الأربعاء 15 نيسان , 2026 04:14

المقاومة تفرض معادلات النار: ثلاث فرق إسرائيلية تغرق في وحل الجنوب

صواريخ المقاومة وجرحى إسرائيليين

في تقييمٍ شامل للوضعية العامة للجبهة اللبنانية ليوم الثلاثاء 14-4-2026، يتضح أن الساعات الأربع والعشرين الماضية شكّلت نقطة تحوّل ميداني نوعي، حيث فرضت المقاومة الإسلامية إيقاعها بالنار والمبادرة، متجاوزةً الضغوط السياسية المرتبطة بمفاوضات واشنطن، ومؤكدةً أن الميدان هو الحاكم الفعلي لمسار الصراع. فقد شهد المشهد إدخال لواء مدرعات جديد من الفرقة 36 إلى ساحة المعركة، لترتفع بذلك القوى المنخرطة في معركة بنت جبيل إلى ثلاث فرق رئيسية هي 98 و162 و36، تعمل منها على الأرض ستة ألوية نخبة مشاة ولواءان مدرعان، ما يمثل نحو 80% من أفضل الألوية القتالية في جيش العدو، في مؤشر واضح على حجم الاستثمار العسكري الإسرائيلي في هذه الجبهة.

ورغم هذا الحشد غير المسبوق، فشل العدو خلال أربعة أيام متواصلة في اختراق القشرة الدفاعية لمدينة بنت جبيل، حيث واجه نشاطاً هجومياً مضاداً عالي الكثافة من المقاومة، فيما تجددت الاشتباكات بعنف في بلدة الخيام مع محاولة التقدم الثامنة عشرة على التوالي باتجاه الحيين الغربي والشمالي دون تحقيق أي اختراق يُذكر. وقد نجحت المقاومة في تحويل محاولات التقدم هذه إلى مصائد موت محققة، حيث اعترف العدو بإصابة قائد الكتيبة 52 مدرعات، ومقتل رائد، وإصابة ثلاثة جنود من اللواء 188 في اشتباك ثانٍ، إضافة إلى إصابة 10 مظليين في اشتباك ثالث مع خلية مقاومة من ثلاثة مجاهدين فقط، في دلالة صريحة على الفعالية القتالية العالية للوحدات الصغيرة.

على المستوى العملياتي، أظهرت المقاومة نموذجاً متقدماً من "اللامركزية المنسقة"، حيث نُفذت رمايات صاروخية متزامنة عند الساعة 18:00 و18:15 و18:30 على أكثر من 12 مستوطنة وقاعدة عسكرية في وقت واحد، ما يعكس وجود شبكة قيادة وسيطرة متماسكة لم تتأثر بحملات التدمير الجوي الإسرائيلي. في المقابل، سعى العدو إلى التمركز في محاور بنت جبيل والخيام وشمع والبياضة، محاولاً إنشاء مواقع عسكرية ثابتة ومؤقتة، إلا أن المقاومة رصدت هذا التوجه مبكراً وحولت هذه النقاط إلى مراكز استنزاف وتدمير لوجستي وبشري.

وفي تكتيكات القتال البري، أدارت المقاومة المعركة بثقة عالية مستندة إلى مفاهيم الحرب اللامتكافئة الحديثة، حيث اعتمدت على "الدفاع المرن والنشط" بدل التمركز الثابت، عبر تكتيك الاستدراج والكيّ، الذي يقوم على السماح للقوات المعادية بالتوغل المحدود في أطراف الخيام وبنت جبيل والقوزح، ثم تطويقها بنيران مركزة تمنعها من التثبيت أو بناء تحصينات. كما شكّل الاستخدام المكثف للمسيّرات الانقضاضية من نوع FPV، المرتبطة بالألياف البصرية وغير القابلة للتشويش، تحولاً حاسماً، إذ استُخدمت لاستهداف آليات متحركة بدقة عالية، مثل تدمير آلية هامر في عين إبل، وآلية لوجستية في كريات شمونة، وقصف مباشر لجنود في الناقورة، ما أدى عملياً إلى تحييد التفوق المدرع وأنظمة الحماية الإسرائيلية مثل "معطف الريح".

وفي إطار العمليات التعرضية، لم تنتظر المقاومة هجمات العدو، بل بادرت إلى ضرب تجمعاته قبل انطلاقها، كما حصل في جنوب الخيام عند الساعة 00:10 و15:45، وفي شمع والبياضة، في حين حققت نجاحاً استخبارياً بارزاً عبر رصد مرابض مدفعية مستحدثة في البياضة وتدميرها فوراً بالصواريخ عند الساعات 06:10 و06:20 و13:15، ما أربك منظومة الإسناد الناري للقوات المتقدمة.

أما في مناورة النار، فقد اعتمدت المقاومة ثلاثة أبعاد متكاملة: الأول استهداف العمق الاستراتيجي عبر ضرب قواعد ومراكز قيادة مثل شراغا وثكنة ليمان وكرميئيل ونهاريا؛ الثاني توسيع جبهة الاستنزاف في الجولان السوري المحتل عبر استهداف مواقع عسكرية متعددة؛ والثالث تنفيذ صليات صاروخية متزامنة بين 18:00 و18:30 على مستوطنات الحافة الأمامية مثل كريات شمونة والمطلة ومسكاف عام وديشون، بهدف إغراق منظومات الدفاع الجوي وإبقاء الجبهة الداخلية في حالة شلل كامل.

في المقابل، أظهر العدو انتقالاً في استراتيجيته النارية من التمهيد الموضعي إلى العزل الشامل والتدمير الممنهج، عبر تكامل المدفعية والطيران والمسيّرات، مستهدفاً الغلاف اللوجستي لبنت جبيل، والعمق الساحلي في صور، وعقد الربط على محور النبطية – الليطاني، إضافة إلى الحافة الأمامية الشرقية في الخيام وميس الجبل بهدف إحداث إبادة هندسية للمناطق السكنية. وقد شملت هذه الضربات أكثر من 40 قرية، ما يعكس محاولة تعويض الفشل البري عبر التدمير الواسع في النسقين الثاني والثالث.

وفي ميدان الدفاع الجوي، سجلت المقاومة إنجازات نوعية، حيث أجبرت طائرة حربية إسرائيلية على التراجع فوق البقاع الغربي، وأجبرت مسيرتين من نوع "هرمز 450" على الانسحاب فوق صور وساحل الزهراني، كما أعلنت إسقاط مسيّرة من الطراز نفسه بتاريخ 11-4-2026 فوق بلدة صديقين بصاروخ أرض-جو، ما يشير إلى تقويض فعلي لقدرات الاستطلاع الإسرائيلية.

وعلى صعيد الحرب النفسية، سقطت السردية الإسرائيلية التي تروج للسيطرة، إذ كشفت تقارير داخلية عن تحول المواقع العسكرية إلى بؤر استنزاف مستمر، فيما تؤكد إصابة قادة ميدانيين كبار ومقتل ضباط وتمرد جنود الاحتياط في الفرقة 146 حجم الأزمة البنيوية التي يعيشها الجيش الإسرائيلي في الميدان.

خلاصة المشهد تشير إلى سقوط التفوق التكنولوجي الإسرائيلي أمام سلاح بسيط وفعال كمسيرات FPV، وفشل استراتيجية المواقع الثابتة التي تحولت إلى أهداف مكشوفة، مقابل تكامل جبهات الإسناد لدى المقاومة واستمرار قدرتها على إدارة معركة متعددة الساحات. في المحصلة، يقاتل جيش العدو بلا أفق واضح، غارقاً في استنزاف بنت جبيل والخيام، فيما تفرض المقاومة معادلاتها بثبات ميداني وابتكار تكنولوجي متصاعد، ما يعيد رسم توازنات القوة في هذه المرحلة من الصراع.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور