تثبّت المقاومة الإسلامية في لبنان – حزب الله في معركة "العصف المأكول"، استراتيجيتها في مواجهة العدوان الصهيوأمريكي، "الدفاع المرن – Flexible Defense "، وهو ما يميّز طبيعة الحرب غير المتماثلة. فهذه الاستراتيجية بما تحويها من فن عملياتي عسكري وتكتيكات، تهدف إلى استنزاف القوات المهاجمة بدلاً من محاولة التمسك بمواقع جغرافية ثابتة. مع العلم بأن مجاهدي المقاومة بالرغم من اتقانهم لهذه الإستراتيجية الناجعة، فإنهم يملكون روحاً قتاليةً كربلائية استشهادية، تعزّز من المكتسبات التي تحققها هذه الاستراتيجية، بل وبفضلها يتفوقون على عناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي في مجال القتال البري، لأن الإسرائيلي يخشى التقدّم في غياب التغطية الجوية والدعم الناري.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على عدة ركائز أساسية:
_الاستنزاف الجغرافي: استغلال العوامل الجغرافيا وتضاريس الطبيعة الجبلية والوعرة لمنطقة جنوبي لبنان، بالإضافة الى المناطق الحرجية، لإطالة أمد المواجهة البرية وتشتيت القوات الإسرائيلية، مما يجعلها عرضة للكمائن وحرب العصابات.
_اللامركزية القتالية: الانتقال من هياكل القيادة والخطوط الدفاعية الثابتة إلى وحدات صغيرة شبه مستقلة ومتحركة لكل الوحدات (القتال المباشر أم الدعم الناري). وهذا التحول يقلل من تأثير عمليات الاغتيال التي تستهدف القيادات العليا، ويسمح بانتشار الوحدات الإسرائيلية على أوسع مساحة، بحيث تظل الوحدات الميدانية قادرة على العمل بمرونة وسلاسة دون فتح أي ثغرة، رغم إجراءات التطويق والأحزمة النارية المعادية.
_الدفاع "المفتوح": وهو تكتيك يهدف إلى جذب وإبقاء القوات الإسرائيلية المهاجمة داخل مناطق القتال بدلاً من دفعها للتراجع العميق فوراً، وذلك لتوسيع "بنك الأهداف" المتاح للمقاومة وزيادة الخسائر البشرية والمادية في صفوف الخصم.
_ منع الإسرائيلي من التثبيت: فأي منطقة يدخلها جيش الاحتلال لن تكون بمأمن من عمليات الإغارة والكمائن القاتلة والهجمات النارية الدقيقة. وهذا ما كان مثاله واضحاً في منطقة القطاع الغربي، سواء في البياضة أو شمع أو مارون الراس والطيبة والقوزح وغيرها. حيث كانت العمليات الهجومية للمقاومة بالطائرات المسيرة الانقضاضية وبالقذائف الصاروخية والمدفعية، كبيرة التأثير على جيش الاحتلال من ناحية إيقاع الخسائر البشرية والمادية في صفوفه، الذي أعاق عملية تثبيته لمواقعه.
_الاعتماد على الأنفاق: استخدام شبكة أنفاق عميقة محفورة في الصخر لتوفير الحماية للمقاتلين وتخزين الصواريخ، مما يمنحهم "مرونة عملياتية" للظهور المفاجئ وتنفيذ الهجمات ثم الانكفاء والاختفاء.
_ تعزيز استخدام الأسلحة المشتركة للدعم الناري القريب، من هاون وتشريكات متفجرة ومدفعية وصواريخ قصيرة المدى، لدعم المجموعات القتالية المقاومة في مناطق الاشتباكات والكمائن.
_ الدعم الناري البعيد: بالتزامن، حافظت المقاومة على وتيرة متصاعدة في استهداف المواقع والقواعد العسكرية في الداخل المحتلّ، خاصةً التي ترتبط بشكل وثيق بالوحدات القتالية لجيش الاحتلال المتوغلّة في الأراضي اللبنانية. فكانت عمليات الاستهداف الدقيق، لمواقع الرادارات ومنظومات الاتصال ومناطق التحشد والدعم اللوجستي وإدارة العمليات الجوية ومرابض المدفعية التابعة للقيادة الشمالية، في منطقتي الجليل والجولان المحتلّ، فضلاً عن الاستمرار في مهاجمة المناطق الاستيطانية في شمالي فلسطين المحتلة، لإبقاء الضغط على قيادة الكيان.
_التكيف التكنولوجي: دمج الطائرات المسيرة (Drones) والأسلحة الدقيقة ضمن العمليات الدفاعية لتنفيذ ضربات من مسافات بعيدة، مما يقلل من المواجهة المباشرة التي قد تسبب خسائر كبيرة في صفوف المقاومين، مع تكثيف عمليات وحدة الدفاع الجوي التي استطاعت في الكثير من المرات، إسقاط الطائرات المسيرة الإسرائيلية التي تؤمن الوعي الظرفي لغرف عمليات الاحتلال، أو دفع المروحيات القتالية الى مناطق أبعد من أراضي المواجهات، ومنعها من تقديم الدعم الناري القريب أو إجلاء الإصابات التي تقع في صفوف الاحتلال بسهولة من مناطق العمليات.
إطار استراتيجي متكامل
وعليه، لا يمكن اعتبار "الدفاع المرن"، مجرد تكتيك ظرفي قد يراه البعض غير متكافئ، بل هو إطار استراتيجي متكامل، يعيد تعريف موازين القوة في الحرب البرية مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. فبدلاً من السعي إلى السيطرة الثابتة، تُحوِّل المقاومة ساحة القتال إلى بيئة استنزاف مفتوحة، تُستدرج فيها القوات المهاجمة إلى معركة طويلة الأمد تفقد خلالها تفوقها التكنولوجي تدريجياً تحت ضغط الضربات المتكررة واللامركزية القتالية.
وبالتالي، فإن ما يتكرّس في هذه المعركة ليس فقط نجاحات ميدانية مرحلية، بل نموذجاً قتالياً متقدماً في حروب الجيل الجديد، حيث تتفوق الإرادة والتنظيم المرن والتكيّف العملياتي على الكتلة النارية والتفوق الجوي. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي تقدم إسرائيلي مكلفاً وغير مستقر، فيما تظل المقاومة قادرة على إعادة إنتاج قوتها القتالية واستمرار المبادرة، بما يفرض معادلة ردع متراكمة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عمق التفكير العسكري للعدو نفسه.