لم تعد مسألة الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي. غير أن النتائج التي مُنيت بها أميركا بقيادة ترامب حتى الآن، لا تشير إلى استعادة "الهيبة الأميركية" التي تدعي النخبة أنها ستعيدها، بل إلى تسارع غير مسبوق في تآكلها. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة تحالفاتها، ولا حتى على إقناع حلفائها بجدوى حروبها وهذا ما جاء في مقال نشره موقع "بوليتيكو".
وهذا ما عمق القلق داخل المؤسسات الأميركية حول تداعيات هذه الحرب، وآفاقها المبهمة ليس فقط على مستوى الميدان وما سيجري، بل على شبكة التحالفات التي باتت مهددة وهي التي شكّلت لعقود العمود الفقري للنفوذ الأميركي. فواشنطن، التي اعتادت قيادة العالم واكتسبت مواقع استراتيجية فيه لا سيما في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم في موقع صعب يهدد دورها التي استماتت في الدفاع عنه وهي تخسره اليوم. حتى باتت "القوة العظمى" تأخذ قراراتها وتحمل الآخرين سوء النتائج.
هذا السلوك لم يمرّ دون ثمن. من أوروبا إلى آسيا، حيث تتزايد المؤشرات على تراجع الثقة بالحليف الأميركي. دول حلف الناتو، التي لطالما شكّلت الظهير العسكري لواشنطن، أبدت هذه المرة تردّدًا واضحًا، بل وامتعاضًا من غياب التشاور المسبق. أما دول الجنوب العالمي، فقد وجدت نفسها أمام أزمة طاقة خانقة، نتيجة حرب لم تكن طرفًا فيها، ما عزّز السرديات المعادية للولايات المتحدة داخل مجتمعاتها.
لكن ما هو أخطر من ذلك، هو أن هذه الحرب كشفت حدود القوة الأميركية نفسها. فبدل أن تؤدي الضربات إلى فرض وقائع استراتيجية جديدة، ساهمت في دفع الدول المتضررة إلى البحث عن بدائل. أوروبا تسعى إلى فك ارتباطها الطاقوي، وآسيا تتجه نحو تسريع مشاريع الطاقة البديلة، فيما تبرز الصين كالمستفيد الأكبر، عبر سيطرتها على سلاسل توريد الطاقة النظيفة.
بمعنى آخر، الحرب التي كان يُفترض أن تعزز النفوذ الأميركي، تدفع العالم عمليًا إلى تقليل الاعتماد عليه.
في موازاة ذلك، يتعمّق الخلل في إدارة التحالفات العسكرية. فواشنطن لم تكتفِ بتجاهل حلفائها قبل بدء الحرب، بل فشلت لاحقًا في بناء جبهة موحّدة. المبادرات الأوروبية المستقلة، خصوصًا لحماية الملاحة، تعكس بداية تشكّل مقاربات أمنية لا تمرّ بالضرورة عبر البوابة الأميركية.
أما في الشرق الأوسط، فالمشهد أكثر تعقيدًا. صحيح أن بعض الدول أعادت التموضع أقرب إلى واشنطن تحت ضغط التطورات الأمنية، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أساسية أن الحرب لم تنتج استقرارًا كما تزعم الولايات المتحدة أنها فاعلة، بل عمّقت هشاشة الإقليم ورفعت كلفة الاصطفاف.
الأخطر بالنسبة لواشنطن، أن هذا التآكل لا يأتي فقط من خصومها، بل من داخل معسكرها نفسه. خصوصاً بعد بدء الدول الحليفة بالتفكير بخيارات بديلة، ويصبح سؤالها إلى أي مدى يمكن الوثوق بالولايات المتحدة؟
في هذا السياق، تبدو الحرب على إيران أقرب إلى لحظة كاشفة. ليست لحظة قوة، كما تحاول الإدارة الأميركية تصويرها، بل لحظة انكشاف استراتيجي، حيث تتحول أدوات النفوذ التقليدية إلى عوامل استنزاف. وهنا تكمن المفارقة فالولايات المتحدة دخلت بنفسها في مرحلة إعادة تشكيل عالم لم تعد فيه اللاعب الوحيد.
الكاتب: زهراء نعيم