الخميس 16 نيسان , 2026 03:00

من كمين مارون الراس إلى مسيّرات الألياف: انقلاب في موازين المعركة جنوباً

جنود إسرائيليون يهربون

شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية تصعيداً ميدانياً لافتاً، تجلّى في تنفيذ 39 عملية عسكرية نوعية، عكست انتقال المعركة إلى مستوى أكثر تعقيداً وفعالية من قبل المقاومة. وكان أبرز هذه العمليات كمين مارون الراس – بنت جبيل الذي استهدف قوات من لواء المظليين النخبوي، إلى جانب إدخال تكنولوجيا المسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية، التي شكّلت تحولاً نوعياً في موازين التفوق الجوي والتقني. هذا التطور لم يكن تكتيكياً فحسب، بل استراتيجياً، إذ أسهم في تقويض أحد أهم عناصر القوة لدى العدو.

في المشهد العام، يتضح أن المقاومة تدير معركة استنزاف ممنهجة، نجحت في تحويل خطة العدو لإقامة "حزام أمني" إلى مصيدة استنزاف يومية، انعكست آثارها على الداخل الإسرائيلي الذي بدأ يشهد تصدعات متزايدة، وصلت إلى حد تهديد رؤساء مستوطنات الشمال بـ"رفع الأعلام البيضاء". وفي المقابل، يظهر أن العدو يحاول تحقيق إنجاز معنوي في مدينتي بنت جبيل والخيام، إلا أن شدة القتال الذي تخوضه المقاومة، والذي وُصف بأنه "قتال كربلائي"، أسقط هذه الرهانات وأفشل أي محاولة لفرض صورة نصر إعلامي.

على المستوى العملياتي، أثبتت المقاومة مستوى عالياً من الكفاءة في القيادة والسيطرة، من خلال اعتماد نموذج "اللامركزية المنسقة". فقد نجحت في تنفيذ 10 رمايات صاروخية متتالية على تجمعات العدو داخل بنت جبيل، بالتوازي مع استهداف مرابض المدفعية في خربة ماعر والزاعورة، وضرب قواعد استراتيجية مثل ميرون وشراغا، رغم مئات الغارات الجوية التي شنها العدو. هذا الأداء يعكس منظومة قيادة متماسكة قادرة على الاستمرار تحت الضغط.

أما في ما يتعلق بمحاور حشد العدو، فيُلاحظ أن تركيزه الأساسي يتمحور حول الجبهة الوسطى، ولا سيما معركة بنت جبيل، حيث دفع بما يعادل فرقتين ونصف من أصل خمس فرق منتشرة على امتداد الجبهة من الناقورة إلى الخيام. هذا التمركز غير المتوازن خلق ثغرات في محاور أخرى، مثل الطيبة والجناح الأيسر لمحور بنت جبيل الممتد من عيتا الشعب إلى القوزح وبيت ليف ورشاف ووادي العيون، ما أتاح للمقاومة استثمار هذه الفجوات. كما أن عجز العدو عن تحقيق اختراق في بنت جبيل دفعه إلى التحول من المناورة الهجومية إلى الدفاع الثابت، ما جعله عرضة للاستهداف في بيئة جغرافية معقدة تتفوق فيها المقاومة.

في القتال البري، اعتمدت المقاومة تكتيكات مستمدة من حرب العصابات الحديثة، حيث برزت "مصائد القتل" كأحد أبرز الأساليب، كما حصل في كمين الفجر ضد قوة من الكتيبة 101، إذ تم استدراجها إلى نقطة قتل محددة، وتفجير عبوة ناسفة، ثم الاشتباك معها من مسافة صفر. كذلك، ركزت المقاومة على تدمير الوسائط الهندسية والدروع، حيث دمرت جرافة D9 ومجموعة من دبابات الميركافا، ما أدى إلى كشف المشاة وإضعاف قدرتهم على التقدم.

كما اعتمدت على العمليات التعرضية لاستهداف أي مواقع جديدة ينشئها العدو، مثل مرابض المدفعية في جبل الباط – عيترون ومحيط موقع الصدح والبيّاضة. وفي ميدان الإسناد، برز الدمج الناري بين الصواريخ والمدفعية والمسيّرات، حيث استهدفت المقاومة مناطق إخلاء الجرحى بعد كمين مارون الراس، ما أدى إلى مضاعفة خسائر العدو وتعقيد عمليات الإنقاذ.

في إطار مناورة النار، وسّعت المقاومة نطاق الاستهداف ليشمل العمق الاستراتيجي، حيث ضربت قواعد مثل ميرون وفيلون وشراغا، إلى جانب تنفيذ صليات مكثفة على مستوطنات الحافة مثل كريات شمونة ومسكاف عام وأفيفيم ونهاريا، ما أبقى الشمال الإسرائيلي في حالة شلل. كما استخدمت المسيّرات الانقضاضية لاستهداف مرابض المدفعية في الزاعورة وخربة ماعر، بهدف عزل الإسناد الناري للعدو.

في المقابل، يعتمد العدو على استراتيجية "الخنق والاستنزاف"، عبر خمسة مسارات رئيسية: تكثيف الطائرات المسيّرة في النبطية وإقليم التفاح، تنفيذ قصف مركز على قرى تبنين وحاريص وبرعشيت وشقرا لتليين النسق الثاني، إحكام الحصار الناري حول صور، قصف الأودية الاستراتيجية مثل الحجير والسلوقي، ومحاولة قطع خطوط الإمداد عبر استهداف الجية والسعديات.

أما في مجال الدفاع الجوي، فقد نفذت المقاومة 4 عمليات نوعية، تمثلت في إجبار مسيّرات هرمز 450 على التراجع في أجواء قبريخا والشبريحا وساحل الزهراني، والتصدي لطائرة حربية فوق دبعال، إضافة إلى الإنجاز الأبرز المتمثل في إجبار مروحية أباتشي على الانسحاب فوق المنصوري، ما حدّ من قدرة العدو على الإسناد الجوي القريب.

على المستوى النفسي، أحدثت المسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية صدمة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خاصة مع كلفتها المتدنية التي لا تتجاوز 1000 دولار مقابل قدرتها على تدمير معدات بملايين الدولارات، ما أدى إلى تآكل صورة التفوق التكنولوجي. كما نجحت المقاومة في معركة الوعي، من خلال الجولات الإعلامية التي فضحت الرواية الإسرائيلية.

في تفنيد السرديات الإسرائيلية، يظهر التناقض واضحاً بين الادعاء بضعف المقاومة وبين تنفيذها 39 عملية يومياً، واستهدافها وحدات نخبوية وإجبار مروحيات الأباتشي على التراجع. كما أن فكرة "الحزام الأمني" تتهاوى أمام اعترافات إسرائيلية بأنها ستتحول إلى نقاط احتكاك دائم، تعيد إنتاج تجربة ما قبل عام 2000. كذلك، تكشف تصريحات قادة المستوطنات عن فشل أهداف الحرب، إذ يلوّحون برفع الأعلام البيضاء في حال عدم تفكيك المقاومة.

في الخلاصة، تشير المؤشرات إلى ثلاث دلالات رئيسية: أولاً، نهاية عصر التفوق الإلكتروني الإسرائيلي نتيجة إدخال تكنولوجيا الألياف البصرية التي عطلت أنظمة مثل القبة الحديدية و"مقلاع داوود". ثانياً، تحول مواقع العدو إلى أهداف ثابتة سهلة الاستهداف. ثالثاً، فرض المقاومة لإيقاع التفاوض عبر النار، حيث إن أي تسوية مستقبلية لن تتم إلا وفق ميزان القوة الذي ترسمه في الميدان.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور