوى الغربية عن الانخراط في مواجهة بحرية مباشرة. عند هذه النقطة، أدركت الإدارة الأمريكية أن الحل العسكري لم يعد كافيًا، وأن أي استقرار في الخليج يحتاج إلى تسوية سياسية مع طهران.
في الميدان، تواصلت العمليات العسكرية الإيرانية ضد أهداف إسرائيلية وأمريكية، بالتوازي مع استمرار المقاومة اللبنانية في منع الاحتلال من تحقيق إنجاز حاسم. هذا التزامن رفع كلفة الحرب على الطرف المقابل، وكرّس قناعة متزايدة بأن استمرار المواجهة سيقود إلى خسائر أكبر، سواء في الجبهة العسكرية أو في الاقتصاد العالمي. كما ساهم الضغط الشعبي داخل إيران، الرافض لأي هدنة تستثني لبنان، في تعزيز الموقف الرسمي المتمسك بوقف شامل لإطلاق النار.
وخلال مفاوضات إسلام آباد، ظهرت العقدة الأساسية بوضوح. فقد أصر الوفد الإيراني، بقيادة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، على أن لبنان جزء لا يتجزأ من أي تفاهم محتمل. في المقابل، حاول الجانب الأمريكي الفصل بين المسارين الإيراني واللبناني، لكنه اصطدم بموقف إيراني صلب مدعوم بمعادلات الميدان. ومع تعثر الجولة الأولى، بدأت واشنطن تدريجيًا تتراجع عن مقاربتها السابقة، بعدما تبيّن أن تجاهل الساحة اللبنانية سيُفشل أي اتفاق.
لكن بعد التوصل إلى تفاهم أولي، سارعت "إسرائيل" إلى خرق وقف إطلاق النار عبر غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت ومجازر بحق المدنيين، في محاولة لتعديل شروط الاتفاق ميدانيًا. عندها أرسلت طهران رسائل حاسمة عبر الوسيط الباكستاني مفادها أن استمرار العدوان على لبنان يعني نهاية الهدوء الهش في مضيق هرمز. هذا التهديد أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، ودفع الوسطاء إلى تحرك عاجل لتثبيت الاتفاق ومنع الانفجار مجددًا.
في ظل هذا الضغط المركب، ومع حاجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خفض أسعار الطاقة وتفادي أزمة اقتصادية داخلية، مارست واشنطن ضغطًا مباشرًا على تل أبيب للقبول بما عُرف بـ"هدنة الأيام العشرة" في لبنان. هذه الهدنة لم تكن مجرد إجراء ميداني مؤقت، بل شكلت اعترافًا ضمنيًا بأن إيران نجحت في فرض مبدأ الربط بين الجبهات، وأن وقف النار في لبنان أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي الجديدة.
المرحلة اللاحقة لم تشهد تراجعًا إيرانيًا في الخطاب أو الأدوات، بل عملت طهران على تثبيت مكاسبها. فقد أكدت أن استمرار الهدنة مشروط بوقف الخروقات الإسرائيلية، وأن إدارة مضيق هرمز ستبقى ورقة ضغط قائمة حتى تنفيذ الالتزامات كاملة. كما شددت على أن أي اعتداء جديد على لبنان أو على حلفائها في المنطقة سيُواجَه برد أوسع، في إطار سعيها إلى تثبيت منظومة ردع إقليمية مترابطة.
تكشف هذه الأزمة أن مفهوم القوة في النظام الدولي لم يعد يُقاس فقط بحجم الترسانات العسكرية، بل بقدرة الدولة على دمج أدوات القوة الصلبة والناعمة ضمن استراتيجية واحدة. فرغم التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، استطاعت إيران تحويل الجغرافيا والطاقة والربط بين الساحات إلى أوراق ضغط فعالة. كما أظهرت المواجهة حدود القوة العسكرية حين تفتقد إلى غطاء سياسي وقدرة على تحمّل حرب طويلة. وفي المقابل، برزت طهران كطرف قادر على فرض شروطه التفاوضية، لا مجرد الاستجابة لشروط الآخرين، وهو ما جعل وقف إطلاق النار في لبنان عام 2026 أحد أبرز تجليات هذا التحول.
الكاتب: غرفة التحرير