في أعقاب أكثر من خمسة عشر شهرًا من الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت مختلف الأراضي اللبنانية، وجدت المقاومة نفسها أمام مفترق استراتيجي حاسم تمثل في ثلاثة خيارات: خوض الحرب قبل إيران، أو بالتوازي معها، أو بعدها. وقد شكّل خيار التزامن مع إيران نقطة تحوّل مفصلية في مسار المواجهة، إذ لم يكن مجرد قرار توقيتي، بل مدخلًا لإعادة تشكيل ديناميات الصراع على المستويين الميداني والسياسي. هذا القرار أسهم بشكل مباشر في تعطيل الاندفاعة الإسرائيلية، ومنعها من تحقيق أهدافها الأساسية، وفي مقدّمها الوصول إلى نهر الليطاني، كما أدى إلى كسر زخم الهجوم وإيقافه عند حدود بنت جبيل، ما أتاح للمقاومة استثمار عامل الزمن لتعظيم أثرها العملياتي والسياسي معًا .
ضمن هذا السياق، يمكن فهم إنجازات المقاومة بوصفها نتاجًا لتكامل دقيق بين القرار الاستراتيجي والأداء العملياتي. فقد نجحت في استباق عدوان كان مُعدًّا مسبقًا، واختارت اللحظة الأنسب للانخراط في المواجهة، مستفيدة من انشغال العدو في جبهة إقليمية أوسع. ولم يقتصر الأمر على صدّ الهجوم، بل تعدّاه إلى تحقيق مباغتة أمنية أعادت التوازن إلى العمل الاستخباري، إلى جانب التكيّف مع بيئة قتالية متطورة تكنولوجيًا، وإظهار قدرة متقدمة على إدارة الجبهة بشكل شامل ومترابط.
أولى هذه الإنجازات تمثلت في استباق العدوان الإسرائيلي. فقبل إطلاق الصواريخ من لبنان، كان الكابينت الإسرائيلي في حالة انعقاد لاتخاذ قرار ببدء عملية عسكرية ضد حزب الله ولبنان. غير أن المبادرة التي قامت بها المقاومة جاءت خارج كل التوقعات، خصوصًا في ظل تقديرات إسرائيلية سابقة اعتبرت أن الحزب قد تلقى ضربة قاسية في حرب عام 2024، وأنه غير قادر على خوض مواجهة جديدة. هذه الخطوة الاستباقية أربكت صناع القرار الإسرائيليين، وأفشلت الخطط الموضوعة مسبقًا، كما منحت المقاومة القدرة على التحكم بإيقاع المعركة منذ لحظاتها الأولى، والسير بها وفق مسار تصاعدي لا يملك العدو السيطرة عليه .
أما الإنجاز الثاني، فتمثل في اختيار التوقيت المناسب ضمن سياق حرب إقليمية. فقد كان العدو يعمل قبل اندلاع الحرب على استنزاف قدرات حزب الله عبر ضربات محدودة، مع تثبيت مواقع جنوب الليطاني دون الانجرار إلى حرب شاملة. في المقابل، كانت المقاومة تترقب اللحظة المثلى للرد. وقد جاءت هذه اللحظة مع بدء العدوان الإسرائيلي-الأميركي على إيران، حيث أدى اتساع رقعة المواجهة جغرافيًا إلى تشتيت القدرات العسكرية الإسرائيلية، وفرض عليها توزيع مواردها الجوية واللوجستية على مساحات واسعة، ما خلق فرصة استراتيجية للمقاومة للتحرك في توقيت مثالي .
ثالثًا، نجحت المقاومة في منع الهجوم الإسرائيلي نحو نهر الليطاني، وهو الهدف المركزي للعدوان، الذي كان يسعى إلى فرض منطقة منزوعة السلاح جنوب النهر. إلا أن العمليات البرية الإسرائيلية اصطدمت بتكتيكات فعالة اعتمدها المقاتلون، أبرزها أسلوب الكرّ والفرّ، ما حال دون استقرار القوات الإسرائيلية في أي نقطة، وأفشل محاولات التثبيت الميداني.
وفي موازاة ذلك، حققت المقاومة مباغتة أمنية مهمة، أعادت من خلالها ترميم فعاليتها الاستخبارية. فقرار العمل الاستباقي لم يكن عسكريًا فقط، بل أمنيًا أيضًا، إذ أتاح تنفيذ ترتيبات حالت دون تمكن العدو من تحقيق اختراقات نوعية، وهو ما يعكس استعادة واضحة للعافية الاستخبارية بعد الضربات السابقة .
كما أظهرت المقاومة قدرة لافتة على التكيّف مع الحرب التكنولوجية المتقدمة. فرغم ما تعرضت له من استهدافات دقيقة طالت مستويات قيادية واستخدام العدو لتقنيات متطورة، لم تنكفئ عن خوض هذا النمط من الحرب، بل طورت قدراتها التقنية والعسكرية بما يتناسب مع طبيعة التهديد. وقد أثبتت نتائج العمليات الميدانية أن هذا التكيّف كان فعالًا، وأعاد التوازن في مواجهة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.
إلى جانب ذلك، برزت قدرة المقاومة على إدارة الجبهة بشكل شامل ومتكامل. فقد أظهرت مرونة عالية في التعامل مع الحملات البرية الإسرائيلية، سواء من خلال المناورة الميدانية أو في إدارة إطلاق الصواريخ. كما حافظت على استمرارية خطوط الدعم والإمداد بين الخلفية والجبهات الأمامية طوال فترة الحرب، وهو مؤشر واضح على مستوى متقدم من القيادة والسيطرة.
وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، أسهمت هذه العوامل مجتمعة في وقف العدوان، بالتوازي مع الدعم الإيراني على مستوى المفاوضات، حيث تم ربط أي مسار تفاوضي بضرورة وقف إطلاق النار في لبنان. هذا التنسيق يعكس مستوى عالٍ من التشبيك داخل محور المقاومة، وقدرته على الجمع بين العمل العسكري والسياسي لتحقيق أهداف مشتركة.
أما على صعيد الكلفة التي فرضتها المقاومة، فقد تكبّد العدو خسائر فادحة، لا سيما في الجبهة الشمالية، حيث تحولت مناطق واسعة إلى بيئة غير آمنة، خصوصًا للمنشآت العسكرية. وقد تعمدت المقاومة إيقاع خسائر مؤلمة في صفوف القوات الإسرائيلية خلال الاشتباكات البرية، بهدف ترسيخ معادلة مفادها أن أي توغل في الأراضي اللبنانية ستكون كلفته مرتفعة. هذه الرسائل الميدانية انعكست قلقًا داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي، وجعلت أي قرار مستقبلي بالتصعيد أكثر تعقيدًا وترددًا .
وأخيرًا، أسقطت المقاومة النظرية الأمنية الإسرائيلية التي كانت تقوم على فكرة "المنطقة العازلة" وحرية الحركة كضمانة لأمن المستوطنين. فقد أثبتت مجريات الحرب أن انتشار القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية لا يوفر الحماية، بل يجعل المستوطنات عرضة للخطر. ومن خلال عملياتها الصاروخية، حولت المقاومة مناطق الشمال إلى مناطق غير آمنة، ما نسف الادعاءات الإسرائيلية حول استعادة الأمن، وأعاد تثبيت معادلة الردع بشكل واضح.
بهذا، يتضح أن ما تحقق لم يكن مجرد إنجازات ميدانية متفرقة، بل منظومة متكاملة من القرارات والأداءات التي أعادت رسم معادلات الصراع، ورسخت واقعًا استراتيجيًا جديدًا في المواجهة.
الكاتب: غرفة التحرير